«قانون الجذب» وأوهام أخرى: لماذا نصدق الخرافة؟

الثلاثاء 22 كانون الثاني 2019

قبل ما يقارب العشر سنوات، كانت حمى كتاب «السر» التي اجتاحت العالم منذ صدوره عام 2006 قد وصلت إلى مكاتب الشركة التي كنت أعمل فيها وقتئذٍ. توافدنا إلى المكتبات واشترى كل منا نسخته الخاصة، وتبادلنا أحاديث حماسية حول «قانون الجذب» وقدرة العقل على تحقيق ما يريد بالقدر الكافي من التركيز وممارسة التخيل الجاد. كما تناقلنا قرص «دي ڤي دي» يحتوي على الفيلم الوثائقي المأخوذ عن الكتاب، والذي لم يتبق منه في ذاكرتي سوى صورة رجل عجوز يقبّل يديه بشغف ليعبّر عن مدى حبه لنفسه، ويعلمك أن تحب نفسك أيضًا.

لكن أهمّ ما وجدناه في الكتاب كان صورة لشيك مصرفي فارغ، تقترح عليك الكاتبة أن تأخذ صورة عنه وتكتب عليه اسمك والمبلغ الذي ترغب في الحصول عليه خلال مدة معينة هي تاريخ صرف الشيك. وكموظفين في شركة خاصة إبّان فترة الركود الاقتصادي العالمي، نفذنا التعليمات بحذافيرها، وعلّق كل منّا شيكه بجانب مكتبه، واثقين بأننا سنكسب المئة ألف دينار تلك خلال عام بينما نعمل في وظيفة بلا راتب ثابت أو تأمين صحي. لكن الأشهر توالت من دون أي تغيير على أوضاعنا المالية، ولا أثر لمبالغ هائلة في الأفق، وقبل أن ينقضي العام، عمد كل منا إلى إزالة شيكه المعلق فوق رأسه، وتمزيقه إربًا وإلقائه في سلة المهملات. وكانت تلك نهاية علاقتنا بكتاب السر.

قانون الجذب الذي يتمحور حوله كتاب السر هو واحد فقط من معتقدات كثيرة تروّج لها حركة العصر الجديد، في سعيها إلى تقديم مفاهيم روحانية جديدة وإحياء معتقدات باطنية قديمة مع محاولة إلباسها ثوبًا علميًا، والادعاء بقدرة تلك المعتقدات أو الممارسات على التأثير في العالم الخارجي أو تحقيق الأهداف أو علاج الأمراض، تحت مسميات مختلفة تدرج نفسها تحت علم النفس، أو التنمية الذاتية، أو الطب البديل، وغيرها من المسميات التي تنسب إلى نفسها صفة العلم، والتي أوجدت لنفسها سوقًا بملايين الدولارات حول العالم، وجمهورًا عريضًا من البائسين الباحثين عن حلول سحرية، أو ربما من المترفين الذين يحلو لهم الحديث عن مسؤولية الإنسان -والإنسان فقط- عن ظروفه.

والحق أنك أينما ذهبت ستجد مدافعين عن أمور كالعلاج بالطاقة وتقنيات البرمجة اللغوية العصبية، ولن يبخلوا عليك بالبراهين والقصص التي تثبت صحة تلك الادعاءات، وإن لم يكن من أدلة علمية ملموسة تدعمها، بل قد يقدمون أنفسهم كأمثلة حية على نجاعة هذه الوسائل. إذًا، وفي ظل كل هذا الجدل، كيف نرسم الحد الفاصل بين العلم والعلم الزائف؟

