نظرات هدّامة: آنسات أفينيون لبابلو بيكاسو

نظرات هدّامة: آنسات أفينيون لبابلو بيكاسو

الإثنين 05 آب 2019

«في عالمٍ محكومٍ بالاختلال الجنسي، تم تقسيم متعة النظر ما بين ذكر/فاعل وأنثى/مستسلمة. تُسلِّط النَّظرة الذُّكورية المُحدِّدَة نَزوتها على الشكل الأنثوي المُصَمَّم وفقًا لذلك. النساء يُعرَضْنَ ويُنظَرُ إليهِنَّ -في الآن ذاته- كجزء من وظيفتهن التقليدية الافتضاحية، حيث تُرَمَّزُ هيئاتهن لتعطي أثَرًَا بَصَرِيًَّا وإيروتيكيًا قَوِيًَّا ليُقال أنَّ ذَلِكَ يُشِيرُ ضمنًَا إلى ظهوُرِيَّتهنَّ كَفُرجَة».
لورا مُلفِي، متع بصريّة ومتع أخرى

«ما الوجه فعلًا؟ هل هو صورته؟ أم الماكياج؟ أم هل هو الوجه الذي رَسَمَهُ هذا الفنّان أمْ تلك الفنّانة؟ هل هو ما يَظهر أمامنا؟ أم هو ما في الداخل؟ أم الخَلف؟ ماذا عن باقي الاعتبارات؟ ألا يَرى الجميعُ أنْفُسَهُم بِطريقتهم الخاصّة؟ ببساطة، لا يوجد شيء اسمه تشوهات».
بابلو بيكاسو

في عام 1900، سافر المراهق بابلو بيكاسو من إسبانيا إلى فرنسا. هناك في باريس، اكتشف الحياة البوهيمية، وعاش في فقر مُدقع مع صديقه الشّاعر والفنّان الفرنسي ماكس جاكوب. كانت البيئة البوهيمية تختلف تمامًا عن البيئة البرجوازية التي عاشها في مدينة مالقة في إسبانيا. ولحُسن حظ بيكاسو، لم يكن من الضروري أن يولد المرء لطبقة اجتماعية مُعيّنة شرطًا ليصير بوهيميًّا، بل كان شرطها التكيُّف. تكيّف بيكاسو مع الحياة الجديدة، وشكّلت له نقطة تحوّل معيشيٍّ وفكريٍّ وفنّي. بالنسبة للبوهيميين آنذاك، تلك الطبقة الاجتماعية الغريبة، كانت باريس هي المَلاذ؛ «وليمة مُتنقلة» كما وصفها الروائي الأميركي إرنست همنغواي، الذي عاصر بيكاسو هناك لاحقًا مع ماتيس وجوزفين بيكر وجيمس جويس والعشرات غيرهم[1]. عاش البوهيميون هناك على هامش الحياة البرجوازية التي رفضوا آدابها الباردة، و سكنوا الغرف الرخيصة و ارتادوا الملاهي والمقاهي والحانات والصّالونات الأدبية وبيوت الدعارة.

بطبيعة الحال، أثّّر الجو الجديد على فن بيكاسو. كانت أعماله الأولى ملتزمة بالمعايير الواقعية الأكاديمية، وخاضَ بعدها مرحلة رمزية قصيرة قبل أن يدخل الحداثية مع تأثُّره بأعمال فنانين مثل إل غريكو ومونك. مع اختبار الفقر في باريس وانتحار صديقه الفنّان والشاعر كارلوس كاساجيماس، بدأت مرحلة بيكاسو الزَّرقاء (1901-1904) التي شابتها تدرُّجات الأزرق ومواضيع تعكس أحزانه الشخصيَّة، وتَبِعتها المرحلة الوردية (1904-1908) الأكثر إشراقًا بتدرّجات الأحمر والزّهري وتدرجات البُنِّي الترابية. صَوَّرت مُعظم لوحاته في الحقبتين شُخوصَ المُدنِ الهامشية: دَجّالون ومُهرّجون ومُوِمسات ولُصوص ولاعبي سيرك وفقراء وشَحّاذون. لم تكن لوحاته سياسية أبدًا، إلاّ أنّها كانت عاطفية ومباشرة.

