رواية كلمة الله، رؤية أخرى

الأحد 27 أيلول 2015

عندما أستحضر في ذهني الروايات السيئة التي قرأتها، فإن رواية «كلمة الله»، للكاتب الأردني أيمن العتوم – والذي أكن له كثيرًا من الاحترام بالمناسبة – تحتل مكانة خاصة في قائمة الروايات السيئة.

وفي هذه المادة أحاول، قدر المستطاع، تبرير وصفي لها بالسيئة، مجتهدًا قدر الإمكان في تبيان مواضع الضعف، ومواطن النقص، التي تجعل من هذه الرواية برأيي أسوأ ما كتب الدكتور أيمن العتوم على الإطلاق.

أولًا: الراوي أم الواعظ

يعرف القريبون من الأدب، ومن الرواية خصوصًا، أن صراعًا محتدما، ونقاشًا دائم الحضور، يخاض عند الحديث عن دور الرواية في المجتمع، وإذا ما كانت أداة إصلاحية، أم وسيلة للتعبير عن الأفكار وطرح الأسئلة، وعن المسافة التي ينبغي وجودها بين الأيديولوجيا والأدب.

وفي روايات الدكتور أيمن العتوم، وفي «كلمة الله» خصوصًا، يتبيّن انحياز الدكتور نحو الرأي القائل بأن الرواية أداة من أدوات إصلاح المجتمع. تبني الدكتور، فرضيًّا، لهذا الرأي، جعل من رواية «كلمة الله» خطبة جمعة طويلة جدًا، مملة للغاية، تجبر القارئ المعتاد على قراءة غيره من الروائيين على التوقف مرارًا خلال قراءة الرواية، وعلى التفكير جديّا في وضعها جانبًا من أجل الانتقال لرواية لا يشعر القارئ إزاءها أنه في حضرة خطاب لرئيس مستبد، أو لواعظ، عذب اللسان، ممتلك للغة، ولكنه أولًا وآخرًا واعظ، يشعِر المستمع له بالانزعاج للذنوب التي ارتكبها، أو لتقصيره في حق الإله.

وتبدت هذه المشكلة في أكثر من موضع، وربما أكثر مكانين ظهرت فيهما هما: النقاش الذي ذكر الكاتب أنه كان يدور حول موضوع الإلحاد، والمناظرات التي كانت تتم، والتي تذكرني بكتاب «رسالة إلى صديقي الملحد للمصري مصطفى محمود»؛ حجج باهتة، وردود كانت في معظم الأحيان سخيفة، وصورة نمطية عن الإلحاد.

أما الموضع الثاني فكان حين تحدث بطل الرواية لبطلتها عن الديانة المسيحية، إذ يسوق البطل حججًا أقل ما يمكن أن يقال بحقها هو أننا قد سمعناها عشرات المرّات حتى باتت مبتذلة غير قادرة، ولا مؤهلة، لدفع أي كان للتشكيك بالدين الذي أمضى حياته يؤمن به، فضلًا عن أن تدفعه لتغييره.

ثانيًا: الجمهور عاوز كده

يمكن، للقارئ الجيد أن يصف المواضيع التي يختارها الدكتور أيمن العتوم لرواياته بالجرأة، فتارة يتحدث عن المحظور في التاريخ الأردني الحديث، وتارة أخرى يصف البشاعة التي يعرفها المعتقلون في سجون نظام الأسد، لكن يمكن للقارئ العادي أيضًا، أن يعرف أن علاقة غير صحيّة تربط أيمن العتوم بقارئه، أو بجمهوره عمومًا. وهذه العلاقة غير السليمة تتضح لنا عند استحضار قول ريتشارد هوفستادتر: «ما يخافه المثقف أكثر من أي شيء أخر ليس الرفض والعداء اللذين تعود عليهما وأصبح يرى فيهما قدره الخاص، ولكن خسارة حالة الاغتراب. كثيرون يشعرون أن الاغتراب هو الموقف المشرف والملائم الوحيد الذي يجب عليهم اتخاذه، وما يثير خوف الكثير من المثقفين الشباب هو أن الاعتراف المتزايد بهم والاحتواء المستمر لهم واستخدامهم سيجعلهم منسجمين مع النظام القائم فلا يعود بإمكانهم أن يكونوا خلاقين ونقديين أو ناقمين حقًا».

