البحث عن الذات والمكان في “البوابة التاسعة” – حوار مع فادي طفيلي

الأحد 30 آذار 2014

*تم التقاط الصور في مكان: مساحة فنية ضمن معرض”البوابة التاسعة من برنامج ArtTerritories.

فادي طفيلي يتحدّث عن رغبة فريقه التحريري ب”إحياء الكتب والمنشورات”، تحديداً “عادة القراءة المتوّفرة”، من خلال “البوابة التاسعة” وهي مجلّة ثقافة مدينيّة تصدر من بيروت مرتين في السنة باللغتين العربية والانجليزية، تطمح إلى تحريك “المشاعر الانسانية التي لها علاقة في المكان”.

تسنى لي أن أتحاورمع طفيلي، وهو مؤسِّس ورئيس تحرير المجلّة، عند زيارته لعمّان في مكان: مساحة للفنون،  كجزء من فعاليات ArtTerritories هناك. تحدّثنا تحديداً عن العدد الثالث من “البوابة التاسعة” بعنوان “سرد: كتابات عربيّة وروسيّة معاصرة”، والذي يختبر النمط السردي القصصي، فنجد في هذا العدد ثلاث قصص قصيرة ورواية وعملاً يمزج ما بين الفنّ المرئي والكتابي بعنوان “محاولة سطو في المنطقة أ”. الأعمال السردية متوفرّة باللغتين العربية والإنجليزية، واثنان من هذه الأعمال مترجمة من الروسية.

تحدّثنا أنا وطفيلي عن آليات الكتابة الإبداعية، من زوايا الترجمة واللغات والسياقات الثقافية المرتبطة بالهوية والمكان، وعن أسلوب عمل فريقه الفني والتحريري بانتقاء المواد للنشر.

سوار مسنّات: فكرة الترجمة من الروسية للانجليزية والعربية مثيرة للاهتمام. لقد ذكرت سابقاً أنك مهتم ب “الحساسيّات التي لا تُقصِر استعراضها عند القشرة الخارجيّة ويستهويها البقاء هناك، بل تبدأ بالحفر في كلّ شيء، بدءًا من الذات والآخر” فهل هذه الفكرة تتمثّل أيضاً بوجود شبح السرد غير المتوفّر للقرّاء باللغة الروسيّة؟ هل التفاعل بين الذات والآخر يتمثّل أيضاً من خلال خصوصيات الهويّة والمكان المرتبطة باللغة؟

فادي طفيلي: أكيد. في هذا العدد الفكرة هي محور الكتابة الإبداعية، الذات والآخر. كل أدب يدور حول هذه الحوارية بين الإنسان والآخرين، لأن الكتابة فعل فردي، ذاتيّ، وشخصيّ، تكون محمّلة بخصوصية الكاتب. هذه الخصوصية تحاول أن تتفاعل مع الآخرين من خلال استحضارهم في النّص، ومواجهتهم، ومن خلال وضعها في سياق نصوص أخرى. فهذا المجال، مجال الكتابة الإبداعية، عناصره مؤلفة من الذات (الكاتب)، وتفاعل المؤلف مع الآخرين ضمن نصّه،  وضمن النصوص الأخرى “القاعدة” معه. هذه هي فكرة العدد، أن نضع مجموعة من الكتابات الإبداعية مع بعضها فتلتقي ذاتياتها أو ذواتها في “محلاّت” جوهرية.

Portal9ExhibitMakan1

NUMEROLOGY: European Exclaves in the Maghreb: Ceuta and Melilla | “من العدد الثاني بعنوان “الساحة

سوار مسنّات: كيف اخترتم المواد لهذا العدد؟

فادي طفيلي: عملنا كفريق، كل محرر بحث عن أعمال مناسبة لفكرة العدد، فجمعنا مواد من كتّاب وأقمنا ورشة عمل استعرضنا فيها كل شيء جمعناه، قرأنا أعمال ونماذج كتابية من مسودّات قدّمها لنا كتّاب ومقترحات عرضها علينا كتّاب آخرين. واخترنا من هذه المجموعة ما نجد أنه يصنع جواً متماسكاً. عندما تقرأين هذا العدد قد تشعرين أن كل هذه الأعمال الأدبية هي أعمال “تبحث عن شيء”. أبطال هذه القصص يبحثون عن شيء ضائع، واحد يفتّش عن مكانه، مكان ليعيش فيه، وآخر يفتّش عن حبه الذي ضاع، وواحد يبحث عن مدينته (القاهرة)، وآخر عن حلمه (الكتابة)، ولهذا أدرجنا كلمة pursuits في اللغة الإنجليزية في عنوان العدد. اخترنا هذه القصص وهذه الرواية والمرويّة الفوتوغرافية بسبب الرابط الذي يجمعهن، والذي يجمع ذاتيّة كل واحدة منهن، فهذه الأعمال في النهاية تلتقي في مكان ما هو “البحث”. نحن أيضاً في البوابة التّاسعة نفتّش عن مدينتنا، المدينة التي تجمعنا، ونحن ننبش بأغراضها، وهكذا ما نجده نستعرضه، وننقده، وهكذا في “بحث”، كشخص ينحت ذاته.

