لماذا قضيتُ ثماني سنواتٍ في الكتابة على ويكيبيديا؟

الأربعاء 02 آب 2017
تصوير معاوية باجس.

في سنة 2006، كنتُ أخوض محاولة مجهدةً للبحث عن موضوع يتعلّق بالتاريخ العربي القديم على الإنترنت عندما وقعتُ -صدفةً- على موقع اسمه ويكيبيديا. قرأتُ في عنوان ذلك الموقع أنَّه «الموسوعة الحُرّة، التي يمكن للجميع تعديلها»، وأدركتُ أنِّي أستطيع، في تلك اللحظة ذاتها، العبثَ كما أشاءُ بمحتوى المقالة الذي أمامي. بدت لي في ذلك الوقت فكرة ويكيبيديا أسوأ فكرةٍ في العالم، إلا أنِّي لم أتصوّر، في ذلك الحين، أنِّي سأصرفُ ثماني سنواتٍ من حياتي في اعتكافٍ على إثراء محتواها.

الفكرة وراء ويكيبيديا

تعتبر ويكيبيديا، بحسب ترتيبات أليكسا، الموقع الخامسَ الأكثر زيارةً على مستوى الإنترنت منذ سنة 2015، حيث تتلقَّى صفحاتُها ما يزيدُ عن نصف مليار زائر شهريًا، وهو ما يعادلُ زائرًا واحدًا عن كلّ خمسة عشر إنسانًا في العالم تقريبًا. ويكيبيديا هي أيضًا أكبرُ موسوعةٍ أنتجتها الإنسانية منذ فجر التاريخ، إذ يتجاوزُ عدد مقالاتها (باللغة الإنكليزية وحدها) خمسة ملايينٍ ونصف، أي ما يعادل أكثر من أربعينَ ضعف عدد مقالات أكبر موسوعة مطبوعة باللغة الإنكليزية في العالم، وهي «الموسوعة البريطانية» (Encyclopaedia Britannica).

يمكنك -حرفيًا- العثور على أيّ شيء تقريبًا على ويكيبيديا، فيمكنك أن تقرأ فيها عن دبابيس الشعر، وعن شخصيات مسلسل الأنمي المُفضَّل لديك، وعن تسلسل الأحداث اليوميّ لثورات الرَّبيع العربيّ. ولكن رغم اعتماد عددٍ هائل من متصفّحي الإنترنت على ويكيبيديا في الوصول إلى المعلومات التي يريدونها، إلا أنَّ الإحصاءات تظهر أن نصفهم -على الأقلّ- لا يعرفُون شيئاً عن آليَّة عملها.

المبدأ الأساسيُّ في عمل ويكيبيديا يتمثَّلُ بشعارها الذي يظهر على رأس كلّ صفحةٍ من صفحاتها، والذي يقولُ أنَّها «الموسوعة الحُرَّة». كثيراً ما تسيء الصّحافة غير المُطّلعة ترجمة شعار ويكيبيديا على صورة «الموسوعة المجانية»، وقد لا تكون هذه عبارة خاطئة تمامًا، لأنَّ مقالات ويكيبيديا -بالفعل- متاحةٌ بالمجَّان، ولكن هذه الترجمة تُضيّع المغزى المقصود تمامًا.

ما يجعلُ ويكيبيديا حُرّة، في الحقيقة، هو أنَّها لا تعملُ لصالح شخص أو هيئة أو شركة، بل هي ملكٌ للجميع. فمن ناحية قانونية، يعتبر محتوى ويكيبيديا (من مقالاتٍ وصورٍ ومعلومات بكلّ صورها) مشاعًا عامًا، إذ إنَّ لأيّ شخصٍ كامل حريَّة استخدامه ونشره وبيعه بأيّ طريقة يشاء. وأما من ناحية أخلاقية، فإنَّ ويكيبيديا ترفضُ العمل لصالح أيّ شخصٍ أو جهةٍ ذات مصلحة تجاريَّة. إذ تُغطّى جميعُ نفقات ويكيبيديا من خلال تبرعات ومنح خيريَّة، وهي ترفضُ عرض أيّ إعلاناتٍ في مقالاتها حفاظًا على هذا المبدأ.

