من يتحكّم بشريط أخبار الفيسبوك الخاص بك؟

(ماكس يولينشتاين، مدير المنتَج؛ ولورين سيسورز باحثة تجربة المستخدم، في قاعة مؤتمرات بالقرب من مكان عمل فريقهم).

من يتحكّم بشريط أخبار الفيسبوك الخاص بك؟

الأحد 07 شباط 2016

بقلم ويليام أوريموس، ترجمة عمر فارس

(نشر هذا المقال بالإنجليزية على موقع مجلة Slate في ٣ كانون الثاني ٢٠١٦).

في كل مرة تفتح فيها فيسبوك، تبدأ بالعمل إحدى أكثر خوارزميّات العالم تأثيرًا، وأكثرها إثارة للجدل وتعرّضًا لسوء الفهم. تفحص هذه الخوارزمية وتجمع كل ما نُشر في الأسبوع السابق، من قِبل أصدقائك، وجميع من تتابعهم، والمجموعات التي تنتمي إليها، وكل صفحات الفيسبوك التي قمت بالإعجاب بها مسبقًا. هذه المنشورات تقارب الـ1500 منشور لمستخدم فيسبوك الاعتيادي. وإن كنت تمتلك مئات الأصدقاء، قد تصل إلى عشرة آلاف.

ووفقًا لصيغة تحيطها السريّة ودائمة التغيّر، ترتب خوارزميّة شريط الأخبار (News feed) الخاصة بفيسبوك المنشورات جميعها، حسب ما تؤمن بأنه الترتيب الأمثل لاحتمالية اهتمامك بكل منشور. ومعظم المستخدمين سيرون فقط المئات القليلة الأولى.

لا أحد من خارج فيسبوك يعلم حقيقةً كيف تفعل الخوارزميّة ذلك، ولا أحد من داخل الشركة سيخبرك. ولا تزال نتائج عملية الترتيب الآلي تلك تشكّل الحياة الاجتماعية وعادات القراءة لأكثر من مليار مستخدم يوميّ نَشِط – خُمْس تعداد بالغِي العالم. لقد قلبتْ قوة الخوارزميّة الهائلة صناعة الإعلام رأسًا على عقب، مانحةً شركات ناشئة مثل BuzzFeed وVox شهرة واسعة، بينما تذبل وتموت جرائد أخبار بعُمْر مئة عام. دعمتْ الخوارزميّات الازدهار الخارق لشركات كانت ميزانياتها بالمليارات مثلZynga وLivingSocial، لتجفف أرباحها بعد عام أو عامين عن طريق تعديلات ضئيلة على كوداتها، مخلّفةً ورائها مستثمرين مفلسين وعمّالًا مسرّحين. من الممكن أن تُعدَّل خوارزمية شريط الأخبار الخاصة بفيسبوك لجعلنا سعداء أو حزينين؛ يمكنها أن تعرِّضنا لأفكار جديدة وصعبة، أو تعزِلنا في فقاعات أيديولوجية.

لا تزال خوارزميّة شريط أخبار الفيسبوك، رغم قوة تأثيرها، غير مصقولة بشكل مستغرَب، وزئبقيّة بجنون، ومبهمةً بعِنْد. حيث لا زالت تزوّدنا بمنشورات نجدها تافهة ومزعجة ومُضلِّلة، أو فقط مملّة. وفيسبوك يعلم ذلك. وعلى مدى الأشهر الماضية، كانت شركة فيسبوك تجري اختبارًا، يتمّ فيه عرض المنشور ذي المرتبة الأولى في ترتيب منشورات شريط الأخبار، إلى جانب المنشور ذي المرتبة الأقل، على مجموعة من المستخدمين. ومن ثم يُطلب منهم اختيار ما يُفضّلون قراءته. والنتائج كانت أن الترتيب الذي تقوم به الخوارزميّة يتوافق مع تفضيلات المستخدم «أحيانًا»، وحسب اعتراف فيسبوك، فالخوارزمية تتجه لتصبح أكثر دقّة. وعندما لا تتطابق نتائج الخوارزمية مع الاختبار، فإن هذا يُشير إلى «مساحة للتطوير»، بحسب ما تقول الشركة.

«أحيانًا» ليس مقدار النجاح الذي تتوقعه من كود مهيبٍ ومُفتخر به مثل هذا. إن تأثير خوارزمية شريط الأخبار الهائل أدى لظهور خطٍّ نقديٍّ يعتبرها كأنها تمتلك عقلًا خاصًّا بها، كأنها صيغة رونيّة* من الذكاء، أُطلقت في العالم لغايات لا يدركها العقل الإنساني. في وقت تقوم فيه فيسبوك وعمالقةُ سيليكون فالي آخرون، باطّراد، بفلترةِ خياراتنا وتوجيه قراراتنا من خلال برامج ذاتيّة التعلّم، وفي حين يقوم عمالقة التكنولوجيا أمثال إيلون مَسْك (Elon musk) وحائزون على التقدير العلميّ أمثال ستيفن هوكنج (Stephen Hawking) بتحذيرنا من التهديد الوجوديّ الذي نتعرّض له من قِبل الذكاء الاصطناعي (AI)، أصبحت كلمة خوارزمية نفسها تستثير القلق. فالخوارزميّات، في المخيّلة الشعبيّة، كيانات غامضة ومؤثرة، تقف خلف جميع الطُرُق التي تقوم من خلالها التكنولوجيا والحداثة بتلبية جميع رغباتنا وتهديد القيم التي نؤمن بها بشدّة.

إن حقيقة خوارزميّة الفيسبوك أقل فانتازيّة نوعًا ما، لكنها ليست أقل إدهاشًا. لقد حظيتُ بفرصة نادرة مؤخرًا لقضاء بعض الوقت مع فريق شريط أخبار فيسبوك في مقرّهم الرئيسيّ في مينلو بارك، كاليفورنيا. ورأيت كيف يبدو الأمر، حقيقةً، عندما يقومون بإحدى تلك «التعديلات» غير الشهيرة، ومحرِّكة السوق، على الخوارزميّة. لماذا يقومون بها، وكيف يقومون بها، وكيف يقرّرون مدى نجاح الأمر. نظرة خاطفة من داخل أماكن العمل الخاصة بهذه التعديلات لا تلقي الضوء فقط على آليات عمل شريط أخبار الفيسبوك، وإنما على محدّدات ذاتيّة التعلّم، ومخاطر اتخاذ القرار المبني على البيانات، والتحرّكات التي تقوم بها فيسبوك باطّراد لجمع التغذية الراجعة من المستخدمين والتعامل معها، بالإضافة إلى مجموعة نامية من المختَبِرِين، الذين يصبحون نسخة فيسبوك الخاصة من عائلة نيلسِن.

