المدينة التي ضاقت بأهلها

أردنيون وسوريون يتقاسمون فقر المفرق في مجتمع يزداد توترًا


إعداد: دعاء علي، حسام دعنة، سارة عبيدات، محمد حجازي، وسفيان الأحمد.

كما يلفها غبار البادية، يلف المفرق عمى عن التفاصيل. فالتهميش جعل المدينة الشمالية تبدو أبعد عن عمّان من السبعين كيلومترًا التي تفصلهما فعليًا، ولم تقطع قصص المدينة هذه المسافة إلا لتصل مهوّلة أو غير دقيقة.

لكن هذه القصص ليست أمرًا يمكن الاستمرار في تجاهله. فبعد ثلاث سنوات على اندلاع الثورة في سوريا التي تحوز محافظة المفرق الجزء الأكبر من الحدود معها، أصبحت المفرق مدينة مختلفة بأردنييها وسورييها الذين تركوا خيامهم في الزعتري ليحاولوا إعادة بناء حياتهم في المدينة.

في نيسان الماضي، تحدث رئيس الحكومة عبد الله النسور عن “توجه لإعلان محافظات الشمال منطقة منكوبة” بسبب “الضغوط الكبيرة” التي أدى إليها لجوء السوريين إلى هذه المحافظات. هذا “التوجه” انتهى إلى أرشيف الصحافة، لكن المشكلات التي دعت النسور لإطلاق هذا التصريح لم تزدد سوى تفاقمًا.

فضعف الخدمات والبطالة وتكلفة المعيشة في المفرق كلها كانت مصادر تذمر لسكان المدينة قبل اللجوء السوري. لكن تذمرهم تحول اليوم إلى حنق وإحساس بالخطر، وجّهه بعضهم إلى الحكومة في شكل مطالب واحتجاجات، فيما وجهه آخرون إلى جيرانهم السوريين في شكل نفور وتحميل للمسؤولية.

مخيم الزعتري الذي يرُى من المدينة كخط أبيض في الأفق تشكّله رؤوس الخيام لا يحتوي قرابة 110 آلاف لاجئ فحسب، بل مرّ منه كذلك أكثر من 45 ألفًا تم تكفيلهم للخروج من المخيم بحسب وسائل إعلام، إضافة إلى عشرات الآلاف ممن تم تهريبهم منه. هؤلاء اللاجئون الخارجون من المخيم وغيرهم ممن دخلوا الأردن بشكل نظامي في بداية الأزمة اتجه الكثير منهم إلى المفرق لقربها، رافعين عدد سكان المدينة إلى أكثر من 157 ألفًا في نهاية عام 2013 أكثر من نصفهم سوريون، بحسب بلدية المفرق.

خالد مصيطف أحد هؤلاء. “عفنا الأول والتالي وطلعنا بأواعينا”، يقول المسن الذي هرب مع عائلته من دير بعلبة في حمص قبل ستة أشهر عابرًا الحدود إلى الأردن. لم يبقَ مصيطف في الزعتري سوى يوم واحد، تم تهريبه وعائلته بعده إلى المفرق ليستصدر بطاقات لجوء من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين توفر له ولعائلته قسائم الطعام وجزءًا من أدوية الضغط والسكري التي يحتاجها هو وزوجته، ليظل بعدها “على البطانيات، لا شغلة ولا عملة”.

حياة الأردنيين والسوريين تتقاطع في المدينة الصغيرة. الفيديو أدناه يتتبع السوري أحمد بهاء الدين والأردنيين حازم الخطيب وسمير كساب في أعمالهم اليومية التي تأثرت بالضغط المتنامي على البنية التحتية المترهلة في المفرق.

مساكن ليست في المنال: المحشورون والمتوسّعون

حين يقابل المرء غانم ذا الأحد عشر عامًا، يصعب تخيل كونه مصدر توتر أو جزءًا من أي مشكلة. الطفل اللاجئ من حمص يسكن في المفرق مع والدته وجدته المصابة بالسرطان بعد أن اعتقل والده أمامه منذ سنة. بصعوبة أخبرنا غانم الكَتوم قصته بعد تشجيع من صديقيه الأردنيين؛ بوسعه اللعب معهما في الحارة، لكن في المدرسة الأمر مختلف. فغانم الذي يدرس في الصف الثالث بعد ضياع سنتين مدرسيتين منه، يداوم في مدرسة حكومية في الفترة المسائية في صف سوري بالكامل، بينما يداوم جيرانه الأردنيون صباحًا.