بحلول القرن العشرين، أثّرت آخر التطورات الصناعية والتكنولوجيا على الفلسفة والسياسة، وبدأ يسري شعور بين النخب الفكرية والفنيّة الأوروبية بضرورة تجاوز كل ما هو تقليدي في الشَّكْل لكي يتمكّن الأدب والفنّ من مواكبة حداثة العصر وما تقوم بتوليده من أفكار. كان رفضُ السُّلطة والمؤسسات السياسية والاجتماعية الرسمية -وبالتالي الثقافة السائدة- سِمَة بوهيمية، وانعكس ذلك أيضًا على الكِتابة والشِّعر، وبدأت تنشط محاولات خلق أعمال أدبية طليعية تستغلُّ الإمكانيّات التِّكنولوجية الجَديدة لتُمثِّل قيمهم الرّافضة.

بطبيعة الحال، انعكس هذا على الفنّ الذي كان لا يزال حبيس المؤسسة الأكاديمية وقواعِدها الصّارمة في الجمال والمنظور، فكان الحلّ الواضح هو الخروج على هذه القواعد التي كانت تعتبر الجمال مِعيارًا واقعيًا ومِثاليًا. وَجدت المدرسة التعبيرية مع فنانين مثل كلود مونيه أسلوبًا جديدًا بالاعتماد على ضربات فراشي الرّسم الصغيرة والتركيز على الإضاءة والزوايا غير التقليدية للمنظور، لكنَّ هذا لم يكن كافيًا كخروج كلّي، ومع الوقت، لم يعد لدى التعبيرية أيَّ جديد لتقدّمه أيضًا.

من ناحيته، دخل بيكاسو في صراع طويل مع نفسه وفنّه. كان يطمح إلى إنتاج فني جديد يغيّر مسار الفن الحديث، فصمَّم على تجاوز حدود قدراته الشخصية، وأدرك أنه لكي يعثر على تعابير فنية جديدة توائم العصر فعليه ألا يستسلم للإفراط العاطفي في لوحاته.

من ناحية أخرى، كان هناك تنافس مُستعرّ بين بيكاسو وهنري ماتيس. اعتبر بيكاسو -الذي كان لا يُقيم اعتبارًا لأحد- أن ماتيس هو منافسه الأول والوحيد: «لم يسبق لأحد أن نظر إلى لوحة لماتيس بعناية أشد مني، ولم ينظر أحد إلى لوحاتي بعناية أشد مما فعل هو».[2] عزّز هذا التنافس تبنّي جيرترود شتاين[3] لبيكاسو، ووَضعه في منافسة مباشرة مع ماتيس الذي سبقه في تلك الدّائرة. كان ماتيس وأندريه ديران وجماعتهم في المدرسة الوحشية قد سبقوا بيكاسو في إيجاد مخرج من السجن الأكاديمي، فاستخدموا ألوان صارخة وأظهروا ضربات فراشي الرسم بشكل واضح على اللوحة للتلاعب في المنظور، وعِوضًا عن تصوير ما تراه العين مُباشرة، كانت اللوحات تُصِّور واقعًا مُلونًا وصارِخًا ولعُوبًا بدلًا من تصويره بشكل طبيعي كما تراه العين. لكن هذا لم يكن كافيًا أيضًا.