وفقًا لصيغةٍ تحيطها السريّة ودائمة التغيّر، ترتب خوارزميّة شريط الأخبار (News feed) الخاصة بفيسبوك المنشورات جميعها، حسب ما تؤمن بأنه الترتيب الأمثل لاحتمالية اهتمامك بكل منشور

لقد عرفت أن الخلل في خوارزميّة الفيسبوك ليس سببه مشكلة تقنية ما في النظام. فعلى عكس الخوارزميات الحساسة التي تخيلناها في أحلام الخيال العلمي الحماسيّة الخاصة بنا، السبب وراء الخلل هو أن الذكاء الكامن وراء برامج الفيسبوك، بشكل أساسي، إنسانيّ. البشر يقرّرون أي البيانات تدخل، وما يمكن أن تفعله الخوارزميات بتلك البيانات، وما الذي يُريدونه كمُخرجات في النهاية. عندما تُخطئ الخوارزمية، فإن البشر هم من يقع عليهم اللوم. عندما تتطوّر، فإن ذلك يعود إلى أن مجموعة من البشر قرأوا حزمة من جداول البيانات، وعقدوا بعض الاجتماعات، وأجروا مجموعة من الاختبارات، وقرروا جعلها أفضل. وإن ظلتْ تتقدم نحو الأفضل، فسيكون لأننا واظبنا على إخبارهم حول جميع أشكال إخفاقاتها.

عندما وصلت إلى مكتب فيسبوك مترامي الأطراف، الذي صممه فرانك جيري، في مينلو بارك، قابلني رجل ذو ٣٧ عامًا، تتنقل تعابيره الصبيانية سريعًا ما بين ابتسامة صادقة وتعبيرٍ عن التركيز الشديد. توم أليسون هو مدير هندسة شريط الأخبار؛ إنه مسؤول عن البشر المسؤولين عن الخوارزميّة.

قادني أليسون خلال متاهة من الحجيرات المكتبية والمطابخ الصغيرة المفتوحة، باتجاه قاعة مؤتمرات صغيرة، حيث وعدني أن يكشف عن طبيعة خوارزمية الفيسبوك الحقيقية. في طريقنا إلى هناك، أدركت أنني بحاجة لاستخدام المرحاض وللسؤال عن مكانه. عبَرَ امتعاضٌ لا إراديّ قسمات وجهه قبل أن يعتذر ويبتسم، ومن ثم يقول: «سآخذك إلى هناك». في البداية، ظننت السبب فيما جرى أنه لا يريدني أن أضلّ الطريق. ولكن، عندما خرجت من الحمّام، كان ما يزال واقفًا في الخارج. وخطر لي أنه غير مسموح له ترْكي دون مراقبة.

(مكتب فيسبوك في مينلو بارك، كاليفورنيا).

(مكتب فيسبوك في مينلو بارك، كاليفورنيا)

للسبب نفسه – حرصُ فيسبوك الشديد على حماية أسرارها التجاريّة – لا يستطيع أليسون أن يحدثني عن الكود الفعليّ الذي تتشكّل منه خوارزميّة شريط الأخبار. لكنه يستطيع إخباري عما تفعله الخوارزميّة ولماذا، ولماذا هي دائمة التغيّر. بدأ، كما يفعل معظم المهندسين، من عند السبّورة.

«عندما تدرس علم الحاسوب، إحدى أولى الخوارزميات التي تتعلّمها تكون خوارزميّةَ ترتيب» يقول أليسون، مخربشًا مجموعة من الأعداد الصحيحة:

4، 1، 3، 2، 5

أمامنا مهمة سهلة: ابتكار خوارزميّة لترتيب الأعداد ترتيبًا تصاعديًّا. «البشر يعرفون كيف يفعلون ذلك» قال أليسون. «إننا، نوعًا ما، نقوم بذلك داخل أدمغتنا».

لكنّ الحواسيب يجب أن تُلقّن كيفية فعل ذلك بدقة، وهذا يتطلّب خوارزمية: مجموعة من التعليمات الدقيقة يتمّ من خلالها حلُّ مشكلة مُعطاة. الخوارزميّة التي أراني إياها أليسون تُسمّى «Bubble sort»، وتعمل هكذا:

1- لكل عدد في المجموعة، ابتداءً من الأول، تقوم بمقارنته مع العدد الذي يليه، لترى إن كانا في الترتيب المرغوب.

2- إن لم يكونا كذلك، تعكس ترتيبهما.

3- تُعيد الخطوة رقم 1 و2 إلى أن تكونَ قادرة على المضيّ في المجموعة من البداية إلى النهاية، دون عكسِ أي عدد فيها.

إن حسنةَ الـBubble sort تكمن في بساطتها. أما عيبها: إن كانت مجموعة بياناتك ضخمة، فإنها، حاسوبيًّا، غير فعّالة ومستهلِكة للوقت. فيسبوك، ولأسباب جليّة، لا تستخدم الـBubble sort. إنها تستخدم خوارزميّة أخرى لترتّب مجموعة المنشورات التي من الممكن أن تظهر في شريطك الإخباري عندما تفتح التطبيق. لكنّ هذا هو الجانب البسيط؛ خوارزميّة فرعية صغيرة داخل الخوارزمية الرئيسة. والجزء المهم هو إعطاء قيمة رقمية لكل تلك المنشورات في المقام الأول. وهذه هي باختصار وظيفة فريق ترتيب شريط الأخبار: ابتكار نظام قادرٍ على إعطاء أي منشور على الفيسبوك «درجة صِلة» (Relevancy score) خاصة بأي مستخدم.

إنها مشكلة صعبة بالنسبة لذلك النظام، لأن ما يُعتبر ذا صلةٍ بالنسبة لك – منشور لصديق طفولتك أو من أحد المشاهير الذين تتابعهم – قد لا يكون البتّة ذا صلةٍ بالنسبة لي. لذلك، يوضّح أليسون، يقوم فيسبوك باستخدام خوارزمية من نوعٍ مختلف، تسمّى خوارزميّة تنبّؤ. (إن خوارزمية شريط أخبار فيسبوك حقًّا، كما خوارزميّة البحث الخاصة بغوغل أو خوارزمية التوصيات الخاصة بـNetflix، مركّب ضخم من البرامج المكوّنة من خوارزميّات أصغر).