معايير ناقصة

حتى اليوم لم يتفق العلماء على معيار واحد يمكن به تمييز العلم عن العلم الزائف. وإن كانت من الشروط البديهية لأي علم قابليته للتحقيق، أي تقديم الأدلة التي تدعم النظرية، إلا أنّ هذا ليس كافيًا بحال من الأحوال لاعتبار ما تدعيه النظرية علمًا صحيحًا. لنأخذ العلاج بالطاقة كمثال: ستجد في جعبة المدافعين عنه عددًا لا يُحصى من قصص الناس الذين ساعدهم ذلك على التخلص من الاكتئاب أو من آلام المفاصل، وغير ذلك من الاضطرابات النفسية والجسدية. وجود أمثلة مؤيدة لا يعني عدم وجود حالات لم ينجح فيها هذا العلاج، لكن العقل البشري يميل إلى التركيز على الأمثلة المؤيدة وإغفال الأمثلة المضادة لمنهج معين يؤمن به، أو يحب أن يؤمن به. وقد يكون انحياز التأييد هذا مقصودًا ومتعمدًا من قبل المستفيدين من هذه الممارسات، لا عجب في ذلك والطب البديل الآن صناعة يُقدّر سوقها بثلاثين مليار دولار. في الواقع، الاعتماد على الأدلة الفردية هو إحدى سمات العلم الزائف التي أشار إليها العلماء مرارًا.

ولما كانت القابلية للتحقيق معيارًا غير كافٍ ولا فاصل للبت في مسألة تمييز العلم الصحيح، اقترح كارل بوبر معيارًا معاكسًا هو «قابلية التكذيب». في رأي بوبر، لا يمكن أن تُعتبر نظرية ما علمية إلا إن قدمت افتراضات يمكن أن تثبت خطأها حال تحققها. لنعد إلى قانون الجذب، قد يستنفر جمهور كتاب «السر» لدى سماع القصة التي ذكرتها في بداية المقال، وسيشيرون إلى أني وزملائي في العمل لم نفهم رسالة الكتاب الحقيقية، ويعزون فشلنا في تحصيل الشيكات إلى سذاجتنا وتفكيرنا اللامنطقي. المشكلة هنا أننا حتى لو قلنا إننا طبّقنا تعليمات الكتاب بحذافيرها، لا يمكننا أن نثبت ذلك، ويمكن أن نحمل دائمًا مسؤولية فشلنا بحجة «أن طاقتنا الذهنية لم تكن سليمة»، أو «أننا لم نكن مؤمنين بتحقق النتائج فعلًا». وكل هذه ادعاءات لا يمكن إثبات صحتها من عدمها، وهذا فارق آخر بين العلم الصحيح والعلم الزائف، فالطبيب الذي يعطي المريض دواءً لعلاج الحساسية مثلًا سيسلّم بوجود خطأ في الدواء إن لم ينجح في علاجه، أما من يدعون علاج مرض عضال بتقنيات التأمل فيمكنهم دائمًا إلقاء لوم فشل العلاج على المريض نفسه بقول «إنه لا يملك الإيمان الصافي بالشفاء» مثلًا. وهذه سمة أخرى تميز العلم الزائف، وهو أنه يحصّن نفسه من التكذيب، ويلقي عبء الخطأ على المتلقي. ومع أنّ معيار قابلية التكذيب الذي قدّمه بوبر لم يلقّ قبولًا من جميع العلماء بوصفه ليس كافيًا وقد يؤدي إلى قتل نظريات علمية حقيقية في طور التكوين، إلا أنه يبقى مؤشرًا لا يجب إغفاله حين يتعلق الأمر بتمحيص الممارسات المدعية للعلم.

بشكل أقل حدية، رأى ريتشارد ماكنالي أنه لا جدوى من البحث عن معايير صارمة للتمييز بين العلم والعلم الزائف، وأن مصطلح العلم الزائف (Pseudoscience) مجرد تعبير ازدرائي يلجأ إليه المرء لتسفيه خصومه بدلًا من بذل الجهد المطلوب في الجدل وتفنيد ادعاءاتهم منطقيًا، ومن هنا يرى ماكنالي أنه بدلًا من إشغال أنفسنا بإثبات أن ممارسة ما هي ضرب من الخرافة، يمكننا بكل بساطة وبشكل مباشر أن نسأل: «ما دليلك؟» مع الانتباه إلى ما يُعتبر دليلًا حقيقيًا، فمجرد عرض حالات لأشخاص نجحت معهم ممارسات معينة من العلاج بالطاقة أو قانون الجذب لا تعدو كونها حالات مؤيدة. وهنا، عند غياب القدرة على تقديم أدلة ملموسة وقابلة للقياس، يكون لدينا مؤشر آخر للحذر قبل قبول شيء ما على أنه علم صحيح. فإن عدنا إلى العلاج بالطاقة، فقد أقام العلماء فعلًا الحجة على بعض من يدعون امتلاك قدرات على «العلاج باللمس»، ليروا إن كانوا بوسعهم الشعور «بطاقة الحياة» لطفلة في التاسعة إن كانوا لا يرونها. النتيجة أن هؤلاء «المعالجين» استطاعوا الشعور بطاقة الطفلة بشكل صحيح في 44% من المرات فقط في 280 تجربة، وهذا مما يؤيد الافتراض بأنّ الطاقة التي يشعر بها أولئك المعالجون موجودة في أذهانهم فقط.