لا يليق بالروائي، من وجهة نظري المتواضعة، أن يكون مطرب سهرة يغني ما يطلبه منه جمهوره، وفي رواية «كلمة الله»، كتَبَ أيمن العتوم، ربما من حيث لا يدري، ما يريد جمهور أيمن العتوم – الإسلامي في غالبه – أن يقرأه.

في رواية كلمة الله نقرأ قصة فتاة ولدت مسيحية، وعاشت حياتها كلها مسيحية، مع شكوك تراودها بين الحين والآخر، وفي نهاية الرواية وكما هو متوقع تسلم الفتاة، فيغضب عليها أهلها.

كيف كان الأمر ليكون لو كانت الفتاة مسلمة أصلًا، وقرّرت أن تغير دينها؟ كيف كان الكاتب ليتعامل مع حديث «من بدّل دينه فاقتلوه»؟ كيف كان جمهور الرواية سيتعامل مع هذا الحدث غير المرغوب من قبله؟

جمهور الرواية الإسلامي، كما ذكرت، من الطبيعي له أن يشعر بكثير من التعاطف مع فتاة هذه حالها، لكن كيف كان الأمر ليكون لو كانت الفتاة مسلمة أصلًا، وقرّرت أن تغير دينها؟ كيف كان الكاتب ليتعامل مع حديث «من بدّل دينه فاقتلوه»؟ كيف كان جمهور الرواية سيتعامل مع هذا الحدث غير المرغوب من قبله؟ لا شك أن التعاطف كان سيقل، إن لم أقل سيختفي، والرواية التي كانت بديعة ستصبح رواية فتنة. لكن الرواية كانت، وفي حالة السيناريو المفترض، ستدفع عددًا من القرّاء نحو مزيد من التفكير، نحو طرح أسئلة طال تأجيلها، نحو إغلاق الكتاب مرارًا، انزعاجًا أحيانًا، ومن أجل التقاط الأنفاس أحيانًا أخرى.

في رواية كلمة الله لم يضع المؤلف يده على مكمن مشكلة التعصب الديني، كما يظّن، وإنما وضع نفسه وجمهور الرواية في أكثر الأماكن أمانًا، تمامًا كذلك الشخص الذي يرى صورة الطفل السوري اللاجئ فيغضب على حاله، لكنه ينسى أنه هو نفسه يعامل اللاجئين بأسوأ طريقة ممكنة.

في رواية «كلمة الله» لم يدفع الروائي القارئ نحو طرح الأسلئة المؤجلة، ولا نحو مكاشفة الذات، وإنما دفعه نحو كثير من الاسترخاء، نحو تحقيق الرضا عن الذات، نحو التغافل عن الديدان الكامنة في الأمعاء. في هذه الرواية قد يحك القارئ عينيه، لكنه أبدًا لن يحكّ رأسه.

ثالثًا: الشخصيات مؤذية

من المزايا التي حملتها نصوص الكاتب الروسي أنطون تشيخوف، هي أنه كان وعلى رأي الكاتب الأردني محمد طمليه، يوجز الوصف قدر الإمكان، لكنه في الوقت ذاته يوصل إلى الذهن صورة أكثر من كافية عن الشخصية، فما أن يقول السمين البخيل حتى تتشكل في الذهن صورة ما لهذا البخيل السمين، وكذا الحال في نصوص محمد طمليه، إذ يكفي أن يذكر هذا الأخير شخصية «أبو العبد» ذا البيجامة المثقوبة في مكان خادش للحياء، حتى يبتسم القارئ لأنه تذكر ثلاثة أو أربعة، من محيطه، يصح له أن يصفهم بأبو العبد.
هذا الأمر، لا يحدث أبدًا في رواية «كلمة الله»، لا يحدث، معي على الأقل، أن أقرأ عن شخصية صالح فأشعر أنني عرفت مثله في الجامعة، ولا أن أقرأ عن بتول فأفكر أن هذه الفتاة قد رأيت نسخة عنها في الفيلم الفلاني.