لكن غانم الذي يسكن في عمارة من ثلاثة طوابق يستأجر كل شققها سوريون يقع بالفعل وسط أزمة السكن في المفرق. فأسرته -كما معظم اللاجئين السوريين الذين قابلناهم في المفرق- تعتمد على متبرعين أو جمعيات خيرية في تمويل سكنها. استعداد المتبرعين لتغطية إيجارات مرتفعة إضافة إلى الدفعة الأولى من المستأجرين اللاجئين الذين عبروا الحدود بصورة نظامية وصرفوا في أشهر ما حملوه معهم من مدّخرات، حفّز رفع إيجارات السكن في المدينة لتبلغ قرابة ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل ثلاث سنوات. كما أن الطلب على الإسكان في المحافظة تضاعف 19 مرة قبل وبعد الأزمة السورية، ليقفز من 660 وحدة سكنية سنويًا إلى 12,600 وحدة، بحسب تقرير لوزارة التخطيط والتعاون الدولي.

وسط هذه الأزمة أيضًا يعيش المتقاعد العسكري زهير المستريحي. فبعد أن كان إيجار منزله 120 دينارًا قبل 4 سنوات، ظل يرتفع حتى وصل اليوم 250 دينارًا مع عقود إيجار جديدة قصرت مدتها من سنة إلى ستة أشهر. "راتبي التقاعدي 300 دينار ولدي ابن وابنة في يدرسان الجامعة واثنان في التوجيهي"، يقول المستريحي الذي بات بعد تقاعده يدير مع أولاده صالون حلاقة. "قد يكون لدي صنعة تيسّر حالي، لكن المواطن الذي يعمل من السادسة صباحًا للسادسة مساءً لقاء مئتي دينار، كيف يمكن أن يعمل في وظيفة ثانية أو يستأجر بيتًا؟".

مواطن كهذا هو ابن المتقاعد الحكومي بسام الرنتيسي. فالرنتيسي لم يعد يرى أملًا قريبًا في تزويجه بعد أن بات متوسط إيجار بيت صغير أعلى من راتب ابنه كاملًا. "خلال سنتين شهدت ارتفاع إيجار منزل جاري من 100 إلى 300 دينار. وفوق ذلك يشترطون الدفع لعدة أشهر مقدمًا".

يمكن تصور ارتفاع معدل الإيجار هذا بتقاربه إلى حد ما من إيجارات بيوت مشابهة في عمّان، رغم أن متوسط دخل الفرد السنوي في محافظة المفرق يقل عنه في العاصمة ب880 دينار. إضافة إلى أن نسبة الفقر في المحافظة تبلغ 19.2% مقارنة بنسبة 14.4% على مستوى المملكة، بحسب مسح نفقات ودخل الأسرة لعام 2010.

لكن ليس الجميع على الطرف ذاته من هذه الأزمة. فمقابل كل مستأجر يرتفع إنفاقه، هناك مؤجر يرتفع ربحه، وهناك من تدفعه هذه الأرباح ليستثمر في قطاع العقارات وينضم إلى المؤجرين، رافعًا حركة البناء في المدينة بما يقدر تقرير لوزارة التخطيط والتعاون الدولي أنه سيوفر بين 3,700 و5,600 وحدة سكنية جديدة.

مصطفى أبو عليم الذي يمتد عمله من تجارة المواشي والسيارات إلى تجارة العقارات أكد أن الأزمة التي أضرت بمعظم سكان المفرق -على حد قوله- أفادته. "قبل أربع سنوات كنّا نؤجر بـ150 أو 120، لكن حين يصبح الإيجار 300 دينار فزيادة الخير خيرين".