المنشور الذي تراه في رأس شريط الأخبار الخاص بك، تم تفضيله على آلافٍ غيره لأنه من المرجّح أن يجعلك تضحك، تبكي، تبتسم، تنقر، تعجَب، تُعيد نشر، أو تعلّق

«لنقلْ أنني طلبت منك أن تختار الفائز في مباراة قادمة بين فريق شيكاجو بولز وفريق لوس أنجلس ليكرز»، يقول أليسون في بداية كلامه. «بولز»، قلت سريعًا. يضحك أليسون، لكنه بعدها يومئ موافقًا. لقد أخذ عقلي مُدخله وأنتج مُخرَجًا لفظيًّا فوريًّا. ربما وفقًا لخوارزمية شيطانيّة خاصة به. (إن خوارزميّات عقل الإنسان أكثر تطوّرًا من أي شيء اخترعته سيليكون فالي حتى الآن، لكنها أيضًا تعتمد بشكل كبير على الاستدلال وعرضة للحماقات بشدّة).

لا ضير في التخمين العشوائي حين لا يكون هنالك ما تخسره، يقول أليسون. لكن لنقل أن هنالك الكثير من المال متوقفٌ على توقعاتي في كرة السلة، وأنني كنت أقوم بذلك ملايين المرات في اليوم. سأحتاج نهجًا أكثر نظاميّة. «ربما ستبدأ بالنظر إلى بيانات تاريخية» يقول، «ستنظر في سجلّ الفوز والخسارة لكل فريق، سجلات اللاعبين الأفراد؛ مَن منهم مصاب، ومَن يستمر في تحقيق أداء جيد. ربما ستأخذ في الحسبان عوامل بيئية: من هو الفريق المستضيف؟ هل أحد الفريقين يلعب بعد استراحة قصيرة، أو بعد رحلة عبر البلاد؟ من الممكن لخوارزمية توقعاتك أن تدمج كل هذه العوامل وأكثر. إن كانت الخوارزمية جيّدة، فإنها لن تتوقع الفائز في المباراة فقط، بل ستخبرك بدرجة ثقتها من النتيجة.

إن هذا مشابه لما تقوم به خوارزميّة شريط أخبار فيسبوك عندما تحاول توقّعَ إن كنت ستُعجَب بمنشورٍ ما. سألت أليسون عن عدد المتغيّرات -أو الخصائص (Features) بلغة التعلم الآلي- التي تأخذها خوارزمية فيسبوك بعين الاعتبار، فأجاب: «المئات».

إنها لا تتنبّأ فقط بما إن كنت ستنقر على زر الإعجاب لمنشور بناء على سلوكك السابق، إنها تتنبأ أيضًا ما إن كنت ستنقر، تعلّق، تُعيد تنشر، أو تخفي المنشور. أو حتى أن تصنفه كـ«سبام». سوف تتنبّأ الخوارزمية بكل هذه المخرجات، وغيرها، بدرجة تأكّدٍ معيّنة، ومن ثم تجمعها لتشكّل درجة صِلة واحدة مخصّصة لك وللمنشور. حالما يتحصّل كل منشور لديك في شريط الأخبار على درجة الصِلة الخاصة به، ستستطيع خوارزمية الترتيب وضعَهَم بالترتيب الذي ستراه على الشاشة. والمنشور الذي تراه في رأس شريط الأخبار الخاص بك، تم تفضيله على آلافٍ غيره لأنه من المرجّح أن يجعلك تضحك، تبكي، تبتسم، تنقر، تعجَب، تُعيد نشر، أو تعلّق.

لا يهم مدى الدقّة التي تصمّم بها خوارزميّةً، ستظل هنالك دائمًا بيانات لم تطّلع عليها: خطط المدرّبَيْن للمباراة، حالة ركبة ديريك روز يومها، وإن كانت الكرة منفوخةً جيّدًا. باختصار، المباراة لا تُلعَب من قِبل البيانات، إنها تُلعَب من قِبل البشر. والبشر أعقد جدًّا من أن يتمّ نمذجتهم من قبل أي خوارزميّة.

لا تزال خوارزميّة التنبؤ الخاصة بفيسبوك تواجه تعقيدًا آخر، وهذا الأخير أكثر إبستمولوجيّةً** بعض الشيء. من المفترض أن تكون درجة الصِلة مماثلة لمدى رجاحة الظن بفوز فريق شيكاغو بولز بالمباراة. هذا مُخرَجٌ محدّد ويمكن قياسه بالكامل: قد يفوزون أو لا. اعتادتْ خوارزميّة الترتيب الخاصة بفيسبوك على أن تحاول التنبؤ بمُخرَجٍ مماثل قابلٍ للحساب: إذا ما كنت ستتفاعل بطريقةٍ ما مع المنشور الذي لدينا. وجد الأشخاص المسؤولون عن شريط أخبار فيسبوك أن التفاعلات «Interactions» تمثّل مؤشرًا جيدًا على أن المنشور الذي لدينا ضربَ على وترٍ حسّاس. وكانت هذه التفاعلات الوقودَ الذي يُسيّر اقتصاد الفيسبوك: النقرات، والإعجابات، وإعادات النشر، والتعليقات هي ما يجعل المنشورات تنتشر بشكل واسع، وتحول المستخدمين الأفراد إلى مجتمعات، وتعود بالنفع على المعلنين الذين يعتمد عليهم فيسبوك في إيراداته.

إن هذه التفاعلات لا تمثّل ما يرغب به مستخدمو فيسبوك في الواقع، لكن تُشير إليه. ماذا لو قام الناس «بالإعجاب» بمنشورات لا تعجبهم حقًّا، أو نقروا على منشورات تبيَّنَ أنها غير مُرضية؟ قد تكون النتيجةُ شريط أخبارٍ يُحسّن الانتشار على حساب الجودة؛ شريط أخبارٍ يقدم للمستخدمين حِميةً ثابتة من الحلوى، تاركًا إياهم دائخين ومصابين بالغثيان بعض الشيء، يقومون بالإعجاب يمنة ويسارًا، لكن معززًا لديهم الكره تدريجيًّا تجاه هذه اللعبة السخيفة كلها. كيف ستعمل على منع ذلك؟

في نهاية عام 2013، كانت فيسبوك أشهر شركة في العالم. انفجرت الشبكة الاجتماعية متخطيةً حاجز المليار مستخدم وتاجرتْ بما يُقدّر بأكثر من 100 مليار دولار. لقد قضتْ الشركة العام الفائت في بناء تطبيق هاتفٍ مُعاد التصميم، سريعًا ما تخطّى محرّك بحث غوغل وخرائطه كأكثر التطبيقات شعبيّة بين الأمم. لم يعد فيسبوك فقط وسيلة للبقاء على اتصال مع الأصدقاء، بل في الواقع، غدا جريدة الأخبار العالمية للقرن الحادي والعشرين: نقل دائم التحديث للأخبار، التسلية، والتحديثات (Updates) من قِبل الأصدقاء والأحبة، مُصمّمة أوتوماتيكيًّا على مقاس الاهتمامات الخاصة بكل فردٍ مستخدمٍ.