رَفض بيكاسو رَفْع الجمال إلى مرتبة مِثالية وتقييمه وفق معايير موضوعة، وعِوضًا عن ذلك، فَضَّل معايير حواسِّه وغرائزه ومعتقداته الشَّخصية النَّابعة من الحُرِّية الدَّاخلية التي يحملها كفنّان. بالنسبة له، عنى إخضاع الجمال لمعايير رسمية أن عمليات النظر والحُكم هي عمليّات مقوّضة ومحكومة، أي أن تلك المعايير تصادر الواقع وتقلّصه إلى موقف رسمي لا يحتمل إلا ردودًا ثنائية من نوع جميل أو بشع.

في عام 1906، رسم بيكاسو بورتريه جيرترود شتاين. كان قد أُعجب هو مُبكرًا بشخصية شتاين الهائلة وأصبحا أصدقاء، إلا أن عملية رسمها لم تكن سهلة أبدًا. جلست شتاين أمام بيكاسو أكثر من ثمانين مرة حتى قال أنه لم يعد بإمكانه رؤية وجهها. ازداد ثِقلُ حُضور شتاين أمامه أكثر فأكثر، وأرهق غرورها ذكوريّته إلى أن استصعب إنهاء الرّسم. وعندما شارف على الانتهاء، مسح بيكاسو وجه جيرترود من اللوحة وسافر إلى إسبانيا. عندما عاد بعد أشهر، أكمل رسم الوجه من الذّاكرة، وكانت النتيجة مُفاجِئة.

في البورتريه، يملأ اللوحة جسدٌ أنثوي طاغِ الحُضور. الشعر متناسق، واليدان بالكاد مستريحة على الركبتين. الأذن غير مُكتملة وكأنها مغطّاة، ولا ينم الوجه عن أي تعابير. الجوّ بني ورمادي وأحمر. لكن العينان غير طبيعيتان؛ أنهتهما ضربة فرشاة سميكة لتعطيهم هيئة سيراميكيّة. العين اليمنى أكبر من اليسرى قليلًا، والاثنتان تحدقان في نقطة غير مرئية. كره الجميع تقريبًا البورتريه بحجة أنه لا يشبه جيرترود، إلا هي التي علّقت بأن هذه هي «أنا» الوحيدة،[4] أما بيكاسو، فعلّق أنَّ جيرترود ستُشبه صورتها في البورتريه في نهاية المطاف.[5]

بورتريه جيرترود شتاين، لبابلو بيكاسو، المصدر ويكيبيديا.

كان بورتريه شتاين بداية شيء بدأت ملامحه تظهر في لوحته آنسات أفينيون (1907)، قبل أن يأخذ بيكاسو مع جورج براك لاحقًا منحى أكثر ثورية مع المدرسة التكعيبية عام 1908. رأى بيكاسو أن في أعماله في الفترات الزرقاء والوردية -قبل بورتريه شتاين- وفي أعمال الفنّانين الآخرين كذلك، فَصْلٌ بين الشَّكل والمُحتوى، وبالتّالي رَفضَها كأعمال عاطفية. كان هذا الفصل هو «العيب القاتل» في الفن الأكاديمي الذي اعتبر موضوع الّلوحة هو الأهم، إذ كانت أساليب التَّصوير تُحسب إلى الحد الذي تُساعد فيه على سرد قصة. مع بورتريه شتاين، تغيّر ذلك كلّه. بدأ بيكاسو يدرك أن الأمر الأكثر منطقية هو نقل المضمون عبر الشكل؛ أي لا ينبغي أن تكون اللوحة عاطفية، لكن في الوقت نفسه، عليها أن تظل مُرتبطة ببعض تصوُّراتنا العاطفية. وبخلاف ذلك، ليس لِلَّوحة أي مَعنى على الإطلاق. بطريقة ما، يمكن أن يَقومَ الشَّكْل بحَمل المعنى.[6]

تُصوِّر لوحة آنسات أفينون خمس مومسات بأجساد عارية، لكنّ الوجوه غريبة: نرى الأعين غير الطبيعية وغير المتناسقة كالتي رسمها بيكاسو على وجه جيرترود شتاين. وجهان من الوجوه الخمسة أقرب إلى قناع إفريقي منه إلى وجه إنساني. الأجساد لا معالم لها، الأثداء غير واضحة بل هندسية، والأيدي والأرجل غريبة ومتداخلة مع الخلفية. المكان غير واضح لكن وضعية الأجساد تدل على بيت دعارة، بخلفية من الأزرق والأبيض والأحمر الضّارب إلى البنّي.