سوار مسنّات: شيء آخر من الممكن أن يكون مشتركاً ولكن متخصصاً بنفس الوقت (في اعتقادي) بين الأبطال هو نطاق أو مدى التشابه والاختلاف من حيث نظرة البطل إلى الآخر الموجود في القصّة، وكيف تم تحديد الذات وعلاقتها مع الآخر. فهناك تعقيد مثمر من هذه الناحية. في قصة “المَخرج” يتمثّل ذلك بنظرة البطل إلى السيّاح و”تحليله” لشخصيّاتهم المتعددة (فهناك تعدد من “الآخر”)، أو مثلاً في “مساعد ستيفن سيغال” ونظرة بطل تلك القصّة لذاته ولوضعه الاجتماعي والاقتصادي واختلافه عن والده. كل هذه النطاقات المتعددة تتداخل مع المحيط (وهوالمدينة أوالمدن). هل كنتم تبحثون عن التعددية والتعقيد في طرح “الهوية” وارتباطها بالمكان في هذا العدد؟

فادي طفيلي: تماماً.  لأننا مجلّة عن “المدينة” وهذا النوع من المشاعر الإنسانية التي لها علاقة بالمكان تهمّنا كثيراً، فالحساسية تجاه الأمكنة والتفاعل بين الأفراد والأمكنة التي يعيشون فيها والتي تضمّهم وتضمّ غيرهم يهمّنا أن “نلتقطها” ونقدّمها. فنحن نفتّش عمّن يكتبون وهم غارقون في ذاتهم وفي مكانهم. لا يوجد انفصال، بل تماهي بين ما هم وأين هم. هذا ما يقدّم هويّة متينة، فهذه الذات على هذه الأرض وليست منفصلةً عنها، ليست طائرة أو فضائية، اللغة التي لها علاقة بالمكان يكون لديها جذور وتكون مبنيّة على قاعدة. تكون لغة فيها “عصب”، وهذا ما نبحث عنه: لغة “عصب” لغة “مشدودة”، فلهذه اللغة جذور، والجذور في كل شيء: في التراب والحجار والعوامل الطبيعية.

مثلاً، حسن داوود الذي اخترناه ليكتب رواية للعدد الثالث، لديه تجربة كتابية خلال الحرب اللبنانية، تحديداً خلال أسوأ مراحلها (82\83)، مع رواية ” بناية ماتيلد”. في ذلك الوقت لم يكن الناس والكتّاب يتحدّثون عن شيء سوى الحرب، و قد نسوا حياتهم، فلا أحد يذكر بيروت دون أن يذكر الحرب كما لو أنها لا تحتوي أناساً يعيشون فيها إلا محاربين، بالرغم من أن هذا خاطئ. كان هناك أشخاص حياتهم مستمرّة، يأكلون ويشربون ويحسّون ويتفاعلون. في تلك اللحظة كتب داوود رواية عن بشر يسكنون في مبنىً،  وجعل من الحرب الخلفيّة البعيدة للرواية. برأيي الشخصي هذه الرواية قدّمت للأدب اللبناني على الأقل شيء اسمه “أدب المكان”. العمل مع حسن جاء بعد حوار طويل، بسبب النزعة التفصيلية في أدبه، وقد تحمّسنا للعمل معه، وكتب الرواية بسرعة قياسية، وكنّا نترجم الرواية خلال كتابته لها…

Portal9ExhibitMakan2

سوار مسنّات: من منطلق اهتمامك بأدب المكان، هل “محاولة سطو في المنطقة أ” مركّبة بطريقة مشابهة لما وصفت الآن عن “عمارة ماتيلد”؟ ربما استحالة الهروب من الكتابة السياسية أو تلك التي تتعامل مع واقعنا السياسي تفرض نفسها في التفاعل بين النص والصورة، فيضعها الكاتب في الخلفية بدلاً من الواجهة.

فادي طفيلي: الذي أعجبنا في  “محاولة سطو في المنطقة أ” هو حقيقة الاستخفاف والتّهكم وحس الملاعبة. اللعب مع الواقع، الخريطة العبثية السيريالية، أعجبنا كثيراً بالنزعة التي تتعاطى مع الواقع بشيء من المرارة ولكن بنفس الوقت مع خفّة. هناك لعب، هناك محاولة تركيب سيناريو بوليسي لا ينتهي.أعجبنا جداً بهذا النهج في التعامل مع الوقائع الثقيلة (وبرأيي نقل ثقلها فقط لم يعد مفيداً لأننا نعرف هذه الوقائع ونعيشها) فيخرج القارئ من المرويّة الفوتوغرافية وهو يفكّر باحتمالاتها، يلعب فيها ومعها، ويدخل خلالها تجربة خيالية عابثة يسائلها، يقرؤها في سياق ويركّبه.

سوار مسنّات: هل من الممكن أن تعطينا نظرة خاطفة عن العدد القادم من “البوّابة التّاسعة”؟

فادي طفيلي: سيكون العدد تحت ثيمة “الغابة” وسيضم كتابات من خريطة واسعة: من الأمازون مروراً بشمال ووسط أفريقيا وحتى الشرق الأوسط ووصولاً إلى الشرق الأقصى. فكرة الغابة بالنسبة لنا كمجلّة مدينيّة هي الغابة بسياق إعادة المدينة إلى أسسها وأصولها وقراءتها نحو البحث عن المدينة وإعادتها إلى مظاهرها الأولى. وعند وخلال العودة إلى مظاهرها الأولى تفهمينها أكثر من خلال وضعها في مراحل تركيبية بدائية، فيها نوع من إعادة التنظيم لفكرتنا عن المدينة… هناك لحظات قويّة بعودتها التاريخية وبالبناء على التاريخ البيئي الذي هو مهد التاريخ السياسي والاجتماعي. إذاً نعم، ستتضمن مراجعات تاريخية عن المدينة والبيئة والحدود والأطراف، والمقالات من باحثين وأكاديميين ومؤرّخين بيئيين من أدباء وفنانين ومصوّرين.

Portal9ExhibitMakan3

“عمائر المساحات”  تصوير زيا جافيتش | من العدد الثاني بعنوان “الساحة”

شكر خاص لموسى شقيري لمساعدته في الإعداد.