تجربتي مع ويكيبيديا

عملتُ على أول مقالةٍ لي على ويكيبيديا العربيَّة في أحد أيام شهر أغسطس عام 2009. منذ ذلك الحين وأنا أكتبُ على ويكيبيديا بصورة شبه يومية، بحيثُ عملتُ خلال السنوات الثمانية الماضية على كتابة أكثر من ألف مقالةٍ في شتى المجالات، وأصبحتُ واحدًا من ثلاثين إداريًا مسؤولين عن النسخة العربيَّة من ويكيبيديا، والمنسّق العام لمجموعة ويكيميديا في بلاد الشام.

عندما تعرَّفتُ إلى ويكيبيديا للمرَّة الأولى، كنت طالبًا في المرحلة الابتدائية. لطالما كان لديّ، في طفولتي، شوقٌ للقراءة عن الكثير من الموضوعات، ما بين أنواع الطيور والحيوانات البريَّة إلى تاريخ مدينة روما القديمة، ولكني -ويا لإحباطي- لم أكُن قادرًا على العثور على شيءٍ يذكر فيها بلغتي الأمّ. كنتُ أقضي ساعاتٍ طويلةٍ في البحث عن كلّ ما يمكن أن أجده عنها بين رفوف المكتبات، وعندما لم يُجدِ ذلك، بدأتُ بالتبحّر على الإنترنت بحثًا عن ما يرضي شغفي. وهنا وصلتُ إلى موقعٍ غريب اسمهُ ويكيبيديا.

يأخذُ العديدُون على النسخة العربيَّة من ويكيبيديا ضعفَ محتواها، وهم محقّون في ذلك. فعدد مقالات ويكيبيديا العربيَّة قليل جدًا بالنسبة لعدد متحدّثيها، وفي الوقت الذي تعرَّفتُ إليها فيه كانت مقالاتها لا تزيدُ عن ثمانين ألفًا، ولكن المشكلة الأكبر لي -في ذلك الوقت- لم تكُن في عدد هذه المقالات، بل في نوعيِّتها. في ذلك الحين، لم يكُن يمكنك أن تجد أكثر من بضعة سطورٍ عن أيّ موضوع تقريبًا على ويكيبيديا العربيَّة.

كان هذا الأمرُ محبطًا. فقد كنتُ أتصفَّحُ النسخة الإنكليزية من ويكيبيديا لساعاتٍ بغيرة، ويصيبني الاكتئاب من العدد المذهل من المقالات الرائعة التي لا يتوافرُ منها شيءٌ في العربيَّة. كان هذا الإحباط هو دافعي لكتابة أوَّل مقالةٍ لي (التي لم يتجاوز طولها عبارتين مقتضبتين تتحدَّثان عن نجم النسر الطائر)، وعندها أدركتُ أنِّي قادرٌ على إحداث تغييرٍ على ما لا يعجبني بنفسي، وهو من أفضل الأشياء التي تعلَّمتُها في حياتي.

ماذا نفعلُ في ويكيبيديا؟

لم يطُل الوقت، بعد أن أصبح أفراد عائلتي وأصدقائي على علمٍ بنشاطي في ويكيبيديا، حتى أصبحتُ أتلقّى سيولًا من الأسئلة عن عملي فيها. قد يبدو غريبًا جدًا أن شخصًا يقضي يومه بالكامل على موقع إنترنت، خصوصًا وأن الهدفَ من هذا الموقع هو كتابة مقالات علميَّة وموسوعيَّة مرهقة.