مثال آخر على ذلك ما يُسمى بالوقوف العائلي (Family Constellations)، وهو ممارسة علاج نفسي طورها طبيب ألماني يُدعى «بيرت هيلينغر»، تعزو المشاكل النفسية لدى الشخص إلى وجود ارتباطات غير واعية مع أسلافه المتوفين (وهذا أمر مختلف عن دور العوامل الوراثية في تناقل نزعات القلق والاكتئاب أو أشكال الرهاب المختلفة، المدعومة بأدلة علمية). يرفض العلماء هذا الادعاء بناءً على عدم وجود دليل يثبت وجود تأثيرات فيزيائية كمية على المستوى البيولوجي، لكن كيف يمكنك أن تثبت وجود -أو عدم وجود- علاقة بين شعورك بالوحدة وبين جدك الأكبر الذي غرق في سفينة قبل سبعين عام؟ والأمر لا يتعلق فقط باستحالة تقديم الدليل، بل بصعوبة شرح التقنية لمن لا يعرفها، فببحث بسيط على الإنترنت ستجد مقابلة مع إحدى الممارِسات التي تدربت على يد هيلنغر وتقيم جلسات علاج عائلي في عمّان تكلف 100 دينار للشخص، وحين طُلب منها أن تشرح ما هو، تلعثمت عاجزة عن إيصال الفكرة وقالت «لا يمكنك أن تفهمه إلا إن حين تجربه».

لكن حتى وبعد تقديم أدلة مفندة يبقى هناك من يتمسكون ببعض المعتقدات والممارسات ضاربين بعرض الحائط كل ما يثبت زيفها، مما يطرح السؤال: لماذا يتعلق الناس بالخرافة؟

منابع الخرافة

لعلّ السؤال الذي يجب أن نسأله أولًا، لماذا تظهر العلوم الزائفة في عصر العلم والتجربة، وكيف تلقى هذا القبول؟

من الملفت أن كثيرًا من صيحات اللامعقول الرائجة الآن والتي تُقدّم في إطار علم النفس أو الطب البديل أو التنمية الذاتية قد نشأت في دول متقدمة علميًا، وإن كانت تستمد مبادئها في كثير من الأحيان من معتقدات وديانات شرقية قديمة، واقعة في فخ الاحتكام إلى القديم الذي فقد سلطته عبر الزمن مع تطور العقل البشري وأدواته، فتعيد ترميم بنيانه الذي انهار أمام معول المنطق والتجربة. يقول د. فؤاد زكريا في كتاب «التفكير العلمي»: «يمثل الفكر الخرافي في الغرب ردّ فعل على العلم المتغلغل في صميم كيان المجتمع، ومحاولة للتخلص من قبضة تلك العقلانية المحكمة التي تمسك بجميع جوانب حياة الناس. إنه تعبير عن تمرد الشعوب الخاضعة للعقل على هذا العقل نفسه، ورغبتها في الخروج عنه. ولا يتم ذلك إلا بصورة مؤقتة لأنها في النهاية تعود إليه».

