مع يونغ، أشباح النفس والدولة والاستبداد

مع يونغ، أشباح النفس والدولة والاستبداد

الخميس 09 تشرين الثاني 2017

«يجب أن لا نفهم الإنسان على أنه وحدة متكررة. بل هو في الحقيقة شيء فريد ومفرد لا يمكننا في التحليل الأخير أن نعـرّفه ولا أن نشبهه بأي شيء سواه» كارل غوستاف يونغ- التنقيب في أغوار النفس1

سواء اتفقت أو اختلفت معه، فإنك لا تستطيع أن تمر مرور الكرام بيونغ؛ فالرجل تتجسد فيه ملامح مرحلة بلغ الهلع فيها مبلغًا عظيمًا. وهو فضلًا عن كونه عَلَما في علم النفس، فإنه أيضًا مفكّر موسوعي أسقط استنتاجاته العلمية المتخصصة على التاريخ والسياسة والأدب والأسطورة، فخرج بنتائج جدلية. من ذلك أبحاثه العميقة عن اللاوعي البشري التي تتجاوز مجال المتعارف عليه في علم النفس إلى ما هو خارق وغير متوقع. هذا يحتم عليّ أن أوفيه مزيدا من حقه بعد أن أشرت إليه إشارة عابرة في مقالي المعنون بـ«علامات» في كتابي «شياطين في حضرة الملكوت». وكانت فحوى الإشارة هناك أن ليونغ أبحاثًا تحدث فيها عن مكنوناتٍ في اللاوعي الإنساني تتجاوز تجربة الإنسان الذاتية المحضة، ما يعني أن حياة الإنسان لا تبدأ مع لحظة ولادته، بل إنها تمتد إلى ما قبل ذلك.

الشائع في ما نعرفه عن علم النفس أن اللاوعي يتشكل من تجارب الإنسان الحاضرة التي يعيشها تراكميًا بدءًا من طفولته المبكرة وصولًا إلى لحظته الراهنة، فينفعل ويعوّض ويعجّل وينكر ويكبت، ثم يلقي تلك الخلاصات في عالم اللاوعي المعتم قبل أن يستردّها وعيه في لحظات الضعف والانفعال. غير أن أبحاث يونغ خرجت عن الخط المعهود وأشارت إلى أن بعض مكنونات اللاوعي ليست شخصية، بل إنها تنفذ إليه أيضا من موروث صاحبه التاريخي القديم؛ أي إلى وقتٍ لم يكن فيه الشخص المعني موجودًا في هذا العالم. تتسق هذه الفكرة إلى حد ما مع اكتشافات ديفيد رايك في مجال الجينوم البشري، ومع ما عرفه الفيزيائيون عن الجرافيتونات التي تتركها الثقوب السوداء بعد فنائها. إذًا، وبقليل من الخيال، لا يغادر الماضي دون أن يترك أثرًا منه في حاضرنا. يفعل الماضي ذلك للدلالة على نفسه كما في حالة الثقوب السوداء، أو لتزويدنا بما يعيننا على فهم الحاضر كما في الجينوم البشري، أو للتأثير مباشرة في أحداث الحاضر والمستقبل كما وجد يونغ أثناء دراسته لصندوقنا المعتم الذي نسميه «لا وعيًا» بشريًا.

طالبة الفلسفة

هذه نقطة الانطلاق في كتابه «جدلية الأنا واللاوعي». يسرد يونغ هناك قصة عن طالبة تدرس الفلسفة عانت، بحسب تشخيصه، من عصاب هستيري ذي شدة متوسطة. كانت الطالبة قد فقدت أباها الذي تعلقت به تعلقًا شديدًا طيلة حياته فقررت أن تملأ وقتها بالمعرفة الفلسفية كي تملأ الفراغ الهائل الذي تركه الفقد في حياتها. لكنّ معاناتها استمرت برغم ذلك، فاضطرت إلى الاستعانة بطبيب نفسي يعينها على الخروج من حالتها. هذا الطبيب كان يونغ الذي سرعان ما بدأت المريضة تميل إليه، وتعوّض فقد والدها من خلاله.