لا ينكر أبو عليم أن معظم أهل المفرق "موظفون أو عسكر ورواتبهم لا تسمح باستئجار بيوت بثلاثمئة دينار" (بحسب دائرة الإحصاءات العامة، أكثر من 61% من المشتغلين في المحافظة يعملون في القطاع العام)، ولا ينكر أنه رغم قدرته على تزويج ابنه فإن أغلب شباب المدينة لا يستطيعون الزواج. لكن يقر أيضًا بأنه كغيره من المؤجرين "يبحث عن المردود المادي أولًا"، وأنه رغم عدم تفضيله سوري على أردني في التأجير فلن يترك "سوري بثلاثمئة" ليؤجر "أردني بمئة". "حتى لو حاولت، لن أستطيع أن أساعد سوى واحد أو اثنين. لن أحل المشكلة كاملة ولا سأخفض أسعار السوق".

ورغم أن اللجوء السوري هو ما أطلق بطريقة أو بأخرى موجة تضاعف الأسعار، إلا أنه الموجة انعكست على سكان المفرق السوريين كما الأردنيين. حميدة الرحال نزحت مع أولادها وأسرهم من حمص قبل سنتين ونصف إلى دمشق ثم لجأت منها إلى الأردن بعد ستة أشهر، واليوم لم تعد تطالها مساعدات المتبرعين كما في السابق. "هناك متبرعون يدورون على البيوت لتتفقد احتياجاتنا، لكننا لم نرى أحدًا منهم منذ سبعة أشهر". ومثل غيرها، اضطرت حميدة لترك منزلها السابق بعد أن ظل صاحبه يرفع الإيجار في عقود لا تمتد أكثر من ثلاثة أشهر، لتنتقل إلى منزل أقل أجرةً تساعدها في دفعها جمعية خيرية.

"رحماء بينهم" هي واحدة من الجمعيات التي تساعد اللاجئين السوريين على تأمين احتياجاتهم، وأولها المساكن. فبعد أكثر من سنة من العمل كأفراد على الوصول إلى اللاجئين وتقديم المساعدات لهم ومع تضاعف أعداد اللاجئين في المفرق، قررت مجموعة "المتطوعين في الجمعية" تأسيسها وتسجيلها قبل سنة ونصف، بحسب نائب رئيسها محمد الزيودي.

يقول الزيودي إن الجمعية حاولت تسخير العلاقات التي كوّنها أعضاؤها في أعمالهم الخاصة مع "متبرعين في دول الخليج وخاصة السعودية" لإغاثة اللاجئين السوريين. ويقرّ بإنه استشعر استياء أهالي المفرق الأردنيين من استثنائهم من نشاط الجمعية، إلا أنه اعتبر أن أولوية الجمعية وهدف تأسيسها هي مساعدة اللاجئين. "هناك فقراء أردنيون كما هناك فقراء سوريون ونحن نحاول مساعدتهم، لكن الأسرة التي تلجأ بلا شيء غير ثيابها تكون في حاجة أمسّ إلى كل مساعدة".

اليوم، تصل الجمعية إلى 60% من الأسر السورية في المفرق وفقًا للزيودي، إلا أن "نساء وأطفال الشهداء" هم فئة مستهدفة بشكل خاص في مساعدات الجمعية، عبر توفير ست عمارات سكنية مفروشة ومؤجرة بالكامل لهؤلاء، "لأن حقهم أكبر، ولأن النساء وحدهنّ قد تدفعهن الحاجة للخطأ" بتعبير الزيودي، الذي شدد على أن لهذه العمارات حراسًا يُختارون "من ذوي الدين كبار السن" يمنعون دخولها بالمطلق دون تصريح من الجمعية نفسها، كما لا يبقى الأطفال الذكور فيها بعد سن الثانية عشرة.

عمل أكثر وفرص أقل؟

المساعدات بالكاد تعين حميدة وأولادها على العيش، خاصة وأن أولادها "يعملون يومين ويقعدون عشرة" كونهم ممنوعين قانونيًا كغيرهم من غير الأردنيين من العمل دون استصدار تصاريح بذلك، وهو ما وجده أبناء حميدة مكلفًا. لكن ذلك لم يكن عائقًا فعليًا للكثير من السوريين الذين أقبلوا على العمل في المفرق دون تصاريح وبأجور متدنية لم يسبق لأقرانهم الأردنيين أن قبلوها.

