من يراقب على أسعار بطاقات الشحن؟

الأربعاء 16 كانون الثاني 2019
تصوير حسن التميمي للجوردان تايمز، 2013.

في شارع رئيسي مكتظ في عمان، تُباع بطاقة شحن مدفوعة مُسبقًا من فئة التسعة في إحدى البقالات بـ12.5 دينارًا، وفي محل الخلوي الذي يبعد عنها بأمتار بـ 13 دينارًا. أما في معرض إحدى شركات الاتصالات، صاحبة البطاقة، على بعد كيلومترين من ذاك الشارع، تُباع البطاقة نفسها بـ11.79 دينارًا حسب لائحة الأسعار الرسمية التي تعلقها معارض شركات الاتصالات على مرأى من عُملائها.

في تشرين الثاني الماضي، أصدرت جمعية حماية المُستهلك بيانًا تدعو فيه الجهات الرقابية وشركات الاتصالات بإصدار «توضيحًا شاملًا وكافيًا ومعلنًا من قبل الحكومة وهذه الشركات، يبين أسعار بطاقات الشحن الخلوية» نظرًا لارتفاع سعر البطاقات بما يتراوح بين 10 و20 قرشًا. بحسب محمد عبيدات، رئيس الجمعية، فقد صدر البيان بعد أن تصاعدت الشكاوى على ارتفاع أسعار بطاقات الشحن المدفوعة مسبقًا في السنوات السابقة. كان آخرها في شهر أيار 2018 عندما امتلأت حسابات شركات الاتصالات على التواصل الاجتماعي برسائل غاضبة من المستخدمين طالبين تفسيرًا للرفع المُفاجئ لأسعار بطاقات الشحن. صرحت شركات الاتصالات حينها بأنه لم يصدر قرار برفع أسعار بطاقات الشحن، أما موزعو البطاقات فعزوا الارتفاع إلى نقاط البيع التي تضع نسبة الربح التي تريدها على أسعار البطاقات.

رغم أن بيان جمعية حماية المستهلك وضع اللوم على شركات الاتصالات وضعف الرقابة، إلا أن محمد عبيدات وضّح لحبر أنه «تبين أن بعض الموزعين يتلاعبون بأسعار بطاقات الشحن». أكد الموزعون الذي تواصلت حبر معهم بأنه «لا يمكننا تجاوز الأسعار التي تحددها شركات الاتصالات لنا».

وبين هذه الجهات، يظل سؤال الرقابة على الأسعار مفتوحًا. فكيف تُحدد أسعار بطاقات الشحن، التي تعد من أحد السلع التي لا يمكن للمواطن الأردني الاستغناء عنها، من مصدرها إلى نقاط البيع؟ ومن هي الجهة المسؤولة عن الرقابة على هذه الأسعار؟

كيف يحسب سعر البطاقة الرسمي؟

الفرق بين السعر النهائي الذي يطلبه البائع عند نقطة الشراء والرصيد المطبوع على بطاقة الشحن لم يعد يستوقف أحدً. فمشتري البطاقة يدرك أن الفرق هو إضافات ضريبة المبيعات ونسب الربح الذي يضيفه الموزعين ونقاط البيع. لكن العملية التي يُحسب عبرها هذا الفرق قد لا تكون معلومة للكثيرين.

تختلف الضرائب على المكالمات عن تلك المفروضة على الداتا (حُزم البيانات). فرغم أن كلاهما يخضعان لضريبة مبيعات تبلغ 16% من سعر البطاقة الأصلي، تفرض الحكومة ضريبة خاصة مُركبة بنسبة 26% على خدمة المكالمات قبل تطبيق ضريبة المبيعات. أضيفت هذه الضريبة إلى نظام الضريبة الخاصة في حكومة علي أبو الراغب بنسبة 4% عام 2003 تحت بند «خدمة اشتراك الهاتف المتنقل والراديو المتنقل المؤجلة الدفع أو المدفوعة مسبقًا». تصاعدت مرتين في عهد سمير الرفاعي في عام 2010، لتصل في الأولى إلى 8% في حزيران، وفي الثانية إلى %12 في آب 2010. ثم تضاعفت في عهد عبد الله نسور إلى 24 % عام 2013، لتصل أخيرًا لـ26% في عهد حكومة الملقي في شباط من عام 2017، وهو ما بقيت عليه حتى الآن.

