من التذمر للحلول: مصارعة أجهزة الرقابة على الإنترنت

الثلاثاء 17 كانون الأول 2013
من حساب فليكر التابع لمؤسسة هنريش بل.

“أن تغمض عينيك عن حقيقة ما لن يجعلها تختفي”، والتلكؤ عن اتخاذ خطوات لمواجهة حالة عالمية من القمع الصامت لن يؤدي سوى إلى تعزيز هذا القمع. قد تتضمن هذه الرسالة توصيفًا لحالة جماهير الإنترنت حول العالم بعد ما كشفته تسريبات إدوارد سنودن حول الرقابة الشاملة التي تمارسها وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA)، بامتعاضهم تجاه هذه الرقابة وعدم رغبتهم بمجابهتها في الوقت ذاته. الأمر نفسه قد ينطبق على الأردنيين الذين لم يستفزهم كونهم ثالث شعوب العالم خضوعًا للرقابة الأميركية بحسب البرنامج السرّي “Boundless Informant”.

هذه الفكرة كانت نقطة انطلاق للحوار الذي أجراه ناشطون وخبراء إلكترونيون وصحفيون من مختلف الدول في برلين مطلع الشهر الحالي، في مؤتمر نظمته مؤسسة هنريش بل بعنوان “ماذا حدث للخصوصية؟” لبحث قضية الخصوصية الرقمية والرقابة على الإنترنت على ضوء الحقائق المستجدة، ونقل النقاش حولها من دائرة الاحتجاج إلى تشكيل المطالب السياسية وخلق الحلول والبدائل.

 إذا اكتشفت أن جارك يفتح صندوق بريدك باستمرار ستتصل بالشرطة. لن تسمح لأي شخص بالدخول إلى منزلك ليسترق النظر إلى صور العائلة، لكن حين تعلم بأن معلوماتك يتم يتلاعب بها على الإنترنت تنكفئ وتستمر باللعب بتطبيقاتك وكأن لا بديل لديك

المفارقة بين تجاهل مستخدمي الإنترنت حول العالم لاختراقات حقوقهم الرقمية وجديتهم في التعامل مع اختراقات مشابهة في الحياة الواقعية كانت محل نقاش بين المشاركين. “إذا اكتشفت أن جارك يفتح صندوق بريدك باستمرار ستتصل بالشرطة. لن تسمح لأي شخص بالدخول إلى منزلك ليسترق النظر إلى صور العائلة، لكن حين تعلم بأن معلوماتك يتم يتلاعب بها على الإنترنت تنكفئ وتستمر باللعب بتطبيقاتك وكأن لا بديل لديك”. بهذه بالبلاغة عبرت بريا باسيل الكاتبة في صحيفة الغارديان عن استسلام المستخدمين وتسليمهم السلطة لكائن كلي القدرة هو خليط من الشركات والأجهزة الحكومية.

فالتطبيقات والبرامج المختلفة سهّلت مراقبتنا وملاحقتنا في كل مكان. حتى خلال النوم، أحد أكثر أنشطتنا خصوصية، تقول باسيل، نجحت الشركات في بيعنا تطبيقًا مثل “Sleepcycle”، يتابع أنماط النوم ويسجل كل ما يقوله النائم ويقيس حتى مستويات شخيره. هذه المعلومات تنقل لشركات أخرى لتصبح استراتيجيات تسويق لبيع منتجات تساعد على تحسين نوعية النوم. “ومن يدري؟ قد تستعمل المعلومات حول أرقك لاحقًا لأغراض أخرى، كالتأثير على احتمالات توظيفك أو تأمينك الصحي. لأن المعلومات لا تختفي. الإنترنت وحواسيبه الخادمة لا تنسى”. ومع التضخم المستمر لهذا العقل الإلكتروني والتطورات المتلاحقة في قدراته، فإن هذا بالضبط ما يجعل المجازفة بإهمال الخصوصية الرقمية أخطر من أي وقت مضى.

استعادة العالم لحقوقه الرقمية التي اختطفتها وكالات الأمن السرية هو ما حاول المشاركون في برلين خلق سبل له، لتتبلور خلال النقاش مداخل مختلفة قد توفر حلولًا أو بدائل تحمي المستخدمين من تغول الدول وانتقاصها حقوقهم: تقنية، بنيوية، سياسية/قانونية أو اقتصادية.

عرقلة الرقابة ما أمكن

الحل التقني المتاح وشبه الوحيد في مواجهة الرقابة، بحسب الباحث في الأمن الإلكتروني الأمريكي جايكوب آبلبوم، هو ترميز الرسائل والمحادثات واستخدام المتصفحات الآمنة لحماية المعلومات، وبرامج مفتوحة المصدر ما أمكن (أي يمكن الاطلاع على الكود المبرمج لها). هذه الوسائل تجعل معظم مراسلاتك على الإنترنت مرمّزة في محتواها ولا يمكن كشفها أو إخضاعها للتحليل إلا من قبل أطراف المراسلة، لكن المعلومات المتعلقة بهذا المحتوى من جهة الإرسال والاستقبال وتوقيت الرسالة (المعروفة بالـ metadata) تظل مكشوفة للرقابة مهما فعلت.