عمل بيكاسو على اللوحة بسريّة في مرسمه في حي مونمارتر في باريس. وعندما شارف على الانتهاء، سمح لبعض أصدقائه المقرّبين بإلقاء نظرة. صُدِم معظم أصدقاء بيكاسو وأقرانه باللوحة، بما في ذلك ماتيس نفسه، الذي ظن أن بيكاسو يمزح. عندما رأى جورج براك اللوحة للمرة الأولى، استغرب هو أيضًا، وعلّّق قائلًا «كما لو أن بيكاسو فرض علينا استبدال طعامنا المعتاد بالشمع». وعلّق ليو شتاين: «هذه فوضى فظيعة»، واعتبر رجل الأعمال الروسي ومقتني الأعمال الفنيّة سيرجي شوكين الّلوحة «خسارة للفن الفرنسي».[7] كانَت اللوحة نقطة تحول متطرّف للغاية، ليس فقط عن أعماله السابقة، بل وعن كل شيء آخر موجود تقريبًا.

ألقى هذا الاستقبال أثره السلبي على بيكاسو، حتى أن صديقه الفنان أندريه ديرين علّق لصديق آخر مشترك، هو المؤرخ الفني دانييل هنري كانويلر: «يومًا ما سنعثر على بابلو مشنوقًا خلف هذه القماشة الضخمة».[8] بقيت اللوحة مخفية عن العيان في مرسم بيكاسو قرابة تسع سنوات حتى بدأت تخرج إلى العلن، فعرضت للمرّة الأولى عام 1916 لتحدث ضجّة، لتعود مرة أخرى حبيسة استوديو بيكاسو إلى أن اشتراها صديقه المصمم جاك دوزيه عام 1924 قبل أن يشتريها متحف الفن الحديث في مدينة نيويورك عام 1937، حيث لا تزال اللوحة معروضة إلى الآن.

ما الذي كان صادمًا إذن؟ ليس أن بيكاسو رسم خمسة أجساد عارية بوجوه غريبة، ولا لأنه رسم مومسات في بيت دعارة، إذ كان بيت الدعارة في ذلك الوقت موضوعًا فنيّا مألوفًا، وصوّره الكثير من الفنانين الحداثيين بالفعل، وكان بودلير في نصّه الشهير «رسّام الحياة الحديثة» قد اعتبر المومس «شخصية العصر الرمزية». لكن ما فاجئ الناظرين هو هذا المنظور الجديد الذي استحدثه بيكاسو برسمه هذه الأشكال العارية وترتيبه لبقية عناصر اللوحة. تحدّى بيكاسو بتشويهه المتعمّد هذا كل ما نصّت عليه قواعد الفن الأكاديمية عن الوجوه والأجساد والمساحة.