وفي كتاب «الحنين إلى الخرافة»، يعزي الدكتور عادل مصطفى أسباب رواج اللامعقول في الوقت الراهن إلى عوامل كثيرة تبدأ من نوعية الجمهور واللغة والأسلوب الخاص لهذا اللامعقول، ولا تنتهي بالحاجات التسويقية وعادات الاقتصاد التنافسي وثقافة العقاقير والتغييرات التكنولوجية، وغير ذلك من الأسباب التي تظهر وجود أبعاد مختلفة للمسألة.

إنّ كثيرًا من الممارسات الزائفة تنبع في الأصل من أفكار علمية، أو تتبناها كجزء منها. قانون الجذب مثلًا ذو علاقة وثيقة بنظرية «النبوءة المحققة لذاتها»، إذ أن توقعات المرء تؤثر في طريقة تعاطيه مع الناس وتصرفاته في المواقف المختلفة، وبالتالي فإنها تؤثر في مجريات حياته، وإن كانت ادعاءات قانون الجذب تتعدى ذلك إلى أمور غير مثبتة علميًا، كفكرة قدرة العقل على إحداث تغيير في العالم المادي. في الواقع، كثير من هذه المعتقدات والممارسات تدعي جذورًا لها في الفيزياء، فمنذ الثورة التي أحدثتها نظرية فيزياء الكمّ بدأت نظريات أخرى غير علمية بالضرورة تتفرع عنها، مدعية أن العقل هو ما يصنع الواقع، وأنه لا وجود لواقع موضوعي خارج حدود العقل، ومن هنا نشأت نظريات مختلفة تفترض قدرة الإنسان على تغيير واقعه بقوة عقله وأفكاره. ومن ذلك أيضًا استعارة «علم الطاقة» لمفهوم الطاقة في الفيزياء، علمًا بأن تعريف «الطاقة» في الفيزياء لا يعترف بأشكال الطاقة التي يدعيها سدنة العصر الجديد، ولا بوجود حقول طاقة تحيط بالجسم البشري يمكن لأجهزة خاصة -أو أشخاص ذوي قدرات خاصة- رؤيتها وقياسها.

وكما أنّ العلوم الزائفة تحصّن نفسها بإلقاء عبء البرهان على خصومها وعبء الفشل على المتلقي، فإنها تفعل ذلك أيضًا باتخاذ موقف دفاعي-هجومي من العلم والعلماء. وقد تجد من الناس من يلوح بورقة «جاليليو»، مستحضرين إرث العالم الذي حوربت نظرياته قبل أن يتم قبولها والبناء عليها كنظريات علمية، واضعين أنفسهم معه في مركب واحد، متناسين أن جاليليو دعم نظرياته بأدلة قابلة للقياس، بينما حاربه مكذبوه لأسباب غير منطقية، وأنه في مقابل حالة جاليليو وأمثاله ممن قدموا نظريات علمية قوبلت بالرفض في البداية، فإن التاريخ يزخر بالنظريات التي تم رفضها ومن ثم تم دحضها بالفعل، وقد صاغ الفلكي الأمريكي كارل ساغان ذلك في قوله: «نعم، لقد ضحكوا على كوبرنيقوس وضحكوا على آينشتاين، لكنهم ضحكوا أيضًا على بوزو المهرج».

تربة خصبة

من الأمور المهمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار أن الخرافة تثبت أقدامها في الأرض باستغلالها للحاجات والمخاوف البشرية. تاريخيًا، قبل أن يطور الإنسان الوسائل العلمية التي مكنته من سبر أغوار الطبيعة ومعرفة أسباب الظواهر الكونية، كان البشر يلجؤون إلى الخيال لتفسير ما يحيط بهم من ظواهر، وحاكوا حولها عددًا لا متناهيًا من الأساطير. ولعلنا ما زلنا نحمل تلك النزعة التي ورثناها عن أجدادنا، فترانا نلجأ إلى اللامعقول حين يعجز المنطق عن حل مشاكلنا، وهكذا ترى أن من يلجؤون إلى هذه الممارسات الجدلية يكونون في حالة احتياج تدفعهم إلى التعلق بأي بصيص أمل مهما كان بعيد الاحتمال، فمن يحاولون جاهدين توظيف قانون الجذب لجذب الشريك المثالي، أو المرضى الذين يلجؤون إلى علاجات الطب البديل يكونون على الأغلب قد جربوا الكثير ومروا بالكثير قبل الوصول إلى ذلك.