ووسط سيطرة شبه تامة لرقابة الأجهزة الأمريكية في داخل الولايات المتحدة وسيطرة واسعة خارجها، قد يؤدي استخدام الترميز إلى إبراز المستخدم كنقطة سوداء على خريطة الرقابة لأن الأجهزة لا تستطيع الحصول على بياناته دونًا عن غيره.، ما سيكشف استخدامه للترميز ويجعله محل ريبة وربما رقابة أكثر. لكنه على الأقل سيسبب تشويشًا ولو مؤقتاً لعمل أجهزة الرقابة ويمنعها من إجراء تحليلاتها على هذه البيانات دون فك الترميز، وهو ما زالت غير قادرة عليه حسب وثائق سنودن. هذا السبيل، بحسب آبلبوم، هو ما سينقلنا من حالة الاحتجاج للمقاومة لخلق البدائل.

من جهة أخرى، يشير آبلبوم بحذر إلى إمكانية اعتماد سياسة مزيد من التسريبات على طريقة سنودن أو بطرق أخرى كسبيل لفضح الرقابة أولًا ثم لمعرفة آليات عملها ثانيًا، ما سيرفع فرص إيجاد حلول سياسية وتشريعية وتقنية لها. “خبر كون جميع من في هذه الغرفة مراقبون من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية لم يغير النقاش حول الرقابة. ما غيره هو أن آنجيلا ميركل كانت مراقبة، هذا ما شكّل الفارق”، يقول آبلبوم في برلين، مشيرًا إلى القوة الإعلامية في تسريب وثائق حول الرقابة على أشخاص بارزين بعينهم.

هذه التسريبات قد تنهي حصانة قادة وكالة الأمن القومي الأمريكية المسؤولين عن برامج الرقابة، بحسب آبلبوم، لأن الطبقة السياسية في الولايات المتحدة تحتاج للتضحية بأحدهم في كل عاصفة إعلامية، والعاصفة الحالية تحديدًا أشبه بتشرنوبل رقمي، على حد تعبيره.

البديل بحسب فايسباند هو شكل جديد للإنترنت، لا تعود فيه البنية التحتية للشبكة الضخمة مرّكزة في الولايات المتحدة، ولا تكون تحت سيطرة جهة حكومية ما.

طرح تقني آخر برز في المؤتمر يقول بأنه من الممكن خلق طفرة في الحركة التي تلتقطها أجهزة الرقابة تؤدي إلى شلّها، وذلك عبر إرسال موجة من الرسائل المتكررة بالبريد الإلكتروني تحوي أكبر قدر ممكن من الكلمات المفتاحية التي تجعل أجهزة الرقابة تشخص الرسالة على أنها خطيرة وبالتالي تحتفظ بها وتجري رقابة أشد على مرسلها ومستقبلها. بذلك ترتفع بشكل سريع كمية البيانات التي تخزّن في تلك الأجهزة ويصبح لديها عبء أكثر لتحليله ومتابعته ما قد يؤدي إلى تأخير النظام أو تعطيله.

إلا أن ذلك بحسب آبلبوم ببساطة لا يجدي، لأن “إضافة نفسك إلى مجموعة من الأشخاص المراقبين لا تحل مشكلة الرقابة ولا تجعلها أقل فعالية”. فأجهزة الرقابة التي تستخدمها وكالة الأمن القومي الأمريكية تجدد قواعد بياناتها باستمرار وبشكل ذاتي، بحيث يمكنها في وقت قصير التقاط محاولات خلق طفرة في الحركة، ولن يؤدي ذلك سوى إلى تصنيف صاحب هذه المحاولات كخطر محتمل وفرض مزيد من الرقابة عليه. أكثر من ذلك فإن اعتماد هذا الأسلوب سيوفر معلومات أكثر لأجهزة الرقابة ما سيحسن تحليلاتها والخوارزميات التي تعمل وفقها.

إنترنت بيد الناس

في مقابل هذه المقاربة التقنية التي رأتها غير مجدية، دافعت السياسية الألمانية مارينا فايسباند عن حل أكثر جذرية. “مواجهة الرقابة على الإنترنت بحماية المعلومات أمر غير واقعي. سيحاولون التجسس علينا، فنرمّز معلوماتنا، ثم يتحسنون فنتحسن كذلك. إنها حرب لا تنتهي ولا أعتقد أن بإمكاننا الفوز بها”. البديل بحسب فايسباند هو شكل جديد للإنترنت، لا تعود فيه البنية التحتية للشبكة الضخمة مرّكزة في الولايات المتحدة، ولا تكون تحت سيطرة جهة حكومية ما.