هذا ما أكده محافظ المفرق السابق عبد الله السعايدة لحبر، إذ أشار على سبيل المثال إلى أن العمال السوريين الذين يعملون في مزارع المحافظة يعملون خلال مواسم القطاف في مجموعات تتكون من عائلات كاملة تصل إلى 15 فردًا، ويسكنون في المزرعة خلال عملهم فيها، وعادة ما يتقاضى واحدهم ثمانية دنانير في اليوم بدلًا من عشرين، وهو ما قد يبدو مبلغًا ضئيلًا جدًا "لكنه ثروة للعائلة" التي يعمل فيها أكثر من عشرة أفراد.

إسماعيل العليمات الذي يعمل في مجال البناء والديكور الداخلي رأى في عمالة السوريين في المفرق منافسة حقيقية في عمله بسبب تدني الأجور التي يعملون بها. "نحن لا نستطيع العمل بأجور كهذه. إذا أردت أن أعبئ جرة غاز سأصرف عشرة دنانير، بينما قد يعمل السوري طوال اليوم لقاء أربعة. إذا أراد صاحب عقار تشطيبه بتشغيل سوريين سيكون أجرهم ثلثي أجرنا".

مقابل هذه المنافسة، يقول العليمات إنه لا يشغل سوى أردنيين في ورشاته لأنهم أحوج إلى العمل على حد قوله، رغم أن حجم عمله تقلص بسبب تزايد تكاليفه "من بنزين سيارات وفواتير مياه وكهرباء وإيجار بيوت وضرائب"، وغير ذلك من مصاريف "لا يضطر السوري لتحملها".

إلا أن ما يدفع العليمات لرفض تشغيل اللاجئين السوريين هو ما يدفع غيره لتشغيلهم قبل الأردنيين، بين أسباب أخرى. أبو أنس الذي يملك سلسلة من المطاعم في المفرق يقول إنه يعطي الأولوية لتشغيل العمال السوريين والمصريين قبل الأردنيين، "ليس لتدني الأجرة" على حد قوله، بل لما يصفه من أسباب متعلقة بثقافة العمل لديهم.

"نادرًا ما أجد أردنيًا يقبل أن يشتغل في موقع كهذا"، يقول أبو أنس قاصدًا خدمة الزبائن والتنظيف. "هناك من العمال السوريين من يتقاضى أجرًا أعلى مما يتقاضاه الأردنيون، لكن السوري عنده خبرة ويريد أن يعمل، بينما الأردني يريد مكتبًا وكرسيًا". لا يجد صاحب العمل حرجًا في تفضيل عماله السوريين "لقدرتهم على جذب الزبائن بلباقة أسلوبهم"، مقابل ما وصفه بـ"جمود" العامل الأردني وعدم تحمله لأمزجة الزبائن وقدرته على "افتعال المشاكل".

لكنه في الوقت ذاته يذكر أسبابًا أكثر عملية تتلخص فعليًا في قدرة العمال الأردنيين على المطالبة بحقوقهم. "العامل السوري أو المصري ليس لديه مشكلة في العمل 12 ساعة ما دام يأخذ أجرة الوقت الإضافي. أما الأردني فيقول لك الحكومة حددت العمل بثمان ساعات، إلى جانب أن السوري والمصري يلتزم لفترات أطول ومشاكله الاجتماعية أقل، بينما الأردني يأخذ عطلًا كثيرة ويترك العمل دون إنذار إذا وجد عملًا آخر".

لكن رغم هذه المنافسة، هناك مؤشرات على أن وجود السوريين في المفرق بحد ذاته خلق حركة تجارية واقتصادية ومنافذ عمل جديدة. فبحسب تقريَري دائرة الإحصاءات العامة لحالة البطالة في الأردن لعامي 2010 و2012، فقد سارت نسبة البطالة في محافظة المفرق في انخفاض مستمر بين العامين.