في الأساس، ويكيبيديا هي عبارةٌ عن ميدانٍ مفتوحٍ للعمل، وبإمكانها الاستفادة من جهود كلّ شخصٍ راغب بالمساعدة. أهمّ وظيفة -بطبيعة الحال- تتمثَّلُ في كتابة أو ترجمة المقالات. يميلُ معظم مساهمي ويكيبيديا العربيَّة إلى ترجمة المقالات، خصوصًا العلمية منها، من النسخة الإنكليزية مباشرة، لأنها تكون بجودة ممتازةٍ وتوفّر الكثيرَ من الوقت والجهد. يكونُ اختيار هذه المقالات قائمًا على الحُريَّة الشخصية بالكامل، فالعمل تطوعيّ بحت. ولكن، في بعض الأحيان، قد تتطلَّبُ الظروف كتابة مقالةٍ من البداية.

لا يُحبّ العديد من مساهمي ويكيبيديا العربية، وأنا منهم، ترجمة مقالاتٍ تتعلَّقُ بتاريخ أو ثقافة البلاد العربيَّة عن ويكيبيديا الإنجليزية، وهنا تأتي التجربة الأكثرُ صعوبةً في العمل على ويكيبيديا. فعندَ كتابة مقالةٍ من الصّفر، والتزامًا بقوانين ويكيبيديا من حيثُ حقوق الملكية الفكرية، يكونُ علينا الرّجوع إلى مصادر موثوقة وقراءتها بتمعّن، ثُمّ إعادة صياغة وترتيب محتواها بأسلوبنا الخاصّ (إذ يمنعُ الاقتباس المباشر من المصدر تجنّبًا لخرق حقوق التأليف والنشر). يكون هذا العملُ مجهدًا، وقد تحتاجُ المقالة الواحدة إلى أسابيع لإكمالها على هذا المنوال. أطولُ مقالاتي على الإطلاق، وهي عن الدولة الأموية، احتاجت شهرين من العمل مع دستَتيْن من الكتب فوق مكتبي لإتمامها.

ليس هناك توزيعٌ ثابت للمسؤوليات في ويكيبيديا، لأنَّ كلَّ من يساهم فيها هو مُجرَّد متطوّع يتبرَّعُ بوقته، ولكن كلَّ شخصٍ يقومُ بإسهام صغير على قدر استطاعته بحيثُ تبقى كلُّ مقالات الموقع في حالة صيانة دائمة مبهرة.

كيف يمكنك حماية موسوعة يستطيع أيّ أحدٍ العبثَ بها؟

تقومُ فكرة ويكيبيديا على أن تكونَ موسوعة مفتوحة للجميع، حيث يمكن لأيّ شخصٍ دخول أيّ مقالة فيها وتغييرُ محتواها كما يشاء. ربّما يجدُ البعض هذه الفكرة غير معقولة، لكنها هي المبدأ الذي جعل ويكيبيديا ما هيَ عليه. فثمَّة عددٌ هائلٌ من الموسوعات والمواقع التي تقتصرُ المساهمة بمحتواها على الأكاديميّين والمتخصِّصين، لكنَّ هذا – فعليًا – هو ما يُعِيق نموَّها ويجعلُه مكلفاً ماديًا وإداريًا، وأما ويكيبيديا فهي توفِّر أضعافَ المحتوى دونَ أيّ تكلفةٍ تذكر عليها أو على قُرَّائها.

كنتُ قد كتبتُ ما يربو من عشر مقالات بسيطة خلال أيامي الأولى على ويكيبيديا، ولكن عندما عدتُ لأتصفّحها بعد أسبوعٍ أو اثنين، فوجئتُ باختفاء معظمها. كانت هذه أول عقبة واجهتُها ويواجهها معظم من يحاولون تعديل الموسوعة الحُرّة، وهي مجتمع ويكيبيديا. إذ تبيَّن لي -في الفترة القادمة- أنَّ وراء صفحات ويكيبيديا عددًا هائلًا من المساهمين الذين يداومون ليلًا ونهارًا على صيانة مقالاتها وحمايتها وكأنَّها أغلى ما لديهم في العالم، وقد ينظرونَ إلى القادمين الجُدد إلى ويكيبيديا -لأول وهلة- بعين الشكّ الشديد.