داخل الشركة، شعر المسؤولون عن شريط الأخبار بسعادةٍ غامرة بسبب هذا الازدهار. لكن بينما كان اتصال المستخدمين يزداد ارتفاعًا، لم يكن واضحًا إن كان رضاهم الإجمالي عن الفيسبوك يواكب الأمر. كان الناس يقومون بالإعجاب بأشياء على فيسبوك أكثر من أي فترة سابقة. لكن هل كان إعجابهم بالفيسبوك أقلّ؟

لفهم كيفية نشوء ذلك السؤال، عليك أن تعود إلى 2006. أنشأ فيسبوك -الذي كان في البداية أشبه بملتقى ضخمٍ من الصفحات الشخصية والمجموعات، شبيهًا بـMyspace- شريطَ الأخبار في ذلك العام كمجمع لتحديثاتٍ حول نشاطات أصدقائك على الموقع. أظهر المستخدمون انزعاجهم من فكرة أن تحديثات حالاتهم، تغييرات صور حساباتهم، وملاحظات المديح المتبادلة على صفحاتهم سوف تكون مُلقاةً في شريط أخبار جميع أصدقائهم، لكنّ فيسبوك لم يتوقف عن ذلك.

مع ذلك، لم يظهر كل ما فعله أصدقاؤك في شريط الأخبار الخاص بك. لتفادي إغراق الناس بمئات التحديثات كل يوم، أنشأ فيسبوك خوارزمية بسيطة لفلترتها بناء على مدى رجاحة أن تكون من ضمن الاهتمامات. مع عدم توفر وسيلة حقيقية لحساب ذلك -زر الإعجاب ظهر بعد ثلاث سنوات- قام مهندسو الشركات، ببساطة، بافتراضات مبنية على حدسهم. شملت المعايير الأولى لتضمين منشورٍ ما داخل شريط الأخبار الخاص بك مدى آنيّته وعدد أصدقائك الذين ذُكروا (Mentioned) فيه. مع الوقت، حاول الفريق تعديل تلك الافتراضات واختبار كيفية تأثير التغييرات على مقدار الزمن الذي يقضيه المستخدم على الموقع. لكن دون وجود وسيلة لتقييم أي التصنيفات للمنشورات أسعدتْ الناس وأيها كانت مملّة، مُهينة، أو مزعجة لهم، كان المهندسون، بالأساس، يُخمّنون.

Facebook-Mosseri-Whiteboard.jpg.CROP.promo-xlarge2

آدم موسيري (واقفًا)، مدير المُنتَج لشريط الأخبار، مع فريقه من مدراء المُنتَج

لم يكن زرّ الإعجاب مجرّد طريقة جديدة للمستخدمين حتى يتفاعلوا على الموقع، بل كان وسيلةً تجند فيسبوك من خلالها مستخدميها في حل مشكلة الطريقة المُثلى لفلترة شريط الأخبار الخاص بهم. عدم علم المستخدمين بأنهم كانوا يقومون بذلك، لربما كان أشد ما في هذا الحل عبقريةً. إن أخبر فيسبوك المستخدمين بأن عليهم ترتيب ومراجعة منشورات أصدقائهم لمساعدة الشركة في تحديد كمّ البشر الآخرين الذين سيرون منشوراتهم هم، لكُنّا وجدنا العملية مٌضجرةً ومُشتِّتة. كانت خوارزميّة شريط الأخبار الخاص بفيسبوك إحدى أول الخوارزميّات التي تجند المستخدمين، دون علمهم، في شَخْصَنة تجربتهم، والتأثير بتجارب الآخرين.

فجأة، حازت الخوارزمية على طريقة لتحديد المنشورات الأكثر شهرة وجَعْلِها تنتشر على نطاق واسع أو تصبح (viral)؛ وهو مُصطلح استُخدم سابقًا للتعبير عن أشياء كانت تنتقل من شخص إلى آخر، أكثر من التعبير عن بثّها خوارزميًّا لجمهور ضخم. كما أن موظفي فيسبوك لم يكونوا الوحيدين الذين باستطاعتهم أن يعرفوا ما يتطلبّه منشور ما حتى ينتشر على نطاق واسع. بدأ الناشرون، والمعلنون، والنصّابون، وحتى المستخدمون العاديّون بتتبّع الصفات التي تشترك فيها المنشورات واسعة الانتشار؛ الخصائص التي بدت كأنها تؤدي إلى إعجابات لا واعية من قِبل أعداد هائلة من الأصدقاء، والمتابعين، وحتى غرباء عشوائيين. بدأ العديدون بتفصيل منشوراتهم وفق الشكل الذي ينال أكبر عدد ممكن من الإعجابات. وسارع استشاريو وسائل التواصل الاجتماعي لنُصْح الناس حول كيفية مواجهة خوارزمية الفيسبوك: الكلمات الأمثل للاستخدام، والوقت المناسب للنشر، والتوليفة المناسبة من الكلمات والصور. بدا وكأن بعض المنشورات تستدعيك قائلة «اضغط أعجبني»، وقد يفعل الناس ذلك، حتى لو لم يهتموا كثيرًا بتلك المنشورات. لم تمر فترة طويلة حتى بدتْ أشرطة الأخبار الخاصة بمستخدمي فيسبوك متشابهة بشكل مُريع: كلها مليئة بمحتوى صُمِّم حتى ينتشر على نطاق واسع، معظمه مفرط في العاطفية ومتعالٍ. وبات مخفيًا كل ما تعلق بالفحوى الهامة، والتفاصيل، والحزن، وكلّ ما قد يستحثّ العقل والعاطفة إلى ما هو أبعد من إشارة إعجاب بسيطة.

كانت مستويات التفاعل مرتفعة -مرتفعة جدًّا- لكن هل كان هذا حقًّا ما يجب على شريط الأخبار أن يُحسِّنه؟ شغل هذا السؤال كريس كوكس، الموظف القديم لدى فيسبوك والمثقّف الذي هندسَ شريط الأخبار. «إن الالتفات إلى الإعجابات، والنقرات، والتعليقات، وعمليات النشر يمثّل إحدى الطرق لتحديد ماهيّة ما يهتم به الناس»، يخبرني كوكس، ذو الثلاثة وثلاثين عامًا، عبر البريد الإلكتروني. (هو الآن مدير المُنتَج الرئيس لدى فيسبوك). «لكننا كنا نعلم بوجود أماكن ضعف في هذه الطريقة. على سبيل المثال، قد تقرأ منشورًا تراجيديًّا لا ترغب بنقر إعجاب به، أو التعليق عليه، أو إعادة نشره. لكن إن سألناك، سوف تجيب أن قراءته قد عَنَتْ لك شيئًا. قبل بضعة سنوات، عرفنا أننا بحاجة للالتفات إلى أمور غير الإعجابات والنقرات فقط، لتحسين كيفية عمل شريط الأخبار في مثل هذه الأنواع من الحالات».

