التايكواندو: حزام الرياضة الأردنية الذهبي

لاعبة التايكواندو جوليانا الصادق، تصوير: ممدوح أبو الغنم.

التايكواندو: حزام الرياضة الأردنية الذهبي

الأربعاء 19 أيلول 2018

من نادٍ رياضي واحد عام 1980 إلى نحو 150 ناديًا حاليًا انتشرت رياضة التايكواندو، وأصبح لمعان الذهب والفضة والبرونز على صدور اللاعبين في مختلف البطولات الرياضية العالمية شاهدًا على التطور الذي شهدته اللعبة في الأردن، فلم تكد تنتهي دهشة إنجاز شباب التايكواندو في دورة الألعاب الأولمبية الآسيوية «الآسياد»، التي أقيمت مؤخرًا في إندونيسيا، بتحقيق أربع ميداليات، واحدة منها ذهبية، حتى تمكنوا من الحصول على ميداليتين ذهبيتين وثالثة فضية في بطولة روسيا المفتوحة للشباب، عوضًا عن أول ذهبية في تاريخ المشاركات الأردنية الأولمبية التي حققها اللاعب أحمد أبو غوش في أولمبياد «ريو دي جانيرو» عام 2016.

لم تكن اللعبة منتشرة أو معروفة في الأردن حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، عندما طلبت قوات «الحرس الخاص» في الجيش فريقين من مدربي التايكواندو من «تايوان» لتدريب منتسبيها عليها كرياضة للدفاع عن النفس، فحضر الفريق الأول وغادر بعد انتهاء مهمته، ثم حل مكانهم الفريق الثاني وأنهى المهمة أيضًا، ولكن لم يغادر المدرب «تشن تشوا هوا» (Chion-Hwa Chen) وبقي في الأردن حتى اليوم.

«تشن تشوا هوا» جاء ليبقى 

جاء تشن الذي يحمل الجنسية الأردنية حاليًا، ضمن الفريق الثاني من المدربين وكان عمره عندئذ 24 عامًا، بقي لمدة عام وهي الفترة المتعاقد عليها، لكنه تعرف في تلك الفترة إلى الأمير حسن، ولي العهد آنذاك، الذي طلب منه البقاء وتدريبه مع عدد من الأمراء على التايكواندو، مع الاستمرار في تدريب أفراد «الحرس الخاص» و«مدرسة المشاة»، فبدأت العلاقة بينهما بالتجذر.

كان تشن يرى أن اللعبة لن تتطور في الأردن إلا إذا تجاوزت الأسوار العسكرية، فأنشأ -بعد موافقة الأمير- أول مركز لتدريب التايكواندو في الأردن عام 1980، بحسب تشن الذي بلغ السبعين من عمره هذا العام.

البداية: مركز جبل عمان

أشجار كثيفة في باحة المركز الخارجية، وأصوات أطفال في صالة التدريب الداخلية، يقول تشن بلغة إنجليزية لا تخلو من بعض الكلمات العربية وهو يشير إلى الأشجار: «كما زرعناها هنا، زرعنا هذه اللعبة، فكبرت مع عدد من الأجيال على مدى 45 عامًا، آخرهم يتدرب الآن أمامنا»، وبحسب سجلات النادي فإن أكثر من 14 ألف متدرب ومتدربة، من مختلف الأجيال، التحقوا بالدورات التدريبية في النادي منذ تأسيسه حتى اليوم.

يُعدُّ تشن عرّاب التايكواندو الأردنية، وقد تسلم كافة المهام التدريبية والفنية والإدارية للمنتخبات الوطنية، على مراحل زمنية متعددة، ويقول إن «التايكواندو لم تكن تحظى بشعبية عندما جئت إلى هنا، أو عندما أنشأنا مركز جبل عمان، فكان من الصعب إيجاد مدربين أو حُكام للعبة»، لكنه اليوم يُلخص ما حدث معه بالقول: «كنتُ محظوظًا».