والواقع أنَّ لهذا الشكّ والحذر مبرّراته الجيّدة. فمن المُفترض أن تكون ويكيبيديا موقعًا علميًا ومعرفيًا، إلا أنَّها تسمحُ باستقبال التعديلات والمساهمات -حرفيًا- من أيّ شخصٍ لديه جهاز قادرٌ على الاتصال بالإنترنت. هذا يعني أنَّك لن تعرفَ أبداً من يحاول تغيير المقالات، فقد يكونُ أستاذًا في الجامعة وقد يكون أيضًا طفلًا بالمرحلة الابتدائية. ومن هنا يأتي الجانبُ الآخر، الأقلّ إشراقًا، من تجربة العمل في ويكيبيديا، وهو صَوْن المقالات من الإفساد والتخريب.

بطبيعة الحال، ليسَ من السهل السَّماحُ لأيّ شخص في العالم بالعبث بمحتوى موسوعة معرفيَّة والحفاظُ على مقالاتها دقيقة وسليمة، بل إنَّ الأمرَ يبدو مستحيلًا. ففي كلّ صباحٍ تضاف إلى ويكيبيديا العربيَّة أكثر من مئتي مقالةٍ جديدة، تكونُ نصفها تقريبًا عبارة عن دعايات تجارية، أو سيرٍ شخصيَّة لأطفال، أو مُجرَّد هراءٍ كتبه أحدهُم لإمضاء وقتِ فراغه. تنطبقُ نفس هذه الحال على مئات التعديلات التي تدخلُ على مقالات الموقع على مدار السَّاعة.

وقد يبدو العبث بويكيبيديا، والحال كهذه، سهلًا وبسيطًا جدًا بحيثُ يجعل الثّقة بها مستحيلة، إلا أنَّهُ ليس كذلك فعلًا. في الواقع، يوجد عشرات المتطوّعين الذين يداومون على مُرَاقبة مقالات ويكيبيديا العربيَّة ومراجعة ما يدخلُ عليها من تعديلات في كلّ يوم، ورغم العدد الهائل من التعديلات التخريبيَّة التي تجري يوميًا، إلا أنَّ الغالبية العظمى منها تُلغَى خلال ساعاتٍ معدودةٍ بعد عملها، ويُطبَّق الحَظْر على الأشخاص المسؤولين عنها لتجنّب عبثهم مستقبلًا.

لا يوجد فريقٌ مُحدَّدٌ من المراجعين المسؤولين عن تنقيح مقالات ويكيبيديا، إلا أنَّ العدد الكبير من المتطوِّعين النشطين على الموقع وحسّ الحرص لديهم على مراقبة التعديلات الجديدة، يؤتِ ثمارًا كبيرة. فعندما يساهم شخصٌ في ويكيبيديا لفترة طويلة (تتجاوزُ عدَّة شهور مثلًا) ويقوم بعددٍ كبير من التعديلات، فإنَّه قد ينالُ ثقة مساهمي ويكيبيديا الآخرين، وعندها ينالُ رتبة تُسمَّى «المحرِّر». تساعد هذه الرتبة على تمييز تعديلات المساهمين التُمرِّسين في ويكيبيديا عن الأشخاص الجُدد وذوي الدراية القليلة بالموقع، ممَّا يجعلُ مراقبة التعديلات التخريبية أكثرَ سهولة بكثير.

إلا أنَّ وجود هذه الرقابة التي يتولَّاها مساهمو ويكيبيديا قد يقودنا إلى مشكلة مختلفة، وهي الصّعوبة في تمييزُ المساهمات التخريبية عن غيرها. ففي المقالات الحسَّاسة التي تناقش موضوعات دينية أو سياسية، قد يوجد عددٌ كبيرٌ من الكُتّاب والمساهمين الذين لديهم وجهات نظرٍ متباينة تمامًا عن موضوع المقالة، والتي تنعكسُ على تعديلاتهم. وفي هذه الحالة فإنَّ التعرُّف على التعديل التخريبي قد يكونُ صعبًا جدًا.

