البوتاس والفوسفات: ارقام وحقائق وتساؤلات موضوعية مع حلول مقترحة

الثلاثاء 10 كانون الثاني 2012

بقلم جواد جلال عباسي مؤسس و مدير عام مجموعة المرشدين العرب

ازداد في الاشهر القليلة الماضية الجدل والنقاش حول خصخصة شركتي الفوسفات والبوتاس. وشاب الكثير من النقاشات تخندق ايدولوجي وأحكام مسبقة مدججة بالقناعات المبدئية الايدولوجية. من المفيد ان ننظر الى الحقائق بتجرد وموضوعية ليتسنى تكوين راي واقتراحات موضوعية لانهاء الجدل العنيف والاتفاق على منطقة مشتركة بين الاراء المختلفة تخدم الاردن والاردنيين.

خصخصة البوتاس بالارقام:

• خصخصت الحكومة شركة البوتاس في 2003. في 2002 قبل الخصخصة بلغت ارباح الشركة الصافية 15.3 مليون دينار اردني وبلغت خسائرها 56 مليون دينار اردني في 2003 بسبب اطفاء خسائر شركاتها التابعة.

• في ثماني سنوات ما بين 2004 والربع الثالث من 2011 دفعت الشركة رسوم تعدين وضرائب للحكومة بمجموع 418 مليون دينار اردني. وكانت نسبة ضريبة الدخل الفعلية عليها (بعد حساب رسوم التعدين كضريبة) 46% في 2004 و38% في 2005 و36% في 2006 و17% في 2007 و26% في 2008 و31% في 2009 و30% في 2010 و 26% في 2011.

• في 2004 ازدادت اسعار البوتاس عالميا بنسبة 10% لتصل الى 125 دولار اميركي للطن. وبلغ رسم تعدين الطن 8 دينار بنسبة 9% من السعر العالمي. وارتفع السعر العالمي الى 158 دولار في 2005 و175 دولار في 2006 و200 دولار في 2007. لكن رسم التعدين بقي ثابتا على 8 دينار لكل طن بنسبة اقل من 6% من السعر العالمي في 2007. وفي 2008 ارتفعت اسعار البوتاس الى 570 دولار وتم رفع سعر التعدين الى 15 دينار للطن في اذار 2008 ومن ثم الى 125 دينار للطن في ايلول 2008 (وصلت نسبة رسم التعدين الى 31% من السعر العالمي). وفي 2009 ارتفع سعر طن البوتاس الى 630 دولار (رسم التعدين 28% من السعر العالمي) ومن ثم انخفض الى 332 دولار في 2010 (رسم التعدين 53% من السعر العالمي) وعاد وارتفع الى 427 دولار في 2011 (رسم التعدين 41% من السعر العالمي). لكن هناك سقف على مدفوعات رسوم التعدين بأن لا يتجاوز 25% من الربح الصافي للشركة. وعليه كانت القيمة الفعلية لرسم التعدين بالطن في الاشهر التسعة الاولى من 2011 27 دينار للطن و20 دينار للطن في 2010 و30 دينار للطن في 2009 و34 دينار في 2008 بسبب هذا السقف (اي انه لم يصل ابدا الى 125 دينار للطن).

خصخصة الفوسفات بالارقام:

• خصخصت الحكومة الشركة في 2006. في 2005 قبل الخصخصة بلغت ارباح الشركة الصافية 10.3 مليون دينار اردني وبلغت ارباحها في 2006 16.7 مليون دينار اردني.

• في خمس سنوات ما بين 2007 و الربع الثالث من 2011 دفعت الشركة رسوم تعدين وضرائب للحكومة بمجموع 91.4 مليون دينار اردني. وكانت نسبة ضريبة الدخل الفعلية عليها (بعد حساب رسوم التعدين) 29% في 2006 و 12% في 2007 و 15% في 2008 و16% في 2009 واقل من 13% في 2010 و2011.