تشن تشوا هوا أشرَفَ على تدريب عدة أجيال من لاعبي التايكواندو على مدى 45 عامًا

تدريبات على الضربات الخلفية والجانبية للاعب

تمارين الإطالة واحدة من الركائز التدريبية للتايكواندو

في البداية، واجه تشن بعض الصعوبات منها ارتفاع أعمار المتدربين، فقد ضمت أول دورة تدريبية 28 متدربًا، كلهم ذكور، وتجاوز أغلبهم العشرين عامًا. وسعيًا منه لنشر اللعبة بشكل أوسع، اختار بعضًا منهم لتدريبهم كمُدربين وليس كلاعبين أو مجرد هواة، وكان من ضمن أولئك المدرب مخلد العساف، الذي أصبح مساعدًا لتشن في أولمبياد سيئول 1988، والمدير الفني للمنتخب الوطني للتايكواندو في أولمبياد برشلونة عام 1992، حيث حققت التايكواندو الأردنية فيهما ثلاث برونزيات شرفية.

الأولمبياد: من برونز 1988 إلى ذهب 2016

لم تكن ذهبية أحمد أبو غوش في أولمبياد «ريو دي جانيرو» في البرازيل عام 2016، الميدالية الأولى للتايكواندو وللرياضة الأردنية، لكنها الميدالية الأولمبية الأولى المعتمدة رسميًا، ففي أولمبياد سيئول عام 1988 حصل اللاعبان إحسان أبو شيخة وسامر كمال على برونزية لكل منهما، كما حصل عمار فهد على برونزية في أولمبياد برشلونة عام 1992، واعتُبرت الميداليات الثلاث شرفية، لأن التايكواندو لم تكن وقتذاك رياضة أولمبية معتمدة رسميًا، لكن لم تحقق التايكواندو الأردنية، بعد اعتماد اللعبة رسميًا في أولمبياد أثينا، أي إنجاز أولمبي حتى حصول اللاعب أحمد أبو غوش على ذهبية «ريو».

عائلة الخليلي: التايكواندو في ثلاثة أجيال

محمود الخليلي (72 عامًا)، حاصل على حزام أسود (5 دان)، تدّرب على التايكواندو وبدأ بممارستها في سن السابعة والأربعين، والتحق به أبناؤه وبناته في سن مبكرة، ثم بعد نحو 30 عامًا من ممارسة اللعبة بشكل يومي تقريبًا، بدأ الأحفاد كذلك بممارسة اللعبة.

بلباس التايكواندو الذي يُوحي أن الخليلي أصغر سنًا وأكثر قوة من أبناء جيله، يقول إن التايكواندو غيرت من شخصيته وتعامله مع الآخرين وازدادت ثقته بنفسه، وإنه لم يتردد في أن تلعب بناته الثلاث هذه اللعبة القتالية.

ابنته «عبير» التي جاءت مع ابنها (8 أعوام) وابنتها (5 أعوام) لحصة التدريب اليومية في النادي، تتمنى أن يحقق أحد أبنائها أو أبناء شقيقاتها إنجازًا للعائلة، فالتايكواندو أصبحت «تمشي بدمنا، ما بتخيل يوم ما نيجي فيه على النادي».

إن كانت عائلة الخليلي تمارس التايكواندو كهواية، فإن عائلات أخرى تمكنت من تحقيق إنجازات فيها مثل عائلة الصادق وعائلة عمار فهد.

تحية التايكواندو بين الخليلي و حفيدته ليان قبل بدء التدريب

عبير الخليلي تصحب ابنها وابنتها لتدريبات التايكواندو

عائلة الصادق: أشقاء في التايكواندو

ثلاثة أشقاء من عائلة الصادق حققوا نجاحات لافتة، كان آخرها إنجاز جوليانا (24 عامًا) حاملة ذهبية الآسياد، لتكون أول رياضية عربية تحقق هذا الإنجاز، فيما يحمل شقيقها الأكبر يزن (25عاماً) فضية العالم عام 2010 وبطل ناشئي العالم عام 2008، كما يبرز الشقيق الأصغر أنس (19 عامًا)، ببرونزية آسيا وبرونزية ناشئي العالم.