تستطيع الخوارزميّة البحث عن أفضل الحلول سعيًا لمُخرَج ما، لكنها لا تستطيع إخبارك عمّا يجب أن يكون عليه هذا المُخرَج. وحدهم البشر يستطيعون ذلك. قرّر كوكس والبشر الآخرين المسؤولين عن شريط الأخبار الخاص بفيسبوك أن هدفهم الأعظم سوف يكون عرض كل المنشورات المهمة بالنسبة للناس، عليهم، ولا شيء من تلك غير ذلك. كانوا يعلمون أن ذلك قد يعني تضحيةً ببعض التفاعلات قصيرة الأمد -وربما الإيرادات- في سبيل رضا المستخدم. بتجميع فيسبوك للمال، وتحكّم مؤسسها ومديرها التنفيذيّ مارك زوكربيرغ بأغلبيّة حصة الأصوات، حققت الشركة الرفاهيّة النادرة المتمثلة في القدرة على تحسين قيمةٍ طويلة الأمد. لكنّ ذلك لا يزال يترك السؤال حول كيفية فعل ذلك.

قامت مؤسسات الإعلام، تاريخيًّا، بتعريف ما يهمّ جمهورها من خلال أحكامهم التحريريّة الخاصة. أقنعهم بما قد يجعل منشورًا جديرًا بالاهتمام، وسوف ينادون بقيمٍ مثل الحقيقة، وأحقية الأخبار بالنشر، والمصلحة العامة. لكنّ كوكس وزملاءه في فيسبوك عانوا حتى يتفادوا وَضْعَ بصمتهم التحريرية على شريط الأخبار. بدلًا من ذلك، كان تعريفهم الفعلي لما يهمّ أي مستخدم للفيسبوك هو فقط: ما كانوا سوف يرتّبونه في قمة شريطهم الإخباريّ لو كانوا يملكون الخيار. «الطريقة المُثلى لحلّ هذه المشكلة سوف تكون في سؤال الجميع عن أيّ المنشورات يرغبون برؤيتها وأيّها لا يرغبون. لكنّ ذلك غيرُ ممكنٍ أو غير عمليّ»، يقول كوكس. بدلًا من ذلك، قرّر فيسبوك سؤال بعض الناس عن أي المنشورات يرغبون برؤيتها وأيّها لا يرغبون. كان هنالك حوالي ألف شخص من هؤلاء. وإلى وقت قريب، كان معظمهم يعيشون في نوكسفيل، تينيسي. اليوم هم في كل مكان.

آدم موسيري، مدير المُنتَج الخاص بشريط الأخبار لدى فيسبوك ذو الاثنين والثلاثين عام، هو نظير أليسون الأقل تقنيّة. هو «Fuzzie»*** أكثر من «Techie»، وفق لغة سيليكون فالي. يقوم موسيري بنقل المشكلات والأمور العامة، في حين يتعامل أليسون مع الحلول ودقائق الأمور. إنه الفيلسوف المقيم لشريط الأخبار.

بدأت الدَفْعة نحو أنسنة مدخلات ومخرجات شريط الأخبار من قِبل سلف موسيري، وِلْ كاثكارت. (لقد كتبتُ عن الكثير من هذه الإبداعات هنا). بدأ كاثكارت بتجميع كميات أكبر من الأشكال الخفيّة للبيانات السلوكية: ليس فقط إذا ما نقر شخص ما، لكن كم من الوقت قضى في قراءة المنشور عندما نقر عليه؛ ليس فقط إن قام بالإعجاب به، بل هل قام بذلك قبل أو بعد قراءته. على سبيل المثال: تعلّمت فيسبوك، أن قيامك بالإعجاب بمنشور ما دون قراءته، يتوافق بشكل قليل جدًّا مع تعاطفك الحقيقي، على خلاف الإعجاب به بعد القراءة.

لم يعد فيسبوك فقط وسيلة للبقاء على اتصال مع الأصدقاء، بل في الواقع، غدا جريدة الأخبار العالمية للقرن الحادي والعشرين

بعد أن تولّى موسيري زمام الأمور في نهاية 2013، كانت مبادرته الأكبر هي إنشاء ما أسماه فيسبوك «مجموعة جودة شريط الأخبار». لقد بدأتْ في صيف 2014 كمجموعة مكوّنة من مئات البشر في نوكسفيل، حيث دفعت لهم الشركة أجورًا مقابل القدوم إلى المكتب كل يوم، وتوفير تغذية راجعةٍ، مستمرّة ومفصّلة، حول ما رأَوْه في أشرطة أخبارهم. (إن موقعهم الوظيفيّ كان، وفق فيسبوك، «مصادفةً تاريخيّة» نشأت عن مشروع تجريبيّ كانت الشركة قد تشاركتْ فيه مع مقاولٍ، غير مذكور، يمثّل طرفًا ثالثًا). لم يدرس موسيري وفريقه سلوك هؤلاء الأشخاص فقط، لكنهم طرحوا عليهم كذلك أسئلة لمحاولة الوصول إلى سبب إعجابهم أو عدم إعجابهم بمنشور ما، كم أعجبهم، وما الذي كانوا سيفضلون رؤيته بدلًا من ذلك. «لقد قاموا، في الواقع، بكتابة نص قصير حول كل منشور في شريطهم الإخباري»، يُشير جريج مارا، مدير المُنتَج لفريق ترتيب شريط الأخبار الخاص بفيسبوك. (هذه هي المجموعة التي غدت نسخة فيسبوك الخاصة من عائلات نيلسِن).

«لقد كان السؤال: ما الذي كنا نفوّته؟» يقول موسيري. «هل يوجد لدينا أية بقعٍ عمياء؟»، يضيف، على سبيل المثال، «كنا نعلم أن هنالك بعض الأشياء التي تراها في شريط أخبارك، أعجبتكَ وكنتَ متحمّسًا بشأنها، لكنك لم تتفاعل معها حقًّا». ودون وجود وسيلة لقياس ذلك، فإن الخوارزميّة سوف تقلّل من قيمة مثل هذه المنشورات لصالح أخرى قادرة على حصد الإعجابات والنقرات بشكل أكثر طبيعيّة. لكن ما الإشارة التي من الممكن أن يستخدمها فيسبوك حتى يلتقط تلك المعلومة؟

(ماكس يولينشتاين، مدير المنتَج؛ ولورين سيسورز باحثة تجربة المستخدم، في قاعة مؤتمرات بالقرب من مكان عمل فريقهم).