في اللوحة خمس مومسات يحدّقن مباشرة في الناظر بنوع من الاستغراب أو حتى القرف. هذه النظرات المباشرة هي ما «حدّد أحد أهم التطورات المركزية للفن في القرن العشرين»[9]، فبالنظر إلى اللوحة، يصبح المتفرج نفسه هو «مركز الاهتمام»[10] وليس اللوحة. يمكن للمرء أن ينظر إلى تصوير وضعية المومسات الخمس في بيت الدعارة بما يشبه وضعية اختيار الزبون للفتاة. لكن في اللوحة، الزبون هو المتفرج على اللوحة. وأكثر من ذلك، هذه نظرات غير مريحة، ومن فتيات «قبيحات» على عكس ما كانت تظهر به الأنثى عادة في اللوحات، وليس في تلك النظرات أي دعوة لعوبة ولا إثارة جنسية. وإذا ما دقق الناظر جيدًا، سيدرك أن المومسات لسن جميعًا واقفات، بل تستلقي اثنتان منهن على ظهورهن، وتجلس إحداهن وتعطينا ظهرها، لكن رأسها ينظر لنا في وضع مخالف تمامًا لجسدها. هذا قلب كٌلّي للمَنظور. بالنسبة للناقد روبرت هيوز، هنا يكمن موضوع اللوحة الرئيسي، فهذه النظرات تحمل القلق الجنسي للمُتَفَرِّج الذَّكر وتَرُدَّهُ إليه. هذه تحديقات «استجوابية أو غير مبالية أو متعذّرة مثل الحجر. لا يمكن تفسير أي شيء من تعبيراتها على أنها ترحيب، ناهيك عن كونها غنجًا او مغازلة. هن قُضاة أكثر من كونهن حوريات».[11] يعكس هذا موضوعًا رئيسيًا في فن بيكاسو، وهو الخوف، أو حتى رهبة النساء. سلّط بيكاسو مخاوفه عبر هذا التحوير الكامل للشَّكل بطريقة لم يفعلها أحد قبله. وبالنسبة إلى هيوز، حتى شريحة البطيخ في اللوحة تشبه قطعة سلاح.

لوحة آنسات أفنيون، لبابلو بيكاسو، المصدر ويكيبيديا

كان معظم من حظي بفرصة النظر إلى اللوحة في استوديو بيكاسو من الرجال. ولم يكن مفاجئًا أنهم أصيبوا بالصدمة والفزع. بدا النظر إلى اللوحة غير مريح، ولم يتمكنوا من معرفة السَّبب.[12] لم يدرك الرجال أنه وبنظرهم إلى تلك الأجساد الأنثوية الخمسة أصبحوا هم مركز الاهتمام. لم يفهموا سبب اختلال اللوحة ولا قباحتها ولا عدم اتساقها، ولماذا لا تتحدّث إلى رغباتهم الجنسية ولماذا لم تبعث فيهم إرادة الهيمنة. كانت تلك هي «صدمة الجديد» بالفعل.[13]

من ناحية أخرى، عكست لوحة فتيات أفينون صراع بيكاسو الداخلي ورغبته في التجديد.[14] لا تعكس الأجساد الخمسة أي حركة، بل تبدو ثابتة إلى حد ما، مستريحة ومتحدية، وموجودة فقط دون أن نعرف لماذا هي هناك، كما لو أن بيكاسو قام بتجميعها أمام الستائر، وكما لو كنّ قد خرجن من حلم رجل محبط، ليس مخيفًا بما يكفي ليشكّل كابوسًا، ولكنه مربك بما يكفي ليحث على الاستيقاظ.

هذا القُبح الكامن في اختلالات اللوحة هو مفتاح فهم معناها الكامن، فتوظيف بيكاسو للقبح هو محاولة استراتيجية للتعبيرعن أن جسد الإنسان ليس فقط مُجرَّد شيء «يمكن فهمه وتمثيله كما اعتبره الفن الأكاديمي آنذاك، بل هو بحد ذاته – كجسد – شرط ضروري للتمثيل».[15] يمكن القول أيضًا أن بيكاسو -المغرور الّلعوب الذي عانت معه جميع من ارتبطن به كزوجات وعشيقات- كان مُدركًا تمامًا في نفسه لمغزى نظرته الذكورية تجاه الإناث عبر قراءة سيرته وصراعاته الطويلة الداخلية والخارجية معهن في حياته: تزوج بيكاسو مرتين، لكنه اتخذ عدّة عشيقات كان يرسمهن ثم يستبدلهن في كل فترة من فتراته العملية الجديدة كما كان يتعامل مع جُلسائه كمصادر إلهام جديدة: ماري تيريز والتر التي انتحرت شنقًا، والمُصوِّرة والشاعرة دورا مار، والرسَّامة والناقدة فرانسواز جيلو الوحيدة التي تركت بيكاسو بملء إرادتها.[16]