تقول جوليانا التي تتدرب يوميًا ما بين 4–6 ساعات، إن حُلم «الآسياد» كان يراودها دائمًا: «كنت عارفة رح أجيب ميدالية، بس ما كنت بعرف أي لون، طموحي كان كبير، مشان هيك ما خفت، لو خفت كان ما اتوجت».

كان فؤاد الصادق والد الأشقاء الثلاثة، لاعبًا ثم أصبح مدربًا لأبنائه في بداياتهم، قبل أن ينتقلوا للعب في نواديهم ومن ثم في مركز الإعداد الأولمبي التابع للجنة الأولمبية الأردنية.

تعلقت جوليانا منذ صغرها بالتايكواندو، وقبل أن تحقق ذهبية الآسياد تمكنت من الحصول على فضية آسيا وبرونزية «غراند بري»، وأكملت دراستها في التربية الرياضية، متفرغة حاليًا للتدريبات اليومية في مركز الإعداد الأولمبي.

الأب والابن: عمار فهد وفهد عمار

«وأنا مروح من المدرسة كنت أمرق من باب مركز جبل عمان، أشوف مستر تشن، أقوله هالوو، ما كنت أعرف غيرها بالإنجليزي، بعدين صرت أفوت أتفرج شو بعملوا، وأنسى حالي هناك»، يقول اللاعب السابق عمار فهد (51 عامًا) عن بداية قصته مع التايكواندو.

لطالما وجدته والدته في المركز كلما تأخر خارج المنزل، فأقنعت والده الذي كان رافضًا لفكرة لعب التايكواندو بإلحاق «الولد» بإحدى الدورات بحجة تخفيف الوزن.

بدأ نجم عمّار يصعد بسرعة كبيرة، فواجه وهو في عمر الثامنة عشرة بطل العالم المصري عمرو خيري، المعروف بضرباته القاضية، في بطولة العالم عام 1987، «كان مستر تشن خايف علي، ظل يقولي إلعب دفاع، وأنا كان عندي رهبة لإنه ما عندي خبرة كافية حتى ألعب مثل هذه المباراة، لكني تمكنت من الفوز في الجولة الثالثة، وحصلت على برونزية العالم»، يقول عمار.

مدرب التايكواندو عمار فهد

كان المدرب تشن يخشى على الفتى اليافع من ضربات بطل العالم، ولم يتوقع له أن يحسم المباراة لصالحه، ومع ذلك أراد تشجيعه أكثر فلم يخبره أن تلك المباراة كانت على برونزية العالم، وأن هناك مباراة أخرى بانتظاره إذا تفوق على اللاعب المصري.

عمّار الذي يعمل اليوم مدربًا في المركز العربي للتايكواندو العائد للمدرب مخلد العساف، شجع ابنه فهد (15عامًا) على خوض غمار التايكواندو في سن صغيرة، لكن لم يكن لدي فهد شغف كبير بها حتى حصل على الحزام الأسود، فتشجع أكثر، وبدأ بتحقيق إنجازات متعددة كان آخرها فضية بطولة روسيا، وسبقتها ذهبية آسيا للأشبال.

«فارس العساف مدرب المنتخب الوطني حاليًا، كان يتدرب هنا عندما كان صغيرًا، وكنت أنا مدربه عام 2003، اليوم ابني فهد بتدرب عند فارس»، يقول عمار.

اللاعب فهد عمار مع المدرب فارس العساف

اللاعب فهد عمار مع المدرب فارس العساف

العساف: عائلة المُدربين

دخل العديد من أبناء عائلة العساف لعبة التايكواندو بعد أن افتتح مدرب المنتخب الوطني السابق مخلد العساف «المركز العربي» عام 1984 بالقرب من شارع مكة، فانتشرت اللعبة في المنطقة، وتمكن مخلد من تدريب اليافعين من أبناء عائلته، وكان من ضمنهم هايل، والد مدرب المنتخب الوطني الحالي فارس العساف، فبدأ الأب بتدريب نجله في المركز العربي، قبل أن يفتتح أكاديمية الفارس.