(ماكس يولينشتاين، مدير المنتَج؛ ولورين سيسورز باحثة تجربة المستخدم، في قاعة مؤتمرات بالقرب من مكان عمل فريقهم)

انتدب موسيري مدير المُنتَج ماكس يولينشتاين وباحثة تجربة المستخدم لورين سيسورز للإشراف على مجموعة جودة شريط الأخبار وسؤالهم عن هذا النوع من الأسئلة فقط. على سبيل المثال، قام يولينشتاين باستخدام المجموعة لاختبار الفرضيّة التي تقول أن الوقت الذي يقضيه المستخدم في النظر إلى منشور ما في شريطه الإخباريّ قد يمثّل مؤشّرًا جيّدًا على أنه نال إعجابه، حتى لو أنه لم ينقر على زر الإعجاب حقًّا. «لقد توقّعنا أن يكون الأمر كذلك، لكنك تستطيع التفكير بأسباب تفسّر العكس أيضًا»، يُخبرني يولينشتاين. «قد تكون المسألة أن هنالك منشورات مخيفة أو صادمة تقوم بالتحديق فيها، لكن لا ترغب برؤيتها». لم تسمح تقييمات متحدثي مجموعة جودة شريط الأخبار ليولينشتاين وسيسورز بإثبات توقّعهم فقط، بل ومعاينة دقة العلاقة، والبدء بقياسها. «إن المسألة ليست بالبساطة مثل أن تقول «خمس ثوانٍ أمر جيّد، ثانيتان أمر سيء»، يوضّح يولينشتاين. «إنها تتعلّق بالوقت الذي تقضيه على منشور ما بالنسبة إلى المنشورات الأخرى في شريطك الإخباريّ». كشف البحث أيضًا عن الحاجة لأخذ سرعة اتصال المستخدمين بالإنترنت بالحسبان، والتي قد تجعل الأمر يبدو كأنهم يقضون وقتًا طويلًا على منشور ما في حين أنهم في الواقع ينتظرون الصفحة فقط حتى تُحمّل. انطلاقًا من ذلك البحث، ظهر تعديل كشفت عنه فيسبوك في حزيران، عزّزت فيه الخوارزميّة مرتبة المنشورات التي يقضي المستخدمون وقتًا أطول في تفحّصها، في أشرطة أخبارهم.

وخلال أشهر، غدا موسيري وفريقه معتمدين بشكل كبير على التغذية الراجعة من قبل المجموعة التي نقلوها لمستوى الولايات المتحدة بأكملها، دافعين المال لعيّنة مُمثِّلةٍ ديموغرافيًّا من البشر حول البلاد مقابل تقييم ومراجعة أشرطة أخبارهم الفيسبوكية بشكل يوميّ من منازلهم. في نهاية صيف 2015، قامت فيسبوك بحلّ مجموعة نوكسفيل وبدأت بتوسيع مجموعة جودة شريط الأخبار عبر البحار. لقد كان حدس موسيري محقًّا: تضمنت خوارزميّة شريط الأخبار بقعًا عمياء لم يستطع علماء البيانات لدى فيسبوك تحديدها بأنفسهم. لقد تطلّب الأمر نوعًا آخر من البيانات -تغذية راجعة بشريّة نوعيّة- للبدء في علاج البقع العمياء.

على الرغم من الأهمية التي وصلت إليها مجموعة جودة شريط الأخبار بالنسبة لخوارزميّة فيسبوك، أصبحت الشركة على وعي متنامٍ باستحالة أن يستطيع أي مصدر للبيانات أن يخبرها بكل شيء. استجابت الشركة لهذا الوعي عن طريق تطوير نظام للتحليل وإعادة الضبط (Checks-and-balances system) يتمّ فيه إخضاع كل تعديل على شريط الأخبار إلى مجموعةٍ من الاختبارات عن طريق أنواع مختلفة من الجمهور، ويتم الحكم عليها بناء على معايير مختلفة.

إن فعل التحليل هذا من مهام الفريق الصغير المكوّن من مهندسي ترتيب شريط الأخبار، وعلماء البيانات، ومدراء المنتج الذين يأتون إلى العمل يوميًّا في مينلو بارك. إنهم أناس مثل سامي تاس، وهو مهندس برمجيّات وظيفته ترجمة تعديلات فريق ترتيب شريط الأخبار المقترحة إلى لغة يفهمها الحاسوب. وها هو يعرّفني هذا المساء، بينما أنظر من فوق كتفه، على مشكلة قد تبدو صغيرة إلى حد البساطة. إنه تحديدًا ذلك النوع من المشكلات الصغيرة التي تعتبرها فيسبوك مفصليّة رغم صغرها.

معظم الوقت، عندما يرى الناس منشورًا لا يهتمّون لأمره في شريط أخبارهم، يمرّرون مؤشر الفأرة متجاوزينَه. بعض المنشورات تضايقهم لدرجة أنهم يُدفَعون للنقر على القائمة الصغيرة المنسدلة (Drop-down menu) في أعلى يمين المنشور ويختارون «إخفاء المنشور» (Hide post). إن خوارزمية فيسبوك تعتبر ذلك إشارةً سلبية قوية، وتسعى لإظهار مثل هذه المنشورات بشكل أقل في المستقبل.

لكن، لا يستعمل الجميع فيسبوك بذات الطريقة. كان علماء البيانات لدى فيسبوك يعون أن نسبة ضئيلة من المستخدمين -خمسة بالمئة- كانوا يقومون بخمس وثمانين بالمئة من عمليات الإخفاء. عندما قام فيسبوك بالبحث أعمق، وجدَ أن جزءًا من هؤلاء الخمسة بالمئة كانوا يخفون، تقريبًا، كل المنشورات التي يرونها. حتى تلك التي سبق وأعجبوا بها وعلّقوا عليها. تبيّن أنه، بالنسبة لأبطال الإخفاء هؤلاء، فإن إخفاء لمنشور ما لا يعني عدم إعجابهم به، ولكن ببساطة، تلك كانت وسيلتهم لتعليم المنشورات على أنها «مقروءة»، مثل أرشفة رسالة بريدية في Gmail.

مع ذلك، كانت أفعال أبطال الإخفاء تجعل المعلومات التي اعتمد عليها فيسبوك لترتيب المنشورات غير دقيقة. على تعقيدها، لا تحاول خوارزمية شريط الأخبار تشكيل سلوك كل مستخدم على حدة. إنها لا تفرق في القيمة بين إعجاباتك وإعجاباتي، والأمر نفسه بالنسبة لما نقوم بإخفائه. لكن بالنسبة لأبطال الإخفاء، قرّر فريق الترتيب أن يقوم باستثناء. كُلّف تاس بأن يُعدّل الكود حتى يتعرّف على هذه المجموعة الصغيرة من الناس، وليُخفّض القيمة السلبية لإخفاءاتهم.