قصة راكان الشمري في مكان عمله مؤشر آخر على هذه الحركة. فرغم أنه كان من سكان عمّان معظم حياته، إلا أنه انتقل ليعمل في المفرق كمحاسب في سوق خضار جديد يملكه أقاربه ويقول إنه يجذب كثيرين. "سابقًا كانت الحركة تتوقف في المفرق بعد السادسة مساءً. اليوم، محلنا يفتح أبوابه 24 ساعة والإقبال عليه متواصل حتى خلال ساعات الليل".

يقول راكان أن زبائن السوق أردنيون وسوريون بالدرجة الأولى، لكن العديد من الخليجيين والأجانب ممن يشتغلون في المنظمات العاملة في مخيم الزعتري يرتادون السوق أيضًا. وإلى جانب سوق الخضار، افتتحت العائلة في المفرق محل حلويات يقول راكان إنهم يشغلون فيهم سوريين أكثر من الأردنيين "لإنه اختصاصهم".

القفز على شبكة مهترئة

أدخل اللاجئون السوريون إلى المفرق أكثر من الغلاء والأيدي العاملة، إذ باتت السلع التي تحمل شعار UNHCR منظرًا معتادًا في الأسواق. فمع اعتماد اللاجئين على المعونات الغذائية من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وغيرها من المنظمات، باتوا يبيعون ما يزيد أو ما لا يحتاجونه من المعونات أو الكوبونات لتأمين المال اللازم لحاجات أخرى، موفّرين بذلك منتجات جيدة للأردنيين الذين يشترون هذه السلع بأقل من أسعار السوق. مثال آخر على تجارة المساعدات هو خيم المفوضية التي تنتشر بين بيوت المفرق وعلى سطوحها، والتي تباع (أو تهرّب) من مخيم الزعتري.

أعمال المحال الصغيرة في مجال السلع الاستهلاكية انتعشت بوجه عام، كنتيجة طبيعية لازدياد السكان. علي اللحام الذي يدير مخبزًا صغيرًا على شارع رئيس يقطع المفرق طولًا يكاد لا يجد الوقت للإجابة على أسئلتنا فيما ينتشل أرغفة الخبز الساخنة من فرن الطابون ليكومها أمام طابور من الزبائن. "قبل سنتين، كنا نستهلك في الخبز قرابة 18 كيس طحين يوميًا. اليوم نستهلك حوالي 27 كيسًا، كل منها يزن 50 كغم".

لكن إن كانت المخابز قادرة على التجاوب بسرعة مع ازدياد السكان، فالمستشفيات تجد صعوبة كبيرة في ذلك. محافظة المفرق كانت قبل الأزمة السورية تعاني من ارتفاع معدل السكان إلى الأسرّة، إذا وصل بحسب وزارة الصحة إلى 1222 مواطن لكل سرير عام 2011، مقابل 519 مواطن لكل سرير على مستوى المملكة.

هذه النسبة ازدادت سوءًا مع توافد المرضى السوريين إلى المفرق، خاصة وأن نسبتهم من مجموع المرضى في المحافظة هي الأعلى في المملكة، تحديدًا في مستشفى النسائية والتوليد (17% من المرضى سوريون) ومستشفى المفرق الحكومي (12.6%).

حازم الخطيب الذي يعمل ممرضًا في مستشفى المفرق الحكومي يقول إن عمل المستشفى بأكثر من طاقته يسبب قلقًا دائمًا لإدارته وللكادر الطبي فيها. "لا يعقل أن تصلنا حالة حرجة كجلطة أو نزيف دماغي ونقول للأهل لا يوجد أسرّة". ويشير الخطيب إلى أن وجود المرضى السوريين "الذين يصل أغلبهم في حالات حرجة" بات يسبب حرجًا مع أهالي المرضى الأردنيين حين لا يجدون أسرّة، لكن رد المستشفى الدائم هو أنه ينظر للمرضى كحالات لا كسوريين أو أردنيين.

يعاين بسام الرنتيسي هذا الضغط في كل مرة يتجه للمستشفى للمراجعة أو الحصول على الدواء لمرض الأعصاب المزمن الذي يعاني منه. فبعد أن لم يكن يضطر للانتظار وقتًا يذكر في المستشفى، أصبح يقف في طابور يمتد لساعتين أو ثلاث، ويتعرض "لمعاملة سيئة" على حد قوله مقارنة مع ما كان يحدث قبل سنوات قليلة.