بشكل أكثر تفصيلًا، يعني ذلك أن تنظّم البنية التحتية اللامركزية للإنترنت من أسفل إلى أعلى بطريقة الشبكات القاعدية المتداخلة (Mesh Networks) التي لا تقتصر وظيفة كل نقطة فيها على استقبال وبث البيانات الخاصة بها، بل تعمل فيها كل نقطة على ترحيل البيانات إلى نقطة أخرى. كل نقطة هنا هي حاسوب خاص بمستخدم ما، ما يعني أن امتلاك حاسوب وخطوط الإنترنت الواصلة من وإليه يعني امتلاك جزء من البنية التحتية للإنترنت. نشر هذا النمط بحسب فايسباند (التي تنفي عنه نفسها أي صفة اشتراكية) يعني جعل الشبكة ملكًا للناس. “إذا امتلك كل شخص الجزء الخاص به من الإنترنت فلن يكون هناك حاجة لخط مركزي أو حاسوب خادم واحد تمر به كل البيانات”، وهو ما يعني جعل مهمة الرقابة الشاملة التي تقوم بها وكالات الأمن السرية شبه مستحيلة.

الأمم المتحدة هي المكان المناسب لخطوة كهذه، عبر تقديم اتفاقية دولية للحقوق الرقمية، تقونَن في البرلمانات المحلية لحماية الأفراد من تغول الشركات وتعدي الدول

إلا أن هذا النمط حظي بتجربة فاشلة، بحسب الصحفي الألماني كليمنس مييرو. فموقع التواصل الاجتماعي “دياسبورا” حاول طرح بديل لفيسبوك من خلال تكوين شبكة آمنة لامركزية موزَّعة جغرافيًا ومملوكة من قبل أفرادها. لكن هذا الموقع أظهر أن المقاربة برمتها غير مجدية، لأنه حين لا يخزن الموقع معلوماتنا ويرتب المنشورات على صفحته الأساسية بما يوافقنا ويقترح علينا إضافة أصدقاء يرجح أن نعرفهم فإن استخدامه يصبح صعبًا ويستهلك الكثير من الوقت بل قد يكون مكلفًا ماديًا، وهذا ما يجعل رغبة أي مستخدم في الانحياز له ضئيلًا.

إعلان عالمي لحقوق المستخدمين

فكرة لامركزَة الإنترنت بدت مثالية ونبيلة لكن غير واقعية، بالنسبة لبريا باسيل. “علينا أن نستخدم ما هو موجود لدينا وأن نقويه”، تقول باسيل، في دعوة للعودة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجعل تطبيقه افتراضيًا بنفس ضرورة تطبيقه على الواقع. هذه النقلة لا يمكن إجراؤها سوى عبر وسائل سياسية وتشريعية، وبحسب باسيل، فأن الأمم المتحدة هي المكان المناسب لخطوة كهذه، عبر تقديم اتفاقية دولية للحقوق الرقمية، تقونَن في البرلمانات المحلية لحماية الأفراد من تغول الشركات وتعدي الدول.

السؤال الأساسي لقضية بهذا الحجم يجب أن يطرح، بحسب باسيل، على مستوى عام. “يجب أن نسأل كمجتمعات ما هي القوانين التي تحكم بياناتنا”، وعلى هذه القوانين أن تكون واضحة ومفصّلة بحيث لا تستطيع الشركات أو الحكومات التعذر بأنها لم تخرقها. “عندها يصبح السؤال حول ما نختار مشاركته ونشره أقل تهديدًا لأنه سيكون واضحًا للجهات التي تمر بها هذه البيانات ما إذا كان بإمكانها استخدامها أم لا وبأي طريقة”. أما على المستوى الفردي، فما يجب أن نسأله لأنفسنا في رأي باسيل هو ما إذا كنا نريد الاستمرار بكشف أنفسنا على الإنترنت.

وفي موازاة هذه الاتفاقية الحقوقية الدولية، تقترح باسيل خلق أنماط اقتصادية منظمة ومقوننة تسمح للإنترنت بأن يعمل بشكل مختلف. فرغم أن أحد أهم حوافز الدفاع عن الخصوصية الرقمية هو حق الناس في اختيار نشر معلوماتها أم لا، إلا أننا فعليًا في الوضع الحالي نختار كشف أنفسنا حين نوافق على شروط استخدام حساب في شركة نعلم أنها متعاونة مع وكالة الأمن القومي، لأننا نريد هذه الخدمات مجانًا.

قد يكون البديل عن هذه الخدمات المجانية هو أخرى مدفوعة. قد يكون ذلك هو ثمن الخصوصية. “وقد يجب أن ننتظر رياديًا اقتصاديًا يقدم شبكة تواصل اجتماعي آمنة ومغرية بحيث تقنع الناس بدفع ثمنها والاشتراك بها حتى نستطيع التخلي عن فيسبوك مثلًا”. تقبل باسيل هذه الاحتمالية غير المحببة، لكنها في المقابل ترفض أن تُخاطب شركات الاتصالات المختلفة بمنطقها هي، بحيث يُضغط عليها بالقول إن المستخدمين سيكفون عن شراء منتجاتكم إذا لم تكن آمنة أو أن توفير الخصوصية في المنتجات سيجلب زبائن أكثر. “هذا النقاش يجب أن يكون نقاشًا أخلاقيًا بالدرجة الأولى قبل أن يكون اقتصاديًا”.