Facebook-Newsfeed-Team.jpg.CROP.promo-xlarge2

(فريق تصميم وهندسة شريط الأخبار)

قد يبدو ذلك تعديلًا بسيطًا. لكنّ الخوارزميّة ثمينة جدًّا بالنسبة لفيسبوك لدرجة أن كل تعديلٍ للكود يجب أن يُختَبَر -أولًا في محاكاةٍ خارج الشبكة، ثم عبر مجموعة صغيرة من موظفي فيسبوك، وثم على جزء صغير من إجماليّ مستخدمي فيسبوك- قبل أن تخرج للعلن. في كل خطوة، تجمع الشركة بيانات حول تأثير التعديلات على معايير تتراوح ما بين تفاعل المستخدم والوقت الذي يقضيه على الموقع، إلى إيرادات الإعلانات والوقت اللازم لتحميل الصفحة. أنشئت أدوات للتشخيص بهدف تعقب أي تغيّر كبير وغير طبيعيّ على أي من تلك المعايير المفصليّة بسرعة، مطلقةً نوعًا من المنبّه الداخلي الذي يُخطِر، أوتوماتيكيًّا، أعضاء رئيسيين في فريق شريط الأخبار.

حالما يتمّ اختبار تعديلٍ، مثل الذي قام به تاس، على كل هذه الفئات، سوف يقوم بعرض البيانات الناتجة في أحد «اجتماعات الترتيب» الأسبوعية الخاصة بفريق شريط الأخبار وسوف يتلقّى وابلًا من الأسئلة من قبل موسيري، وأليسون، ومارا وزملائه الآخرين متعلقةً بتأثير التعديلات على معايير عدّة. إن اقتنع الفريق بأن التعديل إيجابيّ، ودون عواقب غير مقصودة، سوف يقوم المهندسون المسؤولون عن الكود على الـiOS، والأندرويد، بالإضافة إلى فرَق الشبكة، بإخراجه إلى العلن على نطاق واسع بشكل تدريجيّ.

مع ذلك، لا تستطيع فيسبوك أن تكون متأكدةً من أنها لن تفشل في توقع أثرٍ خفي سيظهر على المدى البعيد. ولحماية نفسها من ذلك، فإنها تبقي على «جماعة مستبعدة»؛ وهي نسبة صغيرة من المستخدمين لا يرون التعديل لأسابيع أو لأشهر بعد أن تراه بقيّتنا.

إذًا، فالحديث عن خوارزميّة فيسبوك بصيغة المفرد ليس صحيحًا. إن المسألة ليست أن الخوارزميّة حقًّا هي تشكيلة من مئات الخوارزميّات الأصغر التي تقوم بحلّ أصغر المشكلات التي تصنع المشكلة الأكبر حول نوع المنشورات التي يجب عرضها للناس. ولكنّ المسألة، بفضل كل الاختبارات والجماعات المستبعدة، هي أن هنالك أكثر من دزينة من النسخ المختلفة للخوارزميّة الرئيسية، تعمل في العالم معًا في أي وقت.

تم الإعلان عن تعديلِ «إخفاء المنشورات» الخاص بتاس في الواحد والثلاثين من تمّوز. ومرَّ منشوره عنها «شريط الأخبار، لمعلوماتك» في مدوّنة فيسبوك دون أن يلاحظه أحد على الصعيد العام بشكل كبير. مع ذلك، فمن المفروض أن أبطال الإخفاء في العالم الآن، أكثر رضًا عن أشرطة أخبارهم بعض الشيء. وبالتالي من المرجّح أن يواظبوا على استخدام فيسبوك، ومشاركة المنشورات مع أصدقائهم، ومشاهدة الإعلانات التي تبقي الشركة على رأس عملها.

لقد قامت مجموعة جودة شريط الأخبار بتزويد فريق شريط الأخبار الخاص بالشركة ببيانات أكثر غنىً، وإنسانيّة، من أي بيانات كانت لديها سابقًا. إنّ تاس وبقية فريق الترتيب يزدادون مهارةً في إيجاد ومعالجة البقع العمياء في الخوارزميّة. لكن هناك مجموعة أخرى من البشر تلتفت فيسبوك إليها أكثر فأكثر في محاولتها للإبقاء على شريط الأخبار مناسبًا: هم مستخدمون عاديّون، مثلي ومثلك.

إن الاستقصاء الذي كانت فيسبوك تقوم به للأشهر الستة الماضية – طالبةً من جزء من المستخدمين اختيار ما يفضّلونه ما بين منشورين متجاورين- يمثّل محاولة لجمع نفس نوع البيانات من عيّنة أكبر بكثير من المتاح داخل مجموعة جودة شريط الأخبار. لكنّ الزيادة في إشراك المستخدمين العاديين لم تجري فقط على مدخَلات المعادلة. على مدى العامين الماضيين، منحت فيسبوك المستخدمين قدرةً أكبر للتحكّم في مخرَجات أشرطة أخبارهم أيضًا.

لا تزال الخوارزميّة القوّة المحرّكة الكامنة وراء ترتيب المنشورات في شريطك الإخباري. لكنّ فيسبوك باتت تعطي المستخدمين القدرة على ضبط شريط الأخبار الخاص بهم أكثر فأكثر؛ عبر منحهم مستوىً من التحكّم طالما عارضته بناء على أنه مُرهِق وغير مهم. أمضتْ فيسبوك سبع سنين في العمل على تطوير خوارزميّة الترتيب لديها، يقول موسيري. إنها تمتلك مُعالِجات (Wizards) ذاتيّة – التعلّم، تطوّر تحليلات تنازلية (Regressions) لوجستيّة لتفسّر كيف أن سلوك المستخدمين السابق يتنبَّأ بماهيّة المنشورات التي من المرجّح أن يتفاعلوا معها في المستقبل. «يمكننا أن نقضي عشر سنين أخرى -وسنفعل- في محاولة تطوير [التقنيات ذاتيّة – التعلّم] تلك»، يقول موسيري. «لكنك تستطيع تحصيل الكثير من القيمة الآن، فقط من خلال سؤال شخصٍ ما ببساطة: ما الذي ترغب برؤيته، ما الذي لا ترغب برؤيته، أي الأصدقاء ترغب دائمًا بوجوده في أعلى شريطك الإخباري؟».