"أنا موظف متقاعد ويخصم من راتبي التقاعدي قسم للتأمين الصحي، لكنني لم أعد أحصل سوى على نصف كمية الدواء التي كنت أحصل عليها سابقًا. صرت أضطر لشراء بقية العلاج من الخارج، لأن ما أحصل عليه من أدوية إما لا يكفيني لآخر الشهر أو أن نوع الدواء غير متوفر".

وكما ازدحمت المستشفيات، ازدحمت المدارس. فبحسب المحافظ السابق السعايدة يدرس 12 ألف طالب سوري في مدارس المدينة، معظمهم في ثمان مدارس تعمل بدوام مسائي خاص للسوريين، ويدرِّس فيه طاقم تدريسي جديد من متقاعدين وخريجين جدد.

35% من صفوف مدارس المفرق تعاني من شدة الازدحام بحسب تقرير لوزارة التخطيط والتعاون الدولي، ما تطلب زيادة محاولات وزارة الصحة الوقاية من الأمراض في المدارس، خاصة بعد أن أعاد لجوء السوريين من أحوال إنسانية شديدة السوء انتشار بعض الأمراض التي كان الأردن قد أعلن عن القضاء عليها قبل سنوات، ما استدعى حملات تطعيم جديدة في المدارس، تحديدًا ضد الحصبة وشلل الأطفال.

عجز المياه يزيد

البنية التحتية فيما يخص المياه والصرف الصحي أُثقلت بزيادة السكان، كغيرها من البنى التحتية التي لم تكن في مستوى لائق قبل الأزمة السورية. فبحسب تقرير لوزارة التخطيط والتعاون الدولي، بلغ عدد المشتركين بخدمة الصرف الصحي حتى الصيف الماضي 3342 مشتركًا فقط، فيما أكد مدير بلدية المفرق هايل العموش أن أقل من نصف مساكن المدينة كان مخدومًا بشبكة الصرف الصحي عام 2011، بينما بلغت النسبة على مستوى المحافظة 15.2% فقط للعام نفسه مقابل حوالي 60% على مستوى المملكة، بحسب دائرة الإحصاءات العامة.

أما قطاع المياه الذي كان يعاني من عجز سابقًا بحسب المحافظ السابق السعايدة، فقد زاد عجزه بزيادة حاجة المدينة للمياه. مصادر في سلطة مياه اليرموك أفادت بأن معدل الضخ لمدينة المفرق ارتفع أقل من 50 مترًا مكعبًا في الساعة عما كان عليه عام 2010، ليصبح 3650 مترًا مكعبًا في الساعة. إلا حاجة المفرق اليومية باتت تبلغ 3800 متر مكعب من المياه في الساعة.

ومع الزيادة السكانية وثبات معدل الضخ، تقلصت حصة الفرد اليومية من المياه من 180 لتر إلى 120 في اليوم. إسماعيل العليمات أشار إلى أن المياه باتت تُضَخ إلى خزان منزله مرة في الأسبوع بدلًا من مرتين، ما ألجأه إلى تعبئة خزانه بين فترة وأخرى بمياه منقولة بالصهاريج. إلا أن مصادر في سلطة مياه اليرموك أشارت إلى أن مدة الضخ لم تقل عما كانت عليه سوى بضع ساعات أسبوعيًا، لتصبح يومًا في الأسبوع في المدينة، ونصف يوم في بعض القرى.

وليس الاستهلاك وحده المشكلة، فمصادر المياه نفسها محدودة ومهددة. المحافظة تعتمد على مياه الأحواض المائية فيها وتغذي محافظات الشمال منها، خاصة وأن معدل هطول الأمطار في المفرق لا يتجاوز 200 ملم سنويًا. لكن ارتفاع نسبة الفاقد من المياه وسوء تصريف مياه الصرف الصحي تهددان مياه المفرق بالتناقص والتلوث.

