هل تجد الفلسفة اللاإنجابية فرصةً في مجتمعاتنا؟

الأربعاء 29 حزيران 2016

رغم بدايتها كفلسفة نظرية مرتبطة بأخلاقيات الشفقة والتعاطف، إلا أن «اللاإنجابية» باتت اليوم أسلوب حياة متزايد الانتشار حول العالم. مناصرو اللاإنجابية اليوم لا يكتفون بقول أن عدم الإنجاب هو خيار جيد لو أردنا اتخاذه، بل يدّعون أنه خيار ضروري علينا اتخاذه استجابةً لضرورات أخلاقية وفلسفية عديدة. ربما سنرفض بشكل بديهي أن تطالبنا فلسفة أو جماعة ما بالامتناع عن الإنجاب، لكن كيف بدأت هذه الفلسفة بالأساس؟ وما هي حجج مناصريها؟ وكيف سيؤثر اعتناقها على حياتنا وحيوات سوانا؟

نشأة وتطور اللاإنجابية كفلسفة

ربما كان الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أول من طرح اللاإنجابية كضرورة أخلاقية، مشيرًا إلى أن الحياة تخلو من السعادة، أو في أفضل أحوالها تقدم من السعادة مقدارًا ضئيلًا سيضيع في ظل البؤس، وبالتالي من غير المنطقي إنجاب طفل ليختبر حياة مماثلة. ويسأل شوبنهاور: «لو كان إنجاب الأطفال قرارًا يقوم على المنطق العقلي الصرف، هل سيستمر الجنس البشري بالوجود؟ ألن يمتلك الإنسان من الشفقة ما يكفي لإعفاء الجيل المقبل قسوة الوجود، أو على الأقل ألا يقوم بنفسه بدمٍ بارد بفرض عبء الوجود على أفراد جدد؟».

لو تعرفنا على حياة شوبنهاور لوجدنا أن موقفه من الوجود البشري بشكلٍ عام كان شديد البؤس نظرًا لتجربته الحياتية الشخصية، وبالتالي فإن رأيه ليس موضوعيًا تمامًا، حيث أن الكثير من البشر الذين عاصروا شوبنهاور قد عاشوا حياةً سعيدة ونظروا إليها في آخر أيامهم بعينٍ من الرضى. رغم صحة ذلك، إلا أن الظروف المكانية والزمنية تساعدنا كثيرًا على تنبؤ مدى السعادة أو البؤس الذي ينتظر الجيل التالي، فلو تحدثنا عن إنجاب الأطفال اليوم في سوريا أو اليمن أو ليبيا أو العراق، أو حتى دول أكثر استقرارًا نسبيًا كمصر ولبنان، لكان من السليم التعاطف المسبق مع الطفل الذي سيأتي على حياة بلغت من القسوة ما قد يجعل جثته تنتهي غارقة أو ملقاةً على شاطئِ ما، وقد يبلغ تعاطفنا وشفقتنا درجة أن نتصرف على هذا الأساس ونمتنع عن إنجاب هذا الطفل.

على كلٍ، تطورت الفلسفة اللاإنجابية مع الزمن لتخرج من إطار أخلاقيات الشفقة لمستوىً أكثر تعقيدًا، وتصل إلى نتيجة مفادها أن الأسى هو مصير حتمي لكل إنسان لمجرد كونه إنسانًا، وبغض النظر عن الظروف التي يعاصرها. بالتالي، فالوجود البشري خاطئ من حيث المبدأ ويجب أن تساهم البشرية طوعًا بانقراضها الذاتي. تقوم هذه الفلسفة -التي قد يجدها معظمنا متطرفة- على أساس نظرية التطور، وأننا عندما أصبحنا بشرًا فقد حدث ذلك نتيجة طفرة جينية منحتنا من الوعي أكثر مما نحتمله، فانسلخنا عن النظام البيئي وبات لنا القدرة على النظر للحياة من الخارج وطرح أسئلة عن معنى الحياة وأصل الوجود وسببه وغايته؛ أسئلة يقترح طارحو هذه النظرية أن لا إجابات لها، وستؤدي معرفتنا ذلك لعيش معاناة سببها عبثية الوجود البشري برمته. هذه الفلسفة أصبحت أكثر تداولًا مؤخرًا، في العالم بشكل عام والمنطقة العربية بشكل أقل، خاصة بعد اقتباسها في حلقة من المسلسل الأمريكي شديد الشهرة «True Detective».