• في 2006 ازدادت اسعار الفوسفات عالميا بنسبة 5% لتصل الى 44 دولار اميركي. وبلغ رسم تعدين الطن 1.42 دينار للطن (وهو بالمناسبة كان 5 دنانير للطن قبل 2001) بنسبة 4.5% من السعر العالمي. وارتفع السعر العالمي الى 71 دولار في 2007 بنسبة 60% وبقي رسم التعدين ثابتا عند 1.42 دينار للطن (منخفضا الى 2.8% من السعر العالمي). ثم قفز السعر العالمي في 2008 الى 346 دولار بنسبة 387% وبقي رسم التعدين ثابتا عند 1.42 دينار للطن (منخفضا الى 0.6% من السعر العالمي). ثم انخفض الى 122 دولار للطن في 2009 وبقي رسم التعدين ثابتا عند 1.42 دينار للطن (بنسبة 1.6% من السعر العالمي) وارتفع السعر العالمي في 2010 الى 123 دولار وبقي رسم التعدين ثابتا عند 1.42 دينار للطن (بنسبة 1.6% من السعر العالمي) وعاد السعر العالمي وقفز الى 181 دولار في 2011 وبقي رسم التعدين ثابتا عند 1.42 دينار للطن (بنسبة 1.1% من السعر العالمي)

التحليل:

موضوعيا السبب الرئيس لارتفاع ارباح الشركتين كان الارتفاع العالمي الكبير في اسعار البوتاس والفوسفات وليس الخصخصة وتحويل الادارة. مع التنويه بان الادارة الجديدة في البوتاس خصوصا اوصلت ارباح الشركة الى ارقام قياسية لم تشهدها من قبل ابدا كون الشركة الان مرتبطة مع واحدة من اكبر منتجي الفوسفات عالميا. فاعلى معدل سعر لخام البوتاس وصل الى 630 دولار في 2009 مرتفعا عن سعر نفس الخام في 2002 (قبل التخصيص) بنسبة 456% بالمائة. واعلى معدل سعر لخام الفوسفات وصل الى 346 دولار في 2008 مرتفعا عن سعر نفس الخام في 2005 (قبل الخصخصة) بنسبة 723%. وبقي رسم التعدين على الفوسفات ثابتا!

تلام الحكومة (او الحكومات) التي ادارت ملفي خصخصة الشركتين كثيرا في المفارقات الصارخة في موضوع رسوم التعدين. وههنا بعض التساؤلات التي تبين هذه التناقضات:

• لماذا رسم تعدين بقيمة 125 دينار على طن البوتاس (41% من السعر العالمي في 2011) وفقط 1.42 دينار على طن الفوسفات (1% من السعر العالمي في 2011)؟ لما لا تكون النسبة موحدة؟

• طالما ان الشركتين شركتا تعدين تستغلان خامات ناضبة فلماذا تكون الضريبة الفعلية عليهما مختلفة؟ في 2010 كانت نسبة الضريبة الفعلية على شركة البوتاس (بعد حساب رسم التعدين) 30% مقابل 12.7% فقط على شركة الفوسفات؟

من غير المفهوم ابدا ان يكون رسم التعدين مرتبطا بالوزن من دون اي علاقة مع سعر البيع العالمي. الم تسمع الحكومات التي خصخصت الشركتين بنظام المشاركة بالعوائد الذي يعطي الحكومة نسبة واضحة من عوائد مبيعات الشركات وهو المطبق منذ 1996 مع شركات الاتصالات الخليوية؟ بالمناسبة كنت قد كتبت في العرب اليوم في كانون الثاني من 2009 تحليلا عن ” استخدام قطاع الاتصالات الخلوية كنموذج لقطاع التعدين في الاردن” وقلت فيه بالحرف ” فالقطاع الخليوي هو مصدر وطني لا ينضب ابدا فيما ثروات الاردن المعدنية من بوتاس وفوسفات هي ثروات غير متجددة مما يحتم استغلالها بالشكل الامثل بتعديل اسلوب رسوم التعدين المتبع حاليا ليصبح مشابها لاسلوب المشاركة بالعوائد المتبع في قطاع الخدمات الخليوية. فالوضع الحالي الذي يحدد رسوم التعدين للشركتين بقيمة محددة لكل طن بغض النظر عن السعر العالمي للبيع يحمل في طياته غبنا للوطن في حالة ارتفاع الاسعار العالمية و وغبنا للشركات في حال انخفاض الاسعار بشكل كبير. اسلوب رسوم التعدين المرتبطة بحجم التعدين لا باسعار البيع كان مناسبا عندما كانت الخزينة من كبار مالكي الشركتين فكان ما لا يحصّل عبر رسوم التعدين يصل بالنهاية الى الخزينة عبر الارباح الموزعة. اما الان فبعد التخصيص وبيع الحصص الحكومية فان تطبيق اسلوب المشاركة بالعوائد كما في قطاع الاتصالات الخليوية هو الاسلوب الانجع بدلا من التعديل المتكرر لرسوم التعدين”.