إن الخرافة تزدهر بفضل النزعات البشرية الطبيعية التي تساهم في إعطائها شرعية واستمرارية، كنزعة العقل البشري إلى التركيز على الأمثلة المؤيدة وإهمال الأمثلة المضادة، وإيجاد المعنى حيث لا يوجد معنى بالضرورة، والتصديق الشخصي، وغيرها من الأمور التي تساعد على تأكيد صدق هذه الممارسات. كما يجب ألا نغفل العامل البيولوجي، حيث تلعب ظواهر طبية كالأثر البلاسيبي أو الهجوع التلقائي للمرض دورًا في عملية الشفاء قد يُعزى خطأ إلى ممارسات غير طبية. ولا ننسى أن بعض علاجات الطب البديل تتضمن الكثير من التأمل والاسترخاء، مما يعزز إفراز الدوبامين والسيراتونين في الدماغ، مما يعطي شعورًا فوريًا بتحسن المزاج وتخفيف الألم، ناهيك عن العامل الاجتماعي، حيث تعمل الممارسات التي تتم بشكل جماعي على زيادة الأثر الإيجابي على الأفراد من خلال التعزيز الجماعي، مما يدعم مصداقية هذه الممارسات وينسب إليها نتائج قد لا تكون ناتجة عنها بحد ذاتها.

وقد يسأل سائل هنا، ما دامت هذه الممارسات تعود بالنفع ولو بشكل مؤقت على من يعتقدون بها، فلمَ لا نتركها وشأنها؟

بين الشخصي والموضوعي

من حق كل إنسان البحث عما يجد فيه راحته وسعادته، كما من حق كل إنسان الاحتفاظ بشيء من السحر في حياته، ونحن إذ نجادل في مصداقية هذه الممارسات فإننا نبحث فيها من زاوية علمية موضوعية تتناول أي ظاهرة بعين الشك والتمحيص، في محاولة لتبين صدق ادعاءاتها من عدمه، لا من أجل إدانة من يؤمن بها أو تحريم ممارسته لها.

لكن، لا بد من الحذر في التعامل مع أي ممارسة تقدم وعودًا كبيرة وتشحن نفوس الناس بالآمال والتوقعات، خاصة حين تكون هذه الادعاءات عصية على التكذيب كما ذكرنا، وقد تلقي بفشلها على من لجأ إليها طالبًا العون، فتعطي نتائج عكسية وتهدم من حيث قصدت أن تبني. ناهيك عن أن اللجوء إلى الممارسات الزائفة، كالعلاجات الكاذبة مثلًا، قد يلحق أضرارًا حقيقية بالمريض، أو يستنزف وقته وماله، أو يعيقه عن اتباع وسائل العلاج الحقيقية.

إن قصور العقل البشري عن إدراك أسرار الكون يدعونا إلى ألا نرفض كل شيء لمجرد أنه يخالف العلم السائد، فالعلم ليس نظام معتقدات ثابت، بل هو وسيلة لاستكشاف العالم وحل ألغازه وفك رموزه، وكثيرًا ما تم اكتشاف أمور مع تطور العلم وأدواته كانت تُعد سابقًا ضروبًا من الخيال، وما زالت تتكشف لنا يومًا بعد يوم، وفيها من الدهشة والسحر ما قد يفوق الخرافة.

إلا أنّ هذا الانفتاح لا يعني أن نقبل كل فكرة جديدة بشكل مباشر، بل أن نتناولها بعين الارتياب والشك المنهجي، والبحث في الأدلة التي تثبت صدقها من عدمه. أما الهجوم فهو صفة الخائف المتشبث بأفكار يخشى تغيرها أو انهيارها أمام أي اكتشاف جديد، فالعلم الصحيح لا يخشى التغير والتقدم، بل ينشده ويسعى إليه، ما دعمته الأدلة وأيده المنطق.