هذه حالة عادية في علم النفس. إذ تمارس المريضة الإسقاط، فتستبدل والدَها بأقرب بطل يظهر أمام عينيها. عندئذ يتحول الطبيب إلى أب ومعشوق في الوقت ذاته، ويبدأ عالم الأحلام بالإفصاح عن مكنوناته. يمكن التفاهم في مثل هذه الحالة مع وعي المريضة، لا سيما إن كانت ذكية ومتعلمة كما هي طالبة الفلسفة. لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فرغم أن المريضة أظهرت تفهمًا لحالتها، فإن قوة خفية أصرت على عدم الانسحاب. كانت أحلام المريضة كثيرة ومتنوعة غير أن واحدًا منها بالذات تكرّر بصور متشابهة مع اختلاف في بعض التفاصيل البسيطة. في ذاك الحلم المتكرر، ظهر الطبيب دائمًا بطلًا في المشهد. كان ضخمًا وخارقًا وطويلًا، والفتاة التي إلى جانبه ضئيلة الحجم. يقفان معًا في مكان مرتفع فيحمل الطبيب مريضته برفق ويضمّها إليه ثم ينفخ على الحقول فيهبُّ النسيم وتتماوج السنابل.

لماذا يظهر المعشوق دائمًا بهذا الحجم المفرط في الضخامة؟ هذا هو السؤال الذي أرّق يونغ قبل أن تتكشّف أمامه ملامح الإجابة التي أعانه فهمه للتراث الإغريقي على الوصول إليها. وجد يونغ أن تلك الصورة ليست مجرد إسقاط نفسي عادي لصورة الأب على طبيب الفتاة الخاص. إن الأمر أقرب إلى أن يكون ابتداعًا لصورة إله ضخم وقوي ورحيم. لكن حتى هذا الإسقاط لا يقدّم شيئًا جديدًا في علم النفس لولا أن تفاصيل الصورة هي التي تحمل دلالة غير متوقعة. إن اللاوعي يؤلّه الطبيب كما يحدث في كثير من الأحلام، لكنه هذه المرة يبتدعه بصورة لا تنتمي إلى تجربة المريضة الشخصية. ليس مهمًا أن نقول هنا أن المريضة كانت تقف موقفًا لا أدريًا من قضية الإله، المهم هو أن الله ذا الروح، والنفس، والنفخة، صورة إغريقية قديمة وردت كذلك في نصوص العهد القديم ولها ما يؤيدها في القرآن الكريم 2. كل ذلك يؤيد ما ذهب إليه يونغ في شيئين: أولا أن اللاوعي يؤلّه المعشوق بالفعل. وثانيًا، أن تلك الصورة بالذات لها سند تراثي قديم، ثم اختفت من التراث الأوروبي، تراث المريضة، منذ القرن الخامس عشر الميلادي.

أشارت أبحاث يونغ إلى أن بعض مكنونات اللاوعي ليست شخصية، بل إنها تنفذ إليه أيضا من موروث صاحبه التاريخي القديم؛ أي إلى وقتٍ لم يكن فيه الشخص المعني موجودًا في هذا العالم. 

هذا الاستنتاج يعني أن اللاوعي يستخرج صورة دينية من لا وعي جماعي نفذت إلى أحلام المريضة عبر قناة مجهولة. إنها تستعيد صورة لا تنتمي إلى حاضرها، وليست مما وقع في مجال خبرتها العملية أو المعرفية. تلك صورة عمرها أكثر من خمسمئة عام، وانبثاقها في غير أوانها فتحٌ نفساني يعني الكثير. يقول يونغ: «ولكن يبدو أن اللاوعي يحتفظ بعناصر أخرى غير المكتسبات البسيطة للحياة الشخصية وهو ما أظهره مثالنا عن التصور القديم لله. كانت مريضتي تجهل تمامًا، ولا تعي الصلة الفيلولوجية أو التوازي الموجود في اللغة الألمانية، لغتها الأم، بين كلمة روح وكلمة هواء. لم تكن هذه الصلة قد عُلّمت لها أبدًا، ولم تكن قد خطرت ببالها يوما. (..) وإننا لمجبرون بوجود وقائع كهذه أن نفترض ونقبل بأن اللاوعي لا يحتفظ بمواد شخصية فقط، وإنما بعوامل لا شخصية أيضًا، هي عوامل جماعية على شكل مجموعات موروثة ونماذج بدئية. لقد أطلقتُ إذًا فرضية أن اللاوعي يحتوي في طبقاته العميقة موادَّ جماعية حيّة وفاعلة نسبيًا، وهكذا كنت مقادًا إلى التحدث عن لا وعي جماعي».

إنها إذًا استعدادات مسبقة ظهرت في حالة طالبة الفلسفة وفي عدد من الحالات الأخرى التي شخصها يونغ. أي هي، بلغة العصر، خصائص مدمجة (built in) راسخة في تكويننا النفساني وتتصل من حيث لا ندري بعمق هذا الوجود.

