من يحكم الانترنت في الأردن؟

WarshehCensorship

(الصورة من تصميم ورشة)

بقلم ريم المصري

ظل هذا السؤال يحوم فوق رؤسنا طوال الأيام الأربعة في مؤتمر هيفوس لحوكمة الإنترنت في الوطن العربي و شمال أفريقيا في تونس. أتى المشاركون من مصر، تونس، ليبيا، العراق، الأردن، لبنان، و إيران ‪-‬ دول ترى حكوماتها تهديداً كبيراً في إنترنت حر، وفي الوقت نفسه ترى فرصة للرقابة.  بالنسبة لي، أتيت إلى المؤتمر وأنا مقتنعة بأن الحكومة الأردنية هي الحاكم الأكبر للإنترنت في الأردن (بعد مزودي الانترنت)  خصوصا بعد إقرار قانون المطبوعات والنشر الأخير الذي وسع قبضتها على المحتوى الأردني. وقد أثبتت الممارسات الحكومية في دول العالم أن الصورة الوردية للإنترنت بأنه فضاء قضى على الحدود الدولية والسياسات الجغرافية، ما هي إلا رومانسية تم إحباطها  من خلال قوانين الرقابة وممارسات الحجب المختلفة. ولكن للإجابة على سؤال “من يحكم الإنترنت؟”، لا يمكن أن نفصل الشبكة المحلية بقوانينها وبنيتها التحتية عن حوكمة الشبكة العالمية. وهنا نحاول أن نرسم الصورة الأكبر للجهات المسؤولة عن الانترنت العالمي في محاولة  لتخفيف اللغة التقنية وتقريب الصورة لمن ليس لديه خلفية تقنية.

أولها … ICANN

إن لم تكن مطلعاً أو مختصاً في مجال الاتصالات أو حوسبة الكمبيوتر فإنك على الأرجح لم تسمع بمنظمة ICANN .ICANN ‬ هي منظمة أمريكية  تتخصص في إدارة عنوانين و بروتوكولات الانترنت (IP) وأسماء النطاقات (DNS) حول العالم مثل عنوان الصفحة التي تقرأها الآن. فلا يمكن لك أو لدولتك أن تستملك عنواين على الانترنت أو نطاقات مثل (JO. مثلا) من دون موافقة من ICANN. تقوم المنظمة بحفظ قاعدة بيانات عالمية توافق بروتوكولات الانترنت مع أسماء النطاقات لكي تستطيع أجهزة الحاسوب أينما كانت أن تجد بعضها، وتقوم بذللك عبر نظم خادم الجذر أو(rootservers). فإذا أرادت جهة إصدار عنوانين على الانترنت تنتهي بنطاقات ” book.” أو music . عليها أن تأخذ موافقة هذه المنظمة،  و قد قام جدل على تخصيص مواقع البالغين (أو الإباحية) بنطاق xxx. حتى يتم التعرف عليها. ولأن ICANN هي المنظمة الوحيدة المسؤولة  عن هذه العنوانين، فهي من أهم العاملين في حوكمة الانترنت. يتم اتهامها كثيراً بأنها تتفرد بأخذ القرارات المتعلقة بالنطاقات بدون إشراك الحكومات أومنظمات المجتمع المدني. بالإضافة الى أن عشرة من ثلاث عشرة نظام خادم الجذر (Rootservers) تقع في الولايات المتحدة و بذلك تخضع إلى قوانينها وتعطيها نفوذاً تقنياً لتعطيل مواقع لدول معينة. ليس لدى المنظمة أيضاً اعتبار لحقوق خصوصية المستخدم، فتزود الحكومات بالمعلومات الشخصية عن أصحاب المواقع وأسمائهم وأرقام هواتفهم عند الطلب.