بالتالي، وعلى سبيل المثال، يصل سعر بطاقة شحن للمكالمات فقط من فئة الدينار إلى 1.46 دينار في معارض الشركات. تُفرض أولًا الضريبة الخاصة المُركبة 26% على رصيد البطاقة الأصلي لتصبح 1.26 دينار، ومن ثم تُفرض ضريبة المبيعات الـ16% على 1.26 لتُصبح 1.46 دينار. أما بالنسبة للداتا، فهي عملية أقل تعقيدًا. فتفرض 16% على رصيد البطاقة ليصبح سعر بطاقة الداتا ذات فئة الدينار 1.16 دينار. كانت هذه الضريبة 8% قبل أن ترفعها حكومة الملقي هذه الضريبة إلى 16% في شباط 2017.

من ضمن البطاقات الأكثر شيوعًا بين المستخدمين هي بطاقات الشحن الشهرية التي توزع الرصيد بالتساوي بين المكالمات والداتا والتي استحدثتها شركات الاتصالات الثلاثة في 2016. تُسميها أورانج «نص بنص»، وتسميها زين «ميكس»، أما أمنية تسميها «سمارت». لنفرض أن أحد هذه الشركات تطرح فئة دينارين من نوع هذه البطاقة. سيُحسب دينار المكالمات بسعر نهائي 1.46 (حسب الحسبة أعلاه) أما دينار الداتا سيُحسب بـ1.16 دينار، ليُصبح سعرها الكلي 2.62 دينار بعد جمع المبلغين. بالاعتماد على المُعادلة ذاتها، يُصبح السعر الرسمي في المعارض لفئات الخمسة والسبعة والتسعة دنانير هو 6.55 و9.17 و11.79 على التوالي.

تجد هذه الأسعار مُلصقة على جدران معارض زين وأورانج وأمنية تبعًا للمادة 11 من قانون الصناعة والتجارة الذي يتطلب من «كل تاجر أن يضع بصورة ظاهرة وواضحة سعر كل سلعة معروضة للبيع سواء أكان عليها سعرها محددًا وفق أحكام هذا القانون أم غير محدد، مع وجوب التزامه بهذه الأسعار كحد أعلى». تختلف أسعار هذه البطاقات خارج معارض زين وأورانج وأمنية، نظرًا لزيادة هامش ربح وكلاء الشركات والموزعين الذين يصلونها إلى نقاط البيع، مثل معارض الخلويات والبقالات.

ما بعد الضريبة

تنتقل بطاقة الشحن من شركات الاتصالات إلى نقاط البيع عبر حلقات عدة تبدأ بوكلاء شركات الاتصالات إلى الموزعين بالتجزئة وانتهاءً نقاط البيع. يؤكد علي الطلافحة، مدير مديرية مراقبة الأسواق والتموين في وزارة الصناعة والتجارة، أن أسعار بطاقات الشحن المدفوعة مُسبقًا تُحدد بناءً على مبدأ العرض والطلب في المنطقة الجغرافية، أي أنها «ليست محدودة بسقوفها السعرية وفق التشريعات السارية». إلا أن شركات الاتصالات تحدد الحد الأعلى من هامش الربح على البطاقات، حسبما نقل مجموعة من الوكلاء تحدثنا إليهم. يعني ذلك، بحسب مدير مبيعات أحد الوكلاء، أنه «لا يمكن لوكلاء التوزيع مثلًا بيع بطاقة فئة السبعة التي يشترونها بـ9.17 دينار بسعر الجملة من شركات الاتصالات بأكثر من 9.55 دينار»، وهو ما أكده صاحب أحد محلات الخلوي، «بتوصلني من الموزعين بـ9.55 دينار وأنا أضيف عليها نسبة ربح نص دينار…لهذا تصبح بعشرة دنانير».