يونغ ومفهوم الدولة

دعونا الآن نموضع يونغ في مكانه اللائق ضمن جدلية الحداثة وما بعد الحداثة.

أولًا، يونغ هو مؤسس علم النفس التحليلي. وهو بالإضافة إلى أستاذه فرويد رائد التحليل النفسي، وآدلر مؤسس علم نفس الفرد، يُعدُّ ثالث ثلاثة وضعوا أسس علم النفس كما نعرفه اليوم. ثم إن يونغ قد تأثر بفلاسفة اتخذوا موقفًا سلبيًا من اللوغوس (العقل) والوعي، مثل نيتشه صاحب نظرية العود الأبدي، وكلايجز الذي عدَّ اللوغوس والوعي مدمّرين للحياة. عُمّر يونغ زمنًا طويلًا بعد قرينيه؛ فرويد الذي توفي في عام 1939، وآدلر الذي توفي قبل فرويد بسنتين، فعاش يونغ حتى عام واحد وستين؛ أي أنه شهد تجربة النازية كاملة، واستطاع أن يرصد بدقة كمَّ الويلات التي شهدها العالم بسبب الحرب العالمية الثانية. والأهم من ذلك أنه استطاع أن يتخذ موقفًا مدعمًا بتجربته العلمية من أنظمة الحكم الاستبدادية التي طغت في بعض البلدان قبل الحرب وبعدها. تلك العرى التي لم تنفصم عنده بين التحليل النفسي والشهادة على العصر والموقف الأخلاقي من مآلات الحداثة هي التي جعلت ليونغ قيمة كبرى في الشهادة على زمنه.

ثانيًا، وقف يونغ موقفًا سلبيًا من المنهج الإحصائي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون في تشخيص الحالات. وهذه نقطة ذات صلة وثيقة بالعلم التجريبي والحداثة نفسها. لقد وجد نفسه مضطرًا للطعن في «الذات الملكية» للعلم التجريبي التي جعلتها الحداثة الطعن فيها أكبر المحرّمات. بحسب يونغ، هناك فرق بين المعرفة والفهم، فالفهم ولوجٌ إلى داخل الظاهرة بينما المعرفة استنتاجات يقدّمها لنا المنهج العلمي الذي يرصد الظواهر ويقيسها ثم يخرج بأفكار عامة تُصاغ في نظريات. هل كان يونغ يضع حدودًا تحافظ على نقاء العلم ونجاعته؟ لا ندري؛ لأننا لا نستطيع الحكم على المعطيات الغامضة التي اعتاد يونغ تقديمها ضمن تحليلاته النفسية. إن أخذ أحكامه على إطلاقها سيؤدي بنا حتمًا إلى هدم منجزات كثيرة في مجالات العلم والفلسفة والسياسة. وهذا أمر لا تحمد عواقبه.

المهم؛ إن رصدك حدثًا ما، عشرات أو مئات أو ملايين المرات يقودك إلى دمج النتائج جميعها في متوسط حسابي يُستخدم فيما بعد دليلًا على الظاهرة نفسها، بل مقياسًا لها، وأداة للتنبؤ والسيطرة والضبط العلمي الدقيق. العلوم الطبيعية تقوم على هذا الأساس، وتجعلنا مع تراكم الخبرة قادرين على الإحاطة بظروف الظاهرة نفسها، وعلى ضبط المتغيّرات التي تقترب بحالة ما أو تبتعد بها عن المتوسط الحسابي. غير أن من شبه المستحيل في كل ظاهرة أن تنطبق قيمة المتوسط الحسابي على حالة فردية بعينها. هب أنك، والمثل ليونغ، جئت بعدد كبير جدًا من الحصى، ووزنتها جميعًا بعد أن عرفت عددها، فوجدت أن المتوسط الحسابي لوزن الحصاة الواحدة يساوي مئة وخمسة وأربعين غرامًا. ذلك لن يعني أبدًا أنك ستكون قادرًا على التقاط حصاة بعينها لها نفس هذا الوزن. فوجود هذه الحصاة مشكوك فيه أولًا، وهو ليس شرطًا لازمًا للتدليل على صحة حساباتك ثانيًا. فالمتوسط الحسابي شيء، والحالة الفردية دائمًا شيء آخر، يقترب أو يبتعد.