جاء القبح (أو التقبيح) طريقة بيكاسو لتحويل مسار الفن الذي اعتبر الجمال الأنثوي ومحاولات الاستحواذ عليه -عبر النظر واللمس- «متعة جمالية»[17] بعيدًا عن غواية الجسد المرسوم. ولهذا السبب أيضًا، اعتبر ثيودور أدورنو أن هذا الإطار القديم الذي يحدد لنا معايير الجمال هو ما يحجب الجمال الحقيقي: «لأجل الجمال لم يعد هناك جمال: لأنه لم يعد جميلًا أبدًا».[18] أي أن اللوحة تُعد عملًا فنيًا أصيلًا فقط عندما تعمل على تحطيم هذا الوهم الكامن في النظرة الذكورية المثالية للجمال. فإذا كان يمكن اعتبار الجمال شكلًا من أشكال السلطة، فإن النظرة الذكورية للجسد الأنثوي هي نظرة سلطوية أيضًا.

هذا ما تفعله لوحة نساء أفينيون: تُحطّم القباحة تلك النَّظرة السُّلطوية ولو بشكل لحظي. وربّما لهذا السبب لم يكن بيكاسو مرتاحًا مع اللوحة أيضًا. وحتّى وبعد مرور قرن، لا تزال اللوحة تصدم الناظرين وخصوصًا الذكور منهم. ولأول مرة في تاريخ الفنّ الحديث، تهدِم لوحة نظرة المُشاهِد وتفْقِده السّيطرة.

  • الهوامش

    [1] فيلم مُنتصف الليل في باريس لوودي آلِن 2011 يُصوّر أجواء تلك الحقبة وشخصياتها بشكل ممتاز.

    [2] Pierre Daix, Picasso: Life and Art.

    [3] جيرترود شتاين أديبة ومُقتنية فنّ أميركية، كانت تقيم في باريس آنذاك مع أخيها ليو شتاين وشريكتها في الحياة اليس توكلاس. كان صالون شتاين في منزلها في27 شارع فلورو في الدائرة السادسة هو الأشهر وارتادته نخب باريس الثقافية والفنيّة.

    [4] Gertrude Stein, Picasso.

    [5] Gertrude Stein, The Autobiography of Alice B. Toklas.

    [6] العلاقة بين الشكل والمضمون هي علاقة إشكالية أزلية في النظريات الفنيّة والأدبية والتصميم.

    [7] Roland Penrose, Picasso: His Life and Work

    [8] نفس المصدر السابق

    [9] Christopher Green, Picasso’s Les Demoiselles d’Avignon

    [10] نفس المصدر السابق

    [11] The Portable Picasso, Introduction by Robert Hughes.

    [12]Tamar Garb, Picasso’s Les Demoiselles d’Avignon, in Chapter 4: To Kill the Nineteenth Century: Sex and spectatorship with Gertrude and Pablo.

    [13] التعبير للناقد روبرت هيوز

    [14] انظر\ي Roland Penrose, Picasso: His Life and Work، صفحة 130.

    [15] انظر\ي Jay M. Bernstein, The Demand for Ugliness, صفحة 9.

    [16] نشرت جيلو مذكراتها عن حياتها مع بيكاسو عام 1964.

    [17] للاستزادة، راجع\ي ثلاث مقالات في النظرية الجنسية لسيجموند فرويد.

    [18] هذه ترجمة عربية عن الترجمة الانجليزية الواردة في كتاب (Aesthetic Theory) صفحة 73. للاطلاع على الترجمة العربية الأصلية، انظر\ي ثيودور أدورنو، «نظرية استطيقية»، ترجمة ناجي العونلي.