ثانيها… الاتحاد الدولي للاتصالات

من إدارة العنوانين والبروتوكولات العالمية، تأتي إدارة الحكومات لعناوين الإنترنت الخاصة بالمستخدمين الذين يقطنون داخل حدودها.  فيقوم الاتحاد الدولي للاتصالات الذي يضم في عضويته دولة بالاتفاق على البروتوكولات التقنية التي تنظم نقل الرسائل عبر شبكات الاتصال الدولية. هنا لن نستغرب بأن جميع الدول العربية، ذات العقلية الرقابية،  قامت في مؤتمر الاتحاد الدولي للاتصالات ٢٠١٢ بتوقيع معاهدة جدلية جديدة تعطي الدول المزيد من الصلاحية لإدارة جميع أسماء وأرقام وعناوين ومصادر التعريف المستخدمة في خدمات الاتصالات الدولية والخاصة. وبذلك يحق للدول فرض المزيد من القيود والتحكم على شبكة الإنترنت ضمن حدودها. أما مؤسسات المجتمع المدني، فقد تم تهميشها في هذا المؤتمر كما تجري العادة حيث آنها تحتاج الى دعوة رسمية من حكوماتهم للمشاركة في مؤتمرات الاتحاد الدولي.

ولكن في مساع لضم شركاء أكثر في النقاشات بين الحكومات العربية حول الإنترنت وفهم “خصوصيتها العربية” تم انشاء المنتدى العربي لحوكمة الانترنت في أكتوبر 2012، وهو المنبثق عن المنتدى العالمي لحوكمة الانترنت.

الإنترنت المحلي: سياسات وبنية تحتية

وهي أقرب ما يكون علينا كمستخدمين حتى نقيّم حرية الانترنت وحوكمته.  حيث أن نطاق عملنا كمجموعات تدعم إنترنت حر لا يتعدى مساءلة الحكومات على السياسات المنظمة  للإنترنت. إذ أن قلّة الموارد والمعرفة الضئيلة بالآليات تجعل حضورنا لا يذكر كمؤسسات مستقلة في مجموعات العمل المتاحة للأفراد والمنظمات في مؤتمرات ال ITU أو منظمة ICANN. وعندما نتحدِث عن حوكمة الانترنت المحلي ندخل في التشريعات المحلية ذات العلاقة، وواقع حرية التعبير بشكل عام،  والبنية التحتية للإنترنت. إذا أردنا أن نأخذ الأردن كمثال فإن قانون المطبوعات والنشر المعدل عام ٢٠١٢ شكل ضربة لحرية التعبير عن الرأي وحق الوصول إلى المعلومة المنصوص عليهما في الإعلان العام لحقوق الانسان. أما بند “حجب المواقع الإباحية” في مشروع قانون الاتصالات فهو دعوة للحكومة كي تمارس المزيد من الوصاية على محتوى الانترنت. لكننا وجدنا من خلال دراسة الوضع في دول الوطن العربي أن وجود الغطاء القانوني أو عدمه لا يعكس بالضرورة مقدار النفوذ الذي تعطيه الحكومة لذاتها في الحجب كما في مصر وعمان. وفي بنية الإنترنت التحتية في الأردن، تحكّم شركة أورانج بمحطة هاشم، البوابة الدولية الوحيدة للانترنت في الأردن، يعطيها صلاحيات واسعة للحجب والرقابة على الإنترنت، خصوصا آنها تمارس الآن حجب غير قانوني على بعض الصفحات الخارجية مثل هذه. تجدر أيضا الإشارة الى أن الحكومة الأردنية هي المسؤولة عن منح نطاق “JO.” حيث تقوم بشرائها من ICANN بثمن قد يصل الى ٢٠٠ ألف دولار وبيعها الى المواطنين الأردنيين برسوم قد تصل إلى ٣٠ دينارا سنوياً.

حاولت في هذا المقال رسم الصورة الأكبر لأهم من يحكم الإنترنت من شركات ومؤسسات دولية، وربطها بحوكمة الإنترنت محلياً، دون الدخول بالتفاصيل. سوف يتبع هذا سلسلة من المقالات التي ستتناول تحديات وتجارب الدول الأخرى ومقارنتها مع الأردن. بشكل عام خرجنا من المؤتمر ونحن أكثر يقيناً بأن الدول العربية، خصوصا تلك التي لم تصلها رياح الثورات، تسعى الآن إلى توسيع صلاحيات حكوماتها للتحكم بالانترنت خوفا من استخدامه للتنظيم السياسي. وهي على موجة مختلفة تماماً عن دول العالم التي تتنافس بقوة لجعل شبكة الانترنت جزءاً من عوامل دفع عجلة الاقتصاد وتحسين مستوى الأفراد المعيشية.