مخيم الزعتري الذي يستهلك 4 آلاف متر مكعب من المياه يوميًا بحسب مديره زاهر أبو شهاب يصرف مياهه العادمة في حفر امتصاصية قد تسرب إلى الحوض المائي الذي يرقد المخيم فوقه، ما يهدد بتلوث مياهه بحسب المحافظ السابق السعايدة.

وبحسب البرنامج التنموي في محافظة المفرق لوزارة التخطيط والتعاون الدولي، من المقرر أن تصرف الحكومة خلال عام 2014 أكثر من 2.56 مليون دينار من أجل توسيع شبكة الصرف الصحي وصيانة شبكات المياه وحفر المزيد من الآبار في المحافظة.

عبء النفايات

كل هذه التضخمات في المدينة من عدد السكان إلى الاستهلاك في مختلف مجالاته انعكس بصورة مرئية في كميات النفايات التي تنتجها المفرق. فالسائر في شوارع المدينة لا يستطيع إلا أن يلحظ أكواماً من القمامة تتراكم على جوانب الشوارع وفي الساحات الفارغة، وإن كانت هذه المشكلة كغيرها من مشاكل المفرق سابقة للجوء السوري.

مدير بلدية المفرق هايل العموش قدّر كمية النفايات التي تنتجها المفرق يوميًا بمئتي طن في نهاية 2013، مقابل ثمانين طنًا كانت تنتجها في نهاية 2010، ولم تعد البلدية مع هذا التضاعف قادرة على احتواء النفايات، خاصة مع قلة عدد آليات جمع النفايات في البلدية وحاجتها للصيانة.

يقول منير الزغل الذي يعيش في بيته 10 أشخاص أغلبهم لاجئون من عائلة زوجته السورية: "الحاويات التي كان يستخدمها منزل واحد صارت تستخدمها عشرة منازل، وضاغطات القمامة التي كانت تمر مرة كل أسبوع، صارت مرة كل أسبوعين".

وفي مكب الحصينيات شمال غرب المدينة، يتجمع حوالي 350 طنًا من نفايات المفرق ومخيم الزعتري وعشرة بلديات أخرى في المحافظة، بحسب رئيس مجلس الخدمات المشتركة في محافظة المفرق عيسى الخصاونة.

وبحسب العموش، وافقت وزارة الشؤون البلدية مؤخرًا على عطاء بقيمة العطاء 400 ألف دينار لستة أشهر، وبتمويل من البنك الدولي، طرحته البلدية لتوظيف شركة نظافة خاصة وشراء ست ضاغطات نفايات للسيطرة على فيضان النفايات حول المدينة.

وعود التنمية

وفقًا للخطة الحكومية الثلثية الأخيرة لتنمية محافظة المفرق، من المقرر أن تخصص الحكومة أكثر من 76.53 مليون دينار خلال العام الحالي لتلبية الاحتياجات التنموية في المحافظة، على أن يرتفع هذا المخصص إلى 79.23 مليون دينار في 2015، و 85.18 مليونًا في 2016.

هذه المخصصات من المقرر أن تركز على قطاعات الأشغال العامة بنسبة 16% من المخصصات، والبيئة بنسبة 15%، والرعاية الصحية بنسبة 14%، والتنمية المحلية بنسبة 13%، إلى جانب قطاعات النقل والتعليم العام والمياه والصرف الصحي.

الخطة تحدد بتفصيل دقيق المبالغ المقرر صرفها لتحسين معيشة الأكثر فقرًا في المحافظة، ورفع نسب التحصيل في التعليم العام، وتعويض نقص الكوادر والمعدات الطبية، واستصلاح الأراضي الزراعية، وتوفير فرص عمل جديدة خارج القطاع العام، والكثير غيرها من المشاكل، كما تحدد الخطة البرامج التي ستتدخل فيها الحكومة لحل هذه الأزمات.

الخطة ذاتها خصصت 61.41 مليون دينار عام 2013 من المفروض أن تكون صرفت لتنمية المحافظة. لكن المواطنين الذين أرهقهم الجري وراء العيش لا يزالون في انتظار لمس نتائج صرف هذه المبالغ.