لم ينف معظم الموزعين الذين تحدثنا إليهم ارتفاع أسعار البطاقات في شهر أيار 2018، لكن معظمهم رفض تفسير هذا الارتفاع. «عليك الاتصال بشركات الاتصالات ذاتها لأني ما بقدر أصرح بالنيابة عن شركات الاتصالات»، يقول أحدهم. بدورها، لم تُجب أورانج على أسئلة حبر، أما أمنية، فأجابت باقتضاب على مجموعة الأسئلة التي أُرسلت لها بالقول إن «لم يتم رفع أسعار بطاقات الشحن الخلوية. وفي أمنية، نقوم ببيع البطاقات حسب الأسعار الرسميّة والمصرّح بها». من جهته، يؤكد علي الطلافحة أن ارتفاع أسعار البطاقات بشهر أيار لم يتجاوز الـ7%، وأن تحديد أسعار البطاقات يتبع قوانين السوق المفتوح.

في بيانه، لوّح رئيس الجمعية، محمد عبيدات بـ«اتخاذ خطوات عملية تجاه شركات الاتصالات ومحلات الباعة إن لم تتخذ الجهات الرقابية إجراءات حقيقية». إلا أنه أكد لحبر عند الاستفسار عن هذه الخطوات «ليس لنا دور إلا أن نتلقى الشكاوى وتحويلها للجهات ذات العلاقة ونوعي المستهلك».

لا تعتقد هيئة تنظيم قطاع الاتصالات أن من دورها تنظيم أسعار بطاقات الشحن «بل هي من اختصاص جهات رقابية أخرى»، لم تسّمها. السبب، بالنسبة للهيئة، هو أن بطاقات الشحن ليست خدمات اتصالات و«إنما وسيلة للتحاسب بين المشتركين والشركات، وبالتالي فإن أسعار هذه البطاقات لا تدخل ضمن صلاحيات الهيئة المحددة بموجب أحكام الفقرتين 12/أ/7 و12/أ/8 من قانون الاتصالات». إذ ترتبط السلع بظروف السوق، بحسب الهيئة، لذا، يمكن لنقاط البيع اختيار السعر الذي يناسبها حسب مستوى المنافسة. » تختلف باختلاف المنطقة الجغرافية ومدى توفر نقاط بيع للشركة أو قدرة المستهلك على الشراء Online [عبر الإنترنت]».

على صفحة مديرية مراقبة الأسواق والتموين، تزود وزارة الصناعة والتجارة المواطنين برقم شكاوى مجاني، بالإضافة إلى إمكانية الشكوى عبر البريد الإلكتروني وحسابات الوزارة على وسائل التواصل الاجتماعي. بحسب الطلافحة، لم تستطع الوزارة حصر شكاوى المتعلقة بأسعار بطاقات الشحن المدفوعة مُسبقا في 2017، إلا أنها وصلت إلى 28 شكوى في 2018. لم تحلل الوزارة الجهة المُشتكى عليها ولكن يتوقع الطلافحة أنها الجهات التي يتعامل معها المستهلك مباشرة، أي معارض الشركات ونقاط البيع. على الطرف الآخر من خط الشكاوى، يجيب موظف وزارة الصناعة والتجارة عند سؤاله عن الحد الأعلى لنسب الربح المقبولة، بأن لدى الوزارة «قائمة بأسعار خطوط الشحن التي تُحددها شركات الاتصالات لنقاط البيع». مثلًا، فيتحرك موظفو مديرية الرقابة على الأسواق للكشف على محل خلوي إن وردتهم شكوى حول ارتفاع أسعار بيع البطاقات عما هو محدد، كأن تباع مثلا بطاقة الـ7 دنانير بسعر أعلى من 10 دنانير.

بعد نقاش حول مشاكل أسعار بطاقات الشحن لديه، يتساءل صاحب بقالة «لماذا لا يتم طبع السعر النهائي على بطاقات الشحن كما في هذه؟» مُشيرًا إلى بطاقة الاتصال الدولي «معًا»، المطبوع عليها «2 دينار». الرقم المطبوع على بطاقات الشحن المدفوعة مسبقًا هو «وحدة فئة، لا وحدة دينار، لذا لا يمكن للوزارة حسب التشريعات القائمة مُخالفة من يبيع المُستهلك بسعر أعلى من ذلك»، يقول الطلافحة. فالوزارة تتدخل لتحديد سقوف بيع السلع إذا أدرجت تحت «السلع الأساسية»، مثل الطحين والبطاطا. أما اذا أرادت شركات الاتصالات أو نقاط البيع مُستقبليًا رفع أسعار بطاقات الشحن، بحسب الطلافحة، فتستطيع ذلك ما دامت تعلن عن الأسعار الجديدة في معارضها أمام زبائنها.