هذا بالضبط هو ما رفضه يونغ في المنهج الإحصائي حين يكون موضوع البحث أو التشخيص هو النفس البشرية. فعلم النفس يفتح لنا نوافذ تمكننا من معرفة هذه النفس بشكل عام. إنه يصدق تمامًا حين يكون ترياقًا جماعيًا لكن مسلّماته النظرية لا تنطبق على ذوات الأفراد، بل إنها تمحو ملامحهم وتحوّلهم إلى نماذج تكرارية لا تختلف عن بعضها في شيء. المجموع غير الفرد دائمًا، وحركة المجتمع ليست تراكمًا عدديًا لحركة أفراده. علم النفس إذًا يجعلنا نعرف النفس لكنه لا يصل بنا إلى مرحلة فهمها. يدافع يونغ هنا عن فردانية الإنسان، ويعلي من شأن خياراته وردات فعله الذاتية. ذلك أن كل شخص هو «استثناء نسبي وظاهرة غير قياسية»، وكل نفس هي كيان عصي على التصنيف والتبويب. إن مشكلة العالم الذي تنبأ به يونغ تكمن في هذا التراكم البغيض، في الأحكام المسبقة التي حوّلت البشر إلى وحدات إحصائية، وفي النمذجة والإخضاع، وتجاهل الإنسان المحسوس لصالح الإنسان المثالي المـُصنّع في مختبرات البحث العلمي، وفي القولبة والنظر إلى الناس كمجاميع بشرية يحكمها منطق إحصائي واحد.

فما الذي يمكن أن يحدث حين نتجاهل خصوصية الإنسان الفرد؟ يرصد يونغ ملامح هذه الظاهرة في مفهوم «الدولة» فيشنّ عليه هجومًا عنيفًا. لا يخبرنا يونغ عن أي شكل من أشكال الدولة يتحدث، لكن الواضح أنه يرمق هذا المفهوم بعين الريبة، ويستخدم النازية كمثال بليغ. وربما عُدّت شهادته على عصره شهادة غامضة ما دام يستخدم كلمة الدولة على إطلاقها.

المجموع غير الفرد دائمًا، وحركة المجتمع ليست تراكمًا عدديًا لحركة أفراده. علم النفس إذًا يجعلنا نعرف النفس لكنه لا يصل بنا إلى مرحلة فهمها.

إن اللعبة معقدة جدًا وذكية جدًا ومخاتلة؛ فالعلم التجريبي صادق، ولا يمكننا الاستهانة بأي حال من الأحوال بمناهجه وبقدرته على الضبط والإخضاع. لكن المشكلة في الرهان، وفي طول المدى الزمني الذي يمكن لنا فيه أن نراهن على تحدينا للنفس البشرية. إن شئتَ أن تتجاهل أهمية الروح فلك أن تعمّم نتائج الفيزياء على الإنسان فتنال غضب يونغ. إن الذي يحدث هنا هو تمامًا ما يحدث لحزمة الإلكترونات، والتي هي كحزمة فإنها ممّا يدخل في عالم الشهادة؛ أي عالم التجربة والإحصاء والملاحظة، إذ يمكن التنبؤ بخصائصها على أكمل وجه. أما أعيان الإلكترونات فهي مما يقع في عالم الغيب حيث لا قدرة لدى الملاحظ على تحديد الاندفاع أو الموضع.

البشر كذلك من بعض الوجوه؛ فتحويلهم إلى كتل يجعل السيطرة عليهم أسهل. وتستطيع عبر نمذجتهم أن تتحكم في مساراتهم وأن ترصد كل تغيراتهم المحتملة. يمكن لك باستخدام المنهج الإحصائي أن تثق باستنتاجاتك وأن تبني توقعات دقيقة. ستنجح في اللعب على الغرائز والخوف والهلع، وستمتلك خبرة بالطريقة التي عليك أن تخاطب بها الطمع. وستقطف ثمار الغضب أو الرضا، وتشكل قنوات إعلامية تحافظ على حركة القطيع في الاتجاه الذي تريده. قد تفعل هذا كلّه بنية حسنة أو سيئة، أو لعل الأمور ستسير إلى هذا النوع من المآلات من تلقاء نفسها دون نوايا أو مخطّطات. لكن الذي يحدث بالضبط هو أن روح الإنسان الفرد تتهمّش، ويحاصرها النظام من كل جهة. نظام هو الدولة بتجلياتها التي عاشها يونغ في منتصف القرن العشرين.