وجوه من المفرق

  • خالد مصيطف لاجئ سوري من حمص "نحنا جينا من حمص من دير بعلبا للحدود. عفنا الأول والتالي وطلعنا بأواعينا. وأخذونا من الحدود ع المخيم، طلعنا من الخيم وجينا وهينا عم نستأجر. طلعنا تهريب بدون ما حد يكفلنا. وطلعنا هويات مفوضية وصاروا يعطونا مساعدات وأكل. صار لنا خمس أشهر، قاعدين ع البطانيات لا شغلة ولا عملة".
  • إسماعيل العليمات أردني يعمل في مجال البناء "معظم السوريين اللي في المفرق بتشغلوا وأثّروا على شغلنا. أنا بطل يجيني شغل لأنهم مستعدين يشتغلوا بأقل إشي. إذا بدنا نعبي جرة غاز بندفع عشر دنانير، هو ممكن يشتغل طول اليوم بأربع دنانير. في منافسة كثير في مجال شغلي تحديدًا، إذا صاحب عقار بده يشطب شغله عند سوريين بفرق ثلثين سعرهم عن سعرنا. ما بتوفّي معنا".
  • أبو أنسأردني يملك سلسلة مطاعم"نادرًا ما تلاقي أردني بيقبل يشتغل في شغلتنا. إحنا الآن بنفضل العمال السوريين، مش من ناحية مصاري، بالعكس في من السوريين بياخد أجرة أحسن من الأردنيين، بس لأنه السوري عنده خبرة وبده يشتغل. العامل الأردني ما بيشتغل حتى لو أجره عالي، بده مكتب وكرسي".
  • زهير المستريحيمتقاعد عسكري أردني"المفرق الآن منطقة منكوبة. السوري يعمل في كل مجالات العمل وبسعر أقل من الاردني. أصحاب العمل صار عندهم نوع من الجشع، صاروا يشغّلوا سوريين ولما ييجوا مفتشين وزارة العمل بيخبّوهم. إذا الاردني بيعطل يوم بيقولوا له مع السلامة عشان يجيبوا بداله سوري. الأردني في هاي الحالة مستعد يسرق عشان يعيش".
  • راكان الشمريمحاسب أردني في سوق خضار"أنا من سكان عمان. الحركة جيدة وفي إقبال ع السوق. زبايننا سوريين وأردنيين وخلايجة، وفي أجانب من اللي بشتغلوا في الزعتري وفي الجمعيات في المفرق. المفرق زمان على الساعة ستة ستة ونص ما كنت تلاقي حدا، هلأ تنشطت المنطقة وصار في حركة. إحنا محلنا بفتح 24 ساعة وزبايننا متواصلين".
  • حميدة رحاللاجئة سورية من حمصأنا صار لي سنتين ونص طالعة من حمص، سكنت بالشام أول، بعدين الوضع صار ما بيطمن كمان، وولادي طلعوا فطلعت معهن. صار لي سنتين في الأردن. نحنا دخلنا نظامي بجوازات سفرنا. أنا ساكنة مع ابني ومرته وبنته وبنتي، وعندي ثلاث أولاد كل واحد متجوز وساكنين لحالهن هون، وفي إلي ابن اعزب رجع ع سوريا لعند الشباب".
  • علي اللحامخباز أردني"شغلنا تقريبًا تضاعف آخر سنتين ولساته عم يزيد. كنا نخبز في اليوم الواحد بحوالي 18 شوال، صرنا نخبز بحوالي 27 شوال. وكل شوال بيعمل تقريبا 100 رغيف طابون".
  • غانمطفل سوري لاجئ من حمص"راح يصير لي سنة هون. بروح ع المدرسة مسائي، الأردنيين بيروحوا على المدرسة من الصبح للضهر. إحنا بنروح الضهر، بس سوريين. أبي مانو هون، معتقل بحمص صارلو سنة. اعتقلوه لأنه مع الجيش الحر بيقاوم بشار الأسد. أخدوه من البيت وكنت موجود، ولاد عمي كمان معتقلين".
Judges-01 Judges-01 Judges-01 Judges-01 Judges-01 Judges-01 Judges-01 Judges-01

تفاعل معنا

comments powered by HyperComments