حقق فارس ذهبية العرب، وبطولة الفجر، قبل أن ينتقل إلى التدريب في عمر السادسة والعشرين، ويحقق الميدالية الذهبية الأولمبية مع اللاعب «أحمد أبو غوش» كمدرب، ويحصل على لقب أفضل مدرب عربي.

في مركز الإعداد الأولمبي، أنهى العساف (37 عامًا)، حصة تدريبية شاقة للمتأهلين الثلاثة (راما أبو الرب وزيد مصطفى ونتالي الحميدي) إلى أولمبياد الشباب الذي سيقام في الأرجنتين شهر أكتوبر المقبل، ولا يخفي العساف تفاؤله بإحراز إنجاز جديد في التايكواندو، مع شباب يافعين يتطلع أن يحققوا إنجازات أخرى في أولمبياد لوس أنجلوس عام 2024.

يَعتبر العساف أن المدربين واللاعبين الأردنيين كانوا يخشون الآخرين في السابق، ففارق الخبرة وتواضع المشاركات والاحتكاك كان «لصالحهم وليس لصالحنا»، اليوم تجذرت الخبرات المتراكمة للمدربين واللاعبين، وأصبح للاعب روح قتالية وإصرار على الفوز، فصارت التايكواندو الأردنية الرقم الصعب في البطولات العالمية: «صاروا همة يخافوا لما يواجه اللاعب الأردني».

صالح الشرباتي حامل برونزية الأسياد، ونتالي الحميدي المتأهلة لأولمبياد الشباب أثناء تدريبات اللياقة البدنية

التايكواندو تاج الإنجازات

«إنجازات البدايات، حققت إنجازاتنا اليوم»، بهذا لخص العساف تفوق التايكواندو في الأردن، ويعتقد أن الاستقرار الإداري ساهم في تلك الإنجازات، فيما يتفق مع آخرين على أن دعم الأمير حسن منذ البداية للعبة ساهم في انتشارها، خاصة في المشاركات والدعم الخارجي.

يعزو مدرب المنتخب الوطني السابق، خضر خليفة، إنجازات التايكواندو إلى حمى المنافسة بين النوادي المنتشرة في أغلب المناطق، إضافة إلى البطولات المتعددة التي لا تكاد تغيب شمسها طوال العام، لكافة الأوزان والفئات العمرية، والمشاركات الخارجية للأندية في مختلف البطولات.

كما يَعتبر خليفة أن مما يميز التايكواندو أنها لعبة مفهومة للجمهور الحاضر في الملعب، خاصة بعد أن أصبح التحكيم إلكترونيًا، فكل مشاهد في المنزل أو في الملعب يُمكنه أن يُدرك ما يحدث في المباراة، «كأنك بلعبة كرة قدم، بتعرف متى ييجي الهدف وبتعرف كم العدد بسهولة»، يقول خليفة.

ورغم الصورة الذهبية للعبة التايكواندو إلا أن هناك صعوبات تواجه لاعبيها ومدربيها، يتحدث خليفة عن صعوبات مالية تعاني منها الأندية في المشاركات الخارجية، أو في تنظيم البطولات المحلية، عدا عن الحفاظ على مستوى اللاعبين، «فليس المهم أن تصنع بطلًا، المهم أن تحافظ عليه»، يقول خليفة.

فيما يرى العساف أن المشكلة في «التوجيهي»، فصناعة اللاعب تبدأ في سن المبكرة، «بس لما نصل عند التوجيهي ينقطع اللاعب مدة سنة، وإذا انقطع سنة يعني مشكلة كبيرة، لازم يكون في توجيهي رياضي». ويعبر عن قلقه من التوجيهي على اللاعبين اليافعين الثلاثة (راما أبو الرب وزيد مصطفى ونتالي الحميدي) المشاركين في أولمبياد الشباب المقبل: «إذا انقطعوا يعني خسارة كبيرة».