لعل صورة الدولة التي هجاها إذًا هي هذه الصورة البغيضة التي لا تفصح عن شيء من خصائصها سوى أنها أعلى مستويات التنظيم الاجتماعي، بل هي ثمرة العلم والضبط. عيب تلك الدولة أنها تقوم على طمس الأفراد لصالح الجماعة، والناس فيها وحدات إحصائية ضئيلة القيمة أمام المجموع. فكل فرد هو رقم صغير في بنيان المجتمع الذي تديره دولة تلغي روح الإنسان الفرد. هذا نذير شؤم يحدث حين يتضخم دور الدولة فتتولى مسؤولية التفكير بالنيابة عن الفرد، وتعده بحل جميع مشاكله، وتحيله إلى كائن مُستَلَب.

هنا يكمن الوجع؛ إذ يبدأ الفرد بالتخلي عن نفسه، فيدمر قدراته ويقتل شغفه. إنها عملية تعرية يقف بعدها الإنسان مجرّدًا من مناعته الذاتية. وقد ينفجر الأمر بغتة فتكون الكارثة. فالدولة التي ترعى قطعانًا من العاجزين تمهد الطريق للجنون. تستخرج من لا وعي الأفراد أسوأ ما فيه، تبحث في ثقوب النفس، وتبث الروح في الغرائز، وتخرج من غياهب الماضي أفاعيه السامة. عندئذ تنتعش روح القبيلة. ولا فرق في عالم العاجزين بين قبيلة من قبائل العصر الحجري ودولة تقدّم الرفاه على طبق من طمس عنفوان الإنسان. لا تحتاج المياه الراكدة عندئذ إلا لقليل من الأكاذيب، أو لمجموعة صغيرة من أصحاب العاهات النفسية الصريحة، فتفرض الثورة منطقها، أو تحدث كارثة كالتي عاشها يونغ أيام مجد النازية.

تلك مشاعية بدائية تتخذ شكل دولة؛ أو نظام من «الروابط الأولية» التي رأى إريك فروم أنها تتضمن كبتًا للفردانية لكنها تهب شعورًا زائفًا بالأمان. أمان يقود إلى الهاوية ولا شيء سواها. كان يونغ يخشى من المآلات التي تنتهي إليها الأنظمة الشمولية. ولعله كان متأثرًا بحنّا أرندت التي رأت أن هذه الأنظمة لا تخلق أعداء بقدر ما تخلق ضحايا. لن يطعن في موضوعية الكلام أن هؤلاء جميعًا كانوا يستبطنون النازية في ثنايا حديثهم حيث كل فرد ضحية، والمجتمع ضحية، والمجموعات الإثنية ضحية، والثقافة والفن والمرأة والطفولة ضحايا لذلك الكائن الخارق الذي يعدُّ على الناس أنفاسهم. النازية، بمحرقة أو بدون محرقة، لطخة كبيرة في جبين البشرية. إنها ومعها الستالينية والاستعمار والعنصرية والستار الحديدي الذي قسم العالم إلى نصفين، وأسلحة الدمار الشامل التي روعت العالم؛ كانت أهم ملامح الصدمة التي شكلت موقفا متوجسا من الحداثة في بعدها السياسي.

إسقاط ضروري

الاستبداد لا يتغير وإن اختلفت سياقاته المكانية والزمانية. يصبح الأفراد نكرات، وتنحرف الدولة المزيّنة بالدساتير فتسلب من حياة الفرد أهدافها. تطغى السياسة العامة للدولة التي تقررها نخبة قليلة استطاعت امتلاك مفاتيح القوة على كل شيء. عندئذ تتوجه الطاقات نحو غاية تحددها النخبة، وربما دخل الفرد في طور العبودية الكاملة للدولة؛ ذلك حين تتحول الغايات إلى عقائد، والحكام إلى ضرورات تاريخية تتجسد فيها صفات الآلهة.