مقترحات:

لم يفت الاوان للتصحيح. وطبعا تحليل الارقام موضوعيا لا يعني البتة ان يتفق الجميع على الحلول. برأيي الشخصي الحلول التي قد ترضي الجميع (بحيث لا يجوع الذئب ولا تفنى الغنم) قد تكون في تطبيق الاتي:

• تعديل رسوم التعدين لتصبح نسبة من السعر العالمي بدلا من المبلغ المقطوع. فاسلوب المبلغ المقطوع جعل ضريبة الدخل الفعلية على الشركتين تنازلية تنزل فيها النسبة الفعلية مع ازدياد مبيعات وارباح الشركتين! مثلا نسبة ضريبة الدخل الفعلية على البوتاس في 2008 كانت 26% وهو عام ارباح قياسية لم تتحق من قبل فيما كانت النسبة 46% في 2004 وكانت الارباح عادية! اما الفوسفات فنسبة ضريبة الدخل الفعلية عليها اقل من 13% في 2010 وهي اقل من العبء الضريبي على عائلة متوسطة الدخل في الاردن تدفع 16% ضريبة مبيعات على استهلاكها!

• تحديد نسبة مشاركة العوائد بحيث تكون نسبة ضريبة الدخل الفعلية (شاملة رسوم التعدين) للشركتين مقاربة لما تدفعه شركات الخليوي. فتكون حوالي 40% الى 45% من مجمل الارباح.

• تعديل وتحصيل رسوم التعدين باثر رجعي بحيث لا تقل نسبة رسم التعدين من السعر العالمي عن تلك النسبة السائدة في سنة ما قبل التخصيص لكل من الشركتين. وتكون هذه بشكل ضريبة المرة الواحدة (windfall tax) والتي تملك اي دولة ذات سيادة فرضها. مثلا فرضت حكومة بريطانيا العمالية في التسعينات ضريبة المرة الواحدة على شركات الكهرباء التي خصخصتها قبلا حكومة المحافظين. كذلك تستخدم الدول الديموقراطية اسلوب ضريبة المرة الواحدة (windfall tax) مع شركات التعدين والنفط عند حصول ارتفاع مفاجئ في ارباحها لاسباب تتعلق بالاقتصاد الكلي وليس بالشركات نفسها. عمليا في البوتاس كانت نسبة رسم التعدين الى السعر العالمي 10% قبل الخصخصة وحساب هذه النسبة كحد ادنى لرسم التعدين عن السنوات السابقة يجعل ضريبة المرة الواحدة على البوتاس تقديرا لسنوات 2004 الى 2011 حوالي 24 مليون دينار تدفع مرة واحدة فقط. وفي الفوسفات كانت نسبة رسم التعدين الى السعر العالمي 4.8% قبل التخصيص وحساب هذه النسبة كحد ادنى لرسم التعدين عن السنوات السابقة يجعل ضريبة المرة الواحدة على الفوسفات 98 مليون دينار مرة واحد فقط عن سنوات 2006 الى 2011. ويكون مجموع ضريبة المرة الواحدة للشركتين 122 مليون دينار.

• فتح الباب امام استثمارات جديدة في قطاعي الفوسفات والبوتاس عبر مزادات شفافة تدفع فيها الشركات الجديدة رسوم رخص عالية مقابل حقوق التعدين لسنوات معينة بالاضافة الى مشاركة العوائد عبر رسوم التعدين. ففتح السوق يزيد من الاستثمارات والقدرة التصديرية وفرص العمل والعوائد للخزينة.

• اخيرا لا بد من شفافية كاملة في ملفات الخصخصة القديمة للتمحيص في القرارت بشأن رسوم التعدين ووعود الامتيازات الحصرية وظروف اتخاذها.

بالمناسبة املك اسهما بشركة الفوسفات.