تحلُّ ويكيبيديا هذه المشكلة بطريقتين: النقاش والمصادر. ففي كلّ تعديلٍ جديدٍ يدخلُ على ويكيبيديا، وخصوصًا عندما يمسّ مقالة ذات موضوعي خلافي، فلا بُدَّ من أن يكونَ هذا التعديل مدعومًا بمصدرٍ موثوقٍ موافقٍ لقوانين وسياسات الموسوعة. هذا يعني أنَّ التعديلات لا يمكن أن تكونَ قائمةً على أهواء المساهمين وميولهم، وإنَّما على الحقائق الثابتة فقط.

وأما الأمرُ الآخر فهو أنَّ أيَّ خلافٍ لا يمكنُ حسمه إلا بالنقاش العقلاني. هذا يعني أنَّ مساهمي ويكيبيديا لا يمكنهم الاعتماد على عددهم أو كثرتهم لاتخاذ القرارات التي تعجبهم، بل عليهم الاحتكامُ إلى الحُجَّة والمنطق. وهذا السَّببُ يجعلُ النقاشات تطول جدًا في بعض الأحيان، لأنها لا تتوقَّفُ حتى توصُّل جميع المشاركين إلى حلِّ مرضٍ لكلّ واحدٍ منهم. لا تقتصرُ هذه النقاشات على مقالات ويكيبيديا فقط، بل على قوانينها وسياساتها أيضًا. قبل عامٍ من الآن، وقع نقاشٌ على ويكيبيديا العربيَّة عن تسمية المقالات العلميَّة كتب خلاله من الرّدود والتعليقات ما يمكن طباعته في كتابٍ بأكثر من مئة صفحة.

مجتمع ويكيبيديا

كنتُ أتصفّح بريدي الإلكتروني بصورةٍ روتينية، في ليلة قبل ستّ سنوات، عندما فوجئتُ برسالة من معهد أكسفورد للإنترنت. كانت دعوةً لحضور ورشة بحثيَّة عن ويكيبيديا في مدينة عمَّان، تسعى إلى التعرّف على مجتمع مساهمي ويكيبيديا في الشرق الأوسط. كان ذهولي وحماسي بالغَيْن، ليس فقط لأنّي كنتُ في الخامسة عشرة من عمري وعلى وشك السفر وحيدًا للمرَّة الأولى في حياتي، من جدّة إلى عمّان، ولكن لأني أدركتُ أنّي -أخيرًا- سألتقي على أرض الواقع بأشخاصٍ عرفتُهم من وراء شاشة الحاسوب لسنوات طويلة، دُون أن يخبرني الكثير منهُم بأسمائهم الحقيقية حتى.

كانت التجربة اللقاء بهؤلاء الأشخاص للمرَّة الأولى فريدةً حقًا. عندما تقابلنا في البداية، كان على كلّ واحدٍ منا استجواب الآخرين عن أسمائهم على ويكيبيديا ليعرفَ مع من يتحدَّثُ بالأساس. ولكن بمُجرَّد اكتمال طقس التعرّف على الأسماء وجلوسنا معًا، كُنَّا قد نقلنا صداقتنا على الإنترنت (التي تمتدّ لما لا يقلّ عن ثلاث أو أربع سنوات في معظم الأحوال) إلى علاقةٍ وثيقةٍ على أرض الواقع.

لا يُدرك معظم القرَّاء الذين يتصفّحون ويكيبيديا بين الفينة والأخرى هذا الأمر، فهُم يأخذونها على أنَّها «موجودة» فحسب، ولكنَّ ثمة مجتمعًا هائلًا من الكُتّاب المتطوعين، ما بَيْن طلبة في المدارس والجامعات إلى شخصيات معروفة، يكرّسون أوقاتًا طويلة كلَّ يومٍ للحفاظ على محتوى ويكيبيديا وإثرائه. لا يحصلُ هؤلاء الكُتّاب على أيِّ مقابلٍ ماديّ أو معنويّ على جُهودهم، ولا تظهر أسماؤهم على مقالاتهم أساسًا، فعزاؤهم الوحيدُ في ما يفعلونه هو خدمة الآخرين ونشر المعرفة.