اللاإنجابية والاكتظاظ السكاني

نعرف جميعًا أننا نحتاج لمصادر معينة للاستمرار بالحياة، كالمياه والغذاء والأوكسجين، والأرض تحتوي كمية ليست محدودة فقط إنما متناقصة بسرعة من هذه المصادر. بالتالي، فإن تزايد عددنا كبشر مصحوبًا بتناقص متسارع للمصادر سينتهي بنا خلال فترة قصيرة جدًا في مرحلة لن تكفي المصادر فيها جميع البشر للبقاء على قيد الحياة. المشكلة هنا مزدوجة، من جهة عدد البشر يتزايد بسرعة تراكمية، على سبيل المثال، في عام في 1900 كان عدد سكان إفريقيا 133 مليون إنسانًا، وفي عام 2050 سيرتفع العدد ليصل لمليار و766 مليون. ومن جهة أخرى، فالموارد الضرورية في تراجع، فعلى سبيل المثال تؤدي زراعتنا الجائرة واستخدامنا لمضادات حشرية كيماوية لفساد التربة على المدى الطويل حتى تصل حالات عقم دائم أو مؤقت، إضافة إلى تسبب جز الغابات بالانتشار السريع للتصحر. ولو عدنا لقارة إفريقيا لعلمنا أنه بحلول عام 2025، ستنتج القارة من الغذاء ما يكفي 25% فقط من أبنائها، وفقًا لجامعة الأمم المتحدة في معهد الموارد الطبيعية بأفريقيا في غانا. ومن هنا ترتبط اللاإنجابية بمقولة الحائز على جائزة نوبل للفيزياء، هنري واي كيندل: «لو لم نسيطر طوعيًا على نمونا البشري خلال العقد أو العقدين المقبلين، ستقوم الطبيعة بهذه المهمة نيابة عنا، ستقوم بذلك بطريقة قاسية، والموضوع سيكون خارج إرادتنا حينذاك».

اللاإنجابية والبيئة

نسمع يومًا تلو الآخر عن تضخم وتفاقم الأزمة البيئية التي أصبحت واقعًا نعيشه اليوم لا في المستقبل المنظور؛ وفي الصيف الماضي أعلنت دراسة مشتركة بين جامعات ستانفورد وبرينستون وبيركلي، أن التدهور الصحي للكرة الأرضية تسبب بدخولها حقبة سادسة من الانقراض واسع النطاق، سيكون البشر من ضمن ضحاياها. نتيجة ذلك نتساءل جميعًا عما يمكننا عمله لإيقاف، أو أقله إبطاء هذا التدهور الحاد والذي يكاد أن يكون من المستحيل عكسه. تقترح دراسة للمركز الدولي للتنوع الحيوي أن علينا اتخاذ اللاإنجابية بعين الاعتبار بهذا السياق، حيث تقول الدراسة أن امرأة أمريكية تبذل كافة الجهود الممكنة لجعل حياتها بيئية بقدر الإمكان، بما في ذلك إعادة تدوير النفايات وقيادة سيارة صديقة للبيئة والعيش بمنزل مكتفٍ ذاتيًا من حيث الطاقة، كل ذلك سيؤدي لوقاية الغلاف الجوي من انبعاث 486 طنًا من ثاني أكسيد الكربون طيلة حياتها، بالمقابل لو امتنعت عن إنجاب طفل واحد فقط، فإنها توفر انبعاث 9441 طنًا، أي قرابة عشرين ضعف الرقم الأول.