هذا نراه في كل مكان، غير أن الذي فات طبيبنا النفسي، ربما بسبب مركزيته الغربية هو أيضًا، أن العالم بدأ يشهد في أيامه، في مناطق أخرى غير قارته الأوروبية، حالات من الاستبداد حطّمت مفهوم الدولة من أساسه، فجعلت من هذا المفهوم هيكلًا شكليًا يستخدم للتغطية على أكثر أشكال الحكم بدائية؛ كحكم الفرد والطائفة والعائلة والعشيرة. وأن وعود الاستقلال والتحرر قد حوّلت الدول داخل هذا الهيكل المزيف إلى ملكيات خاصة. الذي حدث في ألمانيا مختلف بعض الشيء لأن رسوخ الحداثة مكّن شعبها من التعافي والعودة إلى مؤسساته. لقد استيقظ الوحش الأشقر ثم عاد إلى سباته حتى إشعار آخر. أو لنقل أن تحطيم الإنسان في بلاد الحداثة اتخذ مسارًا آخر. أمّا في العالم الآخر، عالم الشرق المزين بالتمائم والبخور، الغافي عند أعتاب القرن العاشر الميلادي، فلم يكن للحداثة فيه من صولة كي يُعوِّل أحد على مفهوم الدولة؛ الدولة في ألمانيا استدعت أشباح الماضي، بينما أشباح الماضي التي تزداد تألقا وشبابا، ومعها روح القبيلة والطائفة والجماعة هي التي استدعت الدولة في الحالة الأخرى وضمتها تحت جناحها. ذلك أدى إلى أكبر عملية تزوير في تاريخ السياسة، وإلى ترسيخ حالة الجهل والاعتياش على وتر العصبيات الإثنية والطائفية والجهوية.

إنه الاستبداد بحلته الشرقية، حيث كل شيء تعوّذ بسببه عبد الرحمن الكواكبي من الشيطان الرجيم؛ حكومة الفرد المطلق، ووراثة العروش الملكية أو الجمهورية، والسيطرة على الجيوش، وحيازة السلطة المتعالية. وحيث كذلك ما سماه الدكتور حسن حجازي بـ «الإنسان المهدور» الذي تهدر طاقاته ووعيه وفكره وماله، ويصادر حقه في الرفض والثورة والحب والانتماء غير المشروط. وحيث الأعداء والضحايا في آن معا، والقتل الأخلاقي والنفسي، والموت الذي وصفته حنا أرندت بأنه مجهول الهوية.

ختامًا

يبقى أن نقول شيئا؛ إن نقد يونغ للدولة كان نقدًا لعصر الحداثة بأكمله. هو نقد في صميم التنوير الذي حيّد الآلهة ونسي خطورة الوحش الرابض في قلب الإنسان. أنت تخوض رهانًا خاسرًا إذا عوّلت على العقل في الزمن الذي تنتشي فيه الغرائز؛ إذ لا يمكن للعقل أن يسود على الصراخ ولا أن يوقف الحماس المتدفق. على الحداثة إذًا أن تتواضع قليلًا أمام روح الإنسان، لأنها كما وصفتها ماري كليجز، شيدت العقل كـ«سردية كبرى» فجعلت المعرفة مماثلة للعلم، وأقامتها مناقضة للأسطورة. والأسطورة سيئة السمعة إنها «طريقة سيئة وبدائية ولا عقلانية». غير أن عالم النفس الكبير يقول لنا أن الأسطورة لا تغيب، والآلهة كما نقائضها متجذرة في عالم الإنسان. ربما أثرت نشأة يونغ المتدينة في رؤيته هذه؛ إنه يقرُّ بوجود هذا الوحش ويحذر منه. ويرى أنه كائن خالد قادر على الانبعاث في أي لحظة. يحتوي موروث كل شعب على هذه العلامات القارة في الأعماق، التي يمكن استدعاؤها فرديًا، كما في حالة طالبة الفلسفة، أو جماعيًا كما حصل للألمان في ظل النازية. لقد لاحظ يونغ اضطرابًا نفسيًا زائدًا عن الحد عند مرضاه الألمان في السنوات التي ظهرت فيها النازية، وتلمّس شيئًا في الأعماق ينبعث من جديد. كان الوحش الأشقر يتململ والدولة النازية ترعى الكائن الخفي وتستمد منه مبررات وجودها.

رهان ما بعد الحداثة إذًا يكمن في قدرتها على إقامة التوازن بين حاجة الإنسان إلى ذاته كي يرضى عن وجوده، وحاجته إلى النظام كي يبني الحضارة. طغى في ذلك الوقت جزع من مخرجات الحداثة السياسية ساد أوروبا كلها. وبدا أن التشاؤم هو سيد الموقف.

_______________________________________________________________________________

1) من أعمال كارل غوستاف يونغ المترجمة إلى العربية: التنقيب في أغوار النفس البشرية، والنازية في ضوء علم النفس، وجدلية الأنا والوعي.

2) نضرب لذلك مثلًا بما ورد في سورة الحجر «فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين». فنفخ الروح يعادل إجراء الريح عند القرطبي. وفي المعجم الوسيط، الروح هي ما اتسع، وما به حياة النفس، والراحة والرحمة، ونسيم الريح. إذ نقول وجدت روح الشمال؛ أي برد نسيمها.