قد تبدو هذه الفكرة غريبة للوهلة الأولى. فلعلَّك تفترضُ أنَّ من الصَّعب على الإنسان، مع ما يشغلُ ذهنه ووقته من دراسة أو عمل أو عائلة، أن يُكرِّس وقته في عملٍ شاقّ لا يأخذُ عنه أيّ مقابل، لكن من يُجرّبون الكتابة على ويكيبيديا ربّما يجدونها أمرًا رائعًا. حسبما يقول الويكيبيديّ اللبناني، باسم فليفل، عن الأسباب التي دفعتهُ إلى المساهمة في ويكيبيديا بمئات المقالات عن التاريخ الإسلامي: «كنتُ أرغب بمساعدة الناس على فهم تاريخهم بصورته الحقيقيَّة، وبأن يتعرَّفُوا عليه بلغتهم الأمّ التي يتحدثونها بطلاقة، ولكن بنفس الجودة والمستوى الذي سيجدونه في أيّ مصدرٍ أو مرجع أجنبيّ».

ثمَّة دوافع كثيرة تُشجّع مساهمي ويكيبيديا على تكريس أوقاتهم الثَّمينة لعمل تطوعيّ كهذا. قد يكون بدافع حبّ العلم والمعرفة، أو مساعدة الآخرين، أو ترك بصمةٍ في العالم. بالنسبة لي، يتمثَّلُ الدافع الأساسي وراء الكتابة في ويكيبيديا بشيءٍ بسيط، وهو الإحساسُ الذي يراودني عندما أنهي العمل على مقالة طويلة وثريَّة قضيتُ فيها عدَّة ساعات وأُفكّر بالأثر الذي أحدثته، فمثل هذا العمل يشعرك بأنَّكَ تركتَ من ورائك عملاً سيبقى من بعدك وسيجعلُ من العالم مكاناً أفضل، ولو بدرجةٍ بسيطة جدًا، وهذا – على ما أعتقد – من أفضل الأحاسيس التي قد تختبرها في الحياة.

رغم الانتقادات الكثيرة التي تتلقَّاها ويكيبيديا العربيَّة وجهل معظم متصفّحي الإنترنت العرب فيها، إلا أنَّ ثمة مجتمعًا نشطًا من الويكيبيديِّين في العديد من الدول العربيَّة. لم تتصل هذه المجتمعات على أرض الواقع منذ مدَّة طويلة، لكنَّها أصبحت الآن نشطة جدًا من حيثُ الأعمال والمشاريع التي تشرفُ عليها.

في سنة 2015، أسَّسنا في الأردن وسوريا وفلسطين ولبنان مُنظَّمة غير ربحية باسم «ويكيميديا بلاد الشام». تنالُ هذه المنظمة الآن اعترافًا رسميًا من منظّمة ويكيميديا الأمّ (المؤسَّسة التي تشرف على ويكيبيديا) في كاليفورنيا، بالولايات المتحدة، وتحظى بالدعم المادي واللوجستي لمساعدة مساهمي ويكيبيديا في المنطقة وبتنظيم اللقاءات والمؤتمرات.

لا تزالُ النسخة العربيَّة من ويكيبيديا حتى الآن في طور التقدّم والنمو، ولكنَّ حالها يعتمدُ، أولًا وأخيرًا، على اهتمام متحدِّثي لغتها بتطويرها. ففي الأساس بناءُ النسخ العربيَّة من ويكيبيديا هو مسؤوليَّة كلّ الناطقين باللغة العربيَّة، ومستواها الضَّعيفُ والمحزنُ -حاليًا- هو محضُ انعكاسٍ لاهتمام المجتمع العربيّ بالعلم والمعرفة، ولرغبته بالتضحية في سبيلها.