اللاإنجابية وأسلوب الحياة الاقتصادي

أظهرت دراسة أجرتها دائرة إدارة الزراعة في الولايات المتحدة أن كلفة تربية طفل واحد في الولايات المتحدة عام 2013 تصل إلى ربع مليون دولار وسطيًا لعائلة متوسطة الدخل، ذلك على مدار السنوات الثمانية عشر الأولى، على افتراض أن الأسرة ستترك للطفل مسؤولية تأمين حياته الجامعية لو أرادها. الإنجاب إذًا، وخصوصًا الإنجاب بكثرة، سيخلق معاناة مالية لكلٍ من الأطفال والأهل. والإنجاب بأعداد كبيرة بمراحل مبكرة من الحياة، كما يحدث في مجتمعاتنا العربية بكثرة، قد يكون سببًا في انخفاض مستوى الإنجاز الفردي، إذ أن الوالدين يوزعان حياتهما بين التربية والإعالة المالية بشكل يلغي في الكثير من الأحيان أي فرص لتحقيق الذات والإنجاز، بالمقابل فإن الامتناع عن الإنجاب أو إنجاب عدد أقل من الأطفال يوفر للزوجين (أو للشخص الأعزب) من الوقت والمال ما يمكنهم من عيش أسلوب حياة أغنى وأكثر تحقيقًا.

اللاإنجابية لا تعني ألا نصبح أهلًا

الحروب والمجاعات والكوارث البيئية هي جزء من الروتين التاريخي للبشرية، ولعل الأطفال اليتامى هم دائمًا أول ضحايا هذه الكوارث. وفي الوقت الذي يموت فيه الأطفال جوعًا في الصومال أو فقرًا في الهند أو قتلًا في سوريا أو يعيشون طفولة كارثية في مياتم معظم دول العالم الثالث، فإننا عندما ننجب أطفالًا جددًا لا نقوم فقط بتجاهل احتياجات هؤلاء المساكين للأكل والعناية والحماية لا لشيء سوى لرؤية جيناتنا تتكرر واسم عائلتنا يستمر، بل نزيد من بؤسهم إذ أن أطفالنا سينافسونهم على المأكل والمشرب والمسكن والملبس وفرصة العمل، وبما أن أطفالنا سيحظون بتربية وتعليم وعناية أفضل، فإن فرصهم بانتزاع فرص العمل والرواتب الأفضل والمنح الدراسية وشركاء الحياة الأنسب ستكون أعلى بمراحل من فرص الأيتام، الذين ستستمر معاناة معظمهم على طول الحياة.

اللاإنجابية واقتصادات الدول

تشجع حكومات العديد من دول العالم على الإنجاب لأسباب اقتصادية، كإعلان روسيا عن يوم سنوي للإنجاب يتضمن إجازة من الوظائف الحكومية، وتراجع الصين والهند عن سياسات تحديد النسل مؤخرًا، إذ أن الاكتظاظ السكاني هو أساس العمالة الرخيصة التي يقوم عليها اقتصاد البلدين. لكن كما أن الأرض تمتلك قدرة حيوية محدودة من المصادر، فإن الدول التي نحيا فيها تشهد نموًا اقتصاديًا وقدرات اقتصادية ذات قدرات معينة، وعندما نتكاثر بسرعة تفوق سرعة النمو الاقتصادي ومقدراته فهذا يعني خدمات أسوأ، وتعليمًا أردأ، ورعاية صحية ضعيفة، وبطالة، وفقرًا، ومتوسط دخل متدنيًا؛ خصوصًا عندما يتجاوز هذا النمو المعدلات الحدية للإنتاج (مثلًا عندما يصبح عدد جميع المزارعين أكبر من حاجة كافة الأراضي الزراعية). وبالرغم من أن فساد الحكومات المنتشر في الدول العربية يساهم في كل هذه المشاكل، تكاثرنا أم لم نتكاثر، لكنه لا ينفي أن تضاؤل عددنا، أو على الأقل ثباته عند مستوى معين بحيث يسمح للنمو الاقتصادي بإدراكه، سيعني ارتفاعًا ملحوظًا ومضطردًا في نوعية الحياة.