هذه أسئلة تسمح فيسبوك اليوم لكل مستخدم بالإجابة عليها بالنيابة عنها. إنك تستطيع اليوم أن «تلغي متابعتك» لصديق لا ترغب برؤية منشوراته مجدّدًا، وأن «ترى عددًا أقل» من المنشورات التي تنتمي لنوع معيّن، وأن تعلّم أصدقائك وصفحاتك المفضلة بخاصية «أظهر أولًا» بحيث تظهر منشوراتهم في أعلى شريط الأخبار الخاص بك كلما دخلت للموقع. إن كيفية فعل ذلك كله ليست أمرًا فوريّ الوضوح بالنسبة للمستخدم الاعتيادي: عليك أن تنقر على سهم رماديّ صغير متجه للأسفل، في أعلى الزاوية اليمنى لمنشور ما حتى ترى هذه الخيارات. معظم الناس لا يفعلون ذلك. لكن، طالما أن المحدّدات على شريط الأخبار الآليّ تمامًا أصبحت أكثر وضوحًا، فقد غدت فيسبوك أكثر ارتياحًا في تسليط الضوء على هذه الخيارات من خلال مُذكِّرات تظهر من حين إلى آخر مرفقة مع روابط للتوضيح ولصفحات المساعدة. تختبر الشركة أيضًا وسائل جديدة للمستخدم حتى يتفاعل مع شريط الأخبار، تتضمّن شريط أخبار بديل مبنيّ على الموضوع، وأزرار جديدة لنَقْلِ ردات فعل أخرى غير الإعجاب.

إن هذه النقلة دفاعيّة إلى حدٍّ ما. إن أكبر التحديات لهيمنة فيسبوك في السنين الأخيرة -وهي الشركات الصاعدة التي هددتْ بأن تفعل بفيسبوك ما فعلَتْهُ هي بـMyspace من قبل- تجاهلتْ هذه المقاربة المبنية على البيانات تمامًا. إن انستغرام، التي قامت فيسبوك بضمّها إليها في 2012، إلى حدٍّ ما، حتى تقمع التهديد الذي شكّله شعبيتها متزايدة النموّ، تعرض لك ببساطة جميع الصور من قِبل جميع من تتابعهم وفق ترتيب زمنيّ. تغلّب سنابتشات على فيسبوك في كونه الشبكة الاجتماعية المفضّلة بالنسبة للمراهقين، عن طريق تجاهل الانتشار والفلترة الآلية لصالح أشكالٍ أكثر حميمية للتفاعل الرقمي.

ليست فيسبوك الشركة الوحيدة المبنيّة على البيانات التي تواجه حدود قدرة الخوارزمية على التحسّن في السنوات الأخيرة. إن محرّك اقتراح الأفلام الشهير الخاص بنتفليكس أصبح يعتمد بشكل كبير على البشر الذين يتقاضون المال مقابل أن يشاهدوا الأفلام طيلة اليوم ويصنفّوها إلى أنواع. ومن أجل موازنة تأثير اختبار A/B الآلي الخاص بأمازون، يضع جيف بيزوس، المدير التنفيذي، أهميّة كبيرة لشكاوى معيّنة من المستخدمين الأفراد، ويبقي على بريد إلكتروني عام لهذا الهدف بالذات. قد يكون من السابق لأوانه إعلان انتهاء عصر الخوارزميّة قبل أن يبدأ حقًّا، لكن هنالك تغيّرًا في تسارع هذا التحول. إن موسيري في فيسبوك، يرفض من جانبه الوصف الشائع لعملية اتخاذ القرار بأنها «مبنيّة على البيانات» (Data-driven)، بل يُفضّل بوصفها بأنها «مستنيرةً بالبيانات» (Data-informed).

(مدير الهندسة توم أليسون، ومدير المُنتَج آدم موسيري، ومدير الهندسة لارس باكستروم. في مقهى سانت فرانك في بناية فيسبوك رقم 20).

(مدير الهندسة توم أليسون، ومدير المُنتَج آدم موسيري، ومدير الهندسة لارس باكستروم. في مقهى سانت فرانك في بناية فيسبوك رقم 20)

يؤمن فريق ترتيب شريط الأخبار لدى فيسبوك بأن التغيير في نهجه يُعطي المسألة حقها. «طالما نحن نستمر في تطوير شريط أخبارٍ مبني على ما يخبرنا به الناس، فإننا نرى أننا نصبح أفضل في ترتيب أشرطة أخبارهم؛ إن ترتيبنا يقترب من كيفية ترتيب الناس للمنشورات التي في شريطهم لو أنهم قاموا بذلك بأنفسهم»، تقول سيزورس، باحثةُ تجربة المستخدم، التي تساعد في الإشراف على مجموعة جودة شريط الأخبار.

مع ذلك، هنالك جانب سلبيّ كامن في إعطاء المستخدمين هذا النوع من التحكّم: ماذا لو كانوا مخطئين، كما هم البشر غالبًا، حول ماهيّة ما يريدون رؤيته حقًّا؟ ماذا لو كانت قاعدة بيانات فيسبوك لسلوكنا على الشبكة تعرفنا حقًّا أفضل مما نعرف أنفسنا، على الأقل في بعض النواحي؟ هل يمكن أن يؤدي إعطاء الناس شريطَ الأخبار الذي يقولون أنهم يريدونه حقًّا إلى جعله أقل مدعاةً للإدمان مما كان عليه في السابق؟

يخبرني موسيري أنه ليس قلقًا حيال هذا الشأن بالذات، موضحًا أن البيانات حتى الآن تقترح أن إيلاء أهمية أكبر للاستقصاءات وإعطاء المستخدمين خيارات أكثر أدّى إلى ارتفاع في التفاعل الإجمالي والوقت المقضي على الموقع. فرغم أن الهدفين يبدوان متناقضين على المدى القصير، «وجدنا أن التحسينات النوعية لشريط الأخبار تبدو كأنها ترتبط مع التفاعل طويل الأمد». قد تكون هذه مصادفة سعيدة لو أنها تابعتْ التحقق. لكن إن كان هناك شيءٌ واحدٌ تعلّمَتْهُ فيسبوك على مدى عشر سنين من تشغيل شريط الأخبار، فهو أن البيانات لن تقول القصة كاملة، وأن الخوارزميّة لن تصير مثاليّة. إن ما يظهر اليوم على أنه فعّال، قد تُكشف الحقيقة عنه غدًا على أنه خطأ. وعندما يحصل ذلك، فإن البشر الذين يذهبون للعمل يوميًّا في مينلو بارك سوف يقرؤون مجموعة كبيرة من جداول البيانات، ويعقدون عدة اجتماعات، ويجرون الكثير من الاختبارات، ومن ثم يغيّرون الخوارزميّة مرةً أخرى.

* الأبجدية الرونية هي أبجدية كانت تستخدم في كتابة مختلف اللغات الجرمانية قبل اعتماد الأبجدية اللاتينية.

** متعلق بنظرية المعرفة.

*** خريج تخصص في مجال الإنسانيات.