أما الطريقة التي تتحدث بها الشخصيات فهي أكثر إيذاءً، إذ أن الشخصيات تتحدث بطريقة لا يمكن قبولها حتى من الروايات المترجمة ترجمًة رديئة، ومحاولات الكاتب لتطعيم الحوارات ببعض العامية لم تكلل بالنجاح، وبدت وسط كل هذا الكم من اللاحقيقيّة نشازًا.

أما ردود أفعال الشخصيات فهي غير منطقية أبدًا. تجن الشخصية الفلانية حينًا، وتكون في غاية العقلانية حينًا آخر، تتصرف بعض الشخصيات كروبوتات، يتصرف الفتى الذي من المفترض به أن يفتن البطلة تمامًا كما يمكن لفيلم من هوليوود أن يصوّره؛ هو شهم جدًا، مثقف للغاية، بارع اللسان، متدين، منكر للذات، مستعد دومًا للتضحية، بل حتى شكله الخارجي أكثر مثالية من أن يكون حقيقيّا؛ رشيق، سريع، وسيم.

يروى أن مارك توين، الكاتب الأميركي الشهير، قد قال: الفارق بين الحياة والأدب، هو أن على الأدب ان يكون أكثر واقعية.

وبالنسبة للعلاقة بين القارئ والشخصيات، فيمكن لي القول، أنني لم أشعر البتّة بتعاطف معها، لم أضحك مع الشخصيات حين كانت تضحك، ولا ضبطت نفسي دامع العين محزون القلب عندما كانت الشخصيات حزينة، ويطيب لي أن أظن أن سبب هذا الأمر ليس لمعاملتي النص بحياد، وإنما لأن الكاتب عجز، للأسف، عن وضعي في ذات المكان مع الشخصيات، ولم يستطع إرغامي على حب الشخصيات، على تفهم أفعالها، على وضع نفسي مكانها.

رابعًا: اللغة

يعرف محبو الدكتور أيمن العتوم ومتابعوه أنه شاعرٌ قبل أن يكون روائيًّا، الأمر الذي يعني امتلاكه للغة قوية، كما أن تخصصه في اللغة العربية قد وفّر له معجمًا واسعًا ينتقي منه المفردة التي يشاء. لكن المشكلة التي تظهر بجلاء في روايات أيمن العتوم عامّة، وفي روايته كلمة الله خاصّةً، هي الحشو، ثم الحشو، ثم الحشو.
تتكون رواية «كلمة الله» من 250 صفحة تقريبًا، لكنني أزعم هنا أنه كان بالإمكان أن تنقل للقارئ ذات الأفكار التي وردت في الرواية، بغض النظر عن الرأي بهذه الأفكار، في ستين صفحة ربما، أو أقل.

الكثير من الوصف، الكثير من الكلام الذي يمكن للقارئ القفز عنه، العديد من الأحداث التي لن يتسنى لك ككقارئ أن تعرف علاقتها بالفكرة الأصلية في النص. كما لم أستطع في العديد من المواضع إلّا أن أشعر أن الكاتب إنما استعمل اللفظة الفلانية ليستعرض عضلاته اللغوية على القارئ، خاصة مع وجود مفرادت أكثر انتشارًا وشهرة كان بالإمكان استعمالها.

خاتمة

ربما المشكلة الأكبر التي عانت منها رواية «كلمة الله» هي غياب النقد بشكل شبه تام. ولو وجد النقد فإنه سيختفي وسط مئات تعليقات المديح التي يجود بها كاتبوها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يدفع للتساؤل: لو عاد نجيب محفوظ للحياة مرّة أخرى، وروى لنا في واحدة من روائعه قصة الموت والبعث والنشور، فهل سينال ما يناله بعض الكتاب الشباب من مديح، لا يتوافق في الغالب مع عمْر تجاربهم؟