ماذا لو كان لدينا أطفال بالفعل؟

منذ بدايتها عند شوبنهاور وحتى اليوم، كانت مصلحة الأطفال والجيل المقبل على رأس قائمة اهتمامات الفلسفة اللاإنجابية دائمًا، لذلك هي ليست فلسفة ضد الأطفال كما تفهم خطأً في بعض الأحيان، بل على العكس تمامًا. لو كان لديكم أطفال أو تنتظرون طفلًا فلا تتوقع الفلسفة منكم أقل من أن تقدموا لهم كل ما لديكم من محبة ورعاية؛ ربما عندما يصلون لسن الرشد بإمكانكم إخبارهم بفكرة اللاإنجابية وترك الاقتناع بها من عدمها لهم.

توقف للحظة! ألست أحد المتآمرين على العرب والمسلمين وتريد أن ينخفض عددنا؟

من المرجح جدًا أن نوجِّه شبهة مماثلة للاإنجابية، أن نقول أنها بروبغندا غربية مؤامراتية، لكن كافة الإحصائيات تشير إلى العكس تمامًا. أكثر مناصري الفلسفة اللاإنجابية هم من الولايات المتحدة وغرب أوروبا، حيث بدأت هذه الفلسفة بالانعكاس على جوانب عملية كدعم وسائل منع الحمل طويلة الأمد (يؤدي استخدامها لحالة عقم مؤقت تمتد لثلاثة سنوات)، انتهاءً بوصول حالات الحمل غير المتعمدة بين المراهقات في الولايات المتحدة لحد أدنى قياسي. علاوةً على ذلك، لو نظرنا لتقديرات التزايد السكاني من عام 1900 حتى 2050 لوجدنا أن أوروبا هي أبطأ القارات نموًا سكانيًا، تليها أمريكا الشمالية، بينما أفريقيا هي الأسرع تكاثرًا، تليها آسيا.

ماذا لو لم يقنعنا كل هذا الكلام؟

لا تقتصر الفلسفة اللاإنجابية على خياري: إنجاب/لا إنجاب، ففي الواقع هناك أربعة خيارات: اللاإنجاب المطلق، إنجاب طفل واحد (وهذا الخيار الإنجابي يفيد على مستوى الاكتظاظ السكاني لأنه يعني تراجع عدد السكان، حيث سينخفض عدد الجيل المنجب إلى النصف باعتبار أن الوالدين اثنان والطفل واحد فقط)، إنجاب طفلين (وهو الخيار الوسط بيئيًا، يؤدي لاستمرار الجيل الحالي بذات العدد حيث يساوي عدد الأطفال عدد الوالدين)، وأخيرًا إنجاب أكثر من طفلين، والمساهمة بالاكتظاظ السكاني وتداعياته البيئية والاقتصادية.

الفكرة مقنعة لكن نريد معرفة المزيد

أفضل مصدر لمعرفة المزيد عن الفلسفة اللاإنجابية هو حركة VHEMT، أي حركة الانقراض الطوعي للبشر. الاسم مرعب أليس كذلك؟ معكم حق، لكن الحركة في الواقع غير منظمة وليست ذات أجندة ملزمة، وتضم طيفًا واسعًا من مناصري اللاإنجابية، منهم من يعتنق الفكرة لأسباب بيئية واقتصادية، ومنهم من يستبدل الإنجاب بالتبني، ومنهم من اختبر رحلة طيران جلس خلفه خلالها طفلٌ باكٍ أقنعه بأن الإنجاب ليس خياره الأفضل. بإمكانكم الانضمام لمجموعة الحركة على فايسبوك والمشاركة في النقاشات التي تعقد وتدور على مدار الساعة، كما بإمكانكم العثور على مؤسس الحركة في المجموعة، ليس يو نايت، الذي لا يتكاسل عن الإجابة أو النقاش مع أي شخص ذو فضول. للأسف يشترط للمشاركة في المجموعة تحدث الإنكليزية حصرًا.

*الصورة من موقع شترستوك