من الحارة إلى البولفار: يوم ماطر في باريس

الأربعاء 19 حزيران 2019
لوحة يوم ماطر في باريس، لجوستاف كايبوت، معروضة في معهد الفن في شيكاغو

على مدى عشرين عامًا، راقب الباريسيون بمزيج من الفزع والدهشة مدينتهم تتلاشى لتظهر مكانها واحدة جديدة بالكامل. ففي العام 1853، أعطى الإمبراطور نابوليون الثالث ضوءًا أخضر لعمدة باريس، البارون هوسمان، لاتخاذ ما يلزم من الإجراءات لإنقاذ مدينة متداعية صارت تختنق بشوارعها الضيقة وأبنيتها الخشبية المتكدسة، وتعيش تحت التهديد الدائم للأوبئة والحرائق.

مقابل المزيد من النور والمساحات الخضراء، وتحويل باريس إلى عاصمة مبهرة لا مثيل لها، تليق بالإمبراطورية الجديدة، دمّر هوسمان أكثر من نصف المدينة التاريخية التي محيت من الخارطة دون رجعة. وعام 1877، أي خلال المراحل الأخيرة من ولادة باريس «الهوسمانية» كما نعرفها اليوم، ترك لنا الفنان الفرنسي الشاب آنذاك، جوستاف كايبوت، لوحته الأهم ربما، بعنوان شارع من باريس، يوم ماطر، والتي تظهر مجموعة باريسيين يتجولون في أحد الأحياء الحديثة.

يدخلنا كايبوت باريس الجديدة من أوسع أبوابها: «البولفار»، أي الشارع الطويل والعريض الذي شق منه هوسمان العشرات من الشوارع، والذي يستعرض الفنان هنا مفرداته: مبان متشابهة تمتد إلى اللانهاية، وشوارع مستقيمة كل ما فيها مضبوط إلى حد الهوس، من ارتفاعات المباني وتباعد الشبابيك وأضواء الرصيف، والأهم من ذلك، الطبقة الوسطى، ذلك المخلوق الغريب الذي وُلِد مع القرن التاسع عشر، والذي بدا وكأن إزاحة المدينة القديمة سمحت له بالتسرب خارج جحوره ليغزو الشوارع ببدلات سوداء وشماسٍ متطابقة، وبهوس بالعمل والتسلق الاجتماعي صار البولفار مسرحه الأساسي: «توقفت باريس للأبد عن كونها تجمعًا من بلدات صغيرة كل منها بملامح وطريقة حياة متمايزة، حيث يولد المرء ويموت دون أن يحلم يومًا بمغادرة بيته (…) فالمركزة وجنون العظمة خلقا مدينة مصطنعة لم يعد الباريسي يشعر فيها بالألفة»(1). بعبارات مماثلة، استمرت كتب التاريخ الفرنسية حتى القرن العشرين برثاء باريس القديمة واختفاء منظومة «الحارة» بكل ما تحمله من ألفة اجتماعية.

قد يتوهم البعض بأن تلك النقلة القسرية إلى الحداثة كانت استراتيجية قمعية خاصة بالدار البيضاء ودمشق وغيرها من المستعمرات، لكن الحقيقة هي أن الباريسيين كانوا أنفسهم ضحيتها الأولى. في لوحة كايبوت، يبدو ذلك الشعور بالغربة واضحًا، فتتحول العمارة التي أرادها الإمبراطور عظيمة وفخمة إلى عالم عدائي ينكمش بعيدًا عن قاطنيه، تردد جدرانه صدى عزلة الإنسان الحديث. أما أبنية البولفار، الغنية بالزخرفة في الحقيقة، فتفقد هنا ملامحها ولا يبقى منها إلا خطوط مملة ونوافذ رمادية صمّاء تأبى نقل ما بداخلها أو عكس ما حولها. ببصيرة ثاقبة، يبدو تأويل كايبوت للواقع كنبوءة بما ستصبحه العمارة الحديثة فعلًا بعد قرن.

في اللوحة، تجد البولفارات التي شُقت لتهوية المدينة طريقةً جديدة لخنق أهلها، فشخصيات كايبوت تدرك أنها مراقبة، وأن المدينة الجديدة بـ«البلاكين» والشبابيك الكبيرة والأضواء الغازية تحوّل الشارع إلى مسرح كبير، الجميع فيه ممثلون ومتفرجون معًا. ينظر الزوجان إلى يمينهما بنفس الزاوية إلى شيء ما (أو أحد ما) خارج نطاق نظرنا، ويعشش في اللوحة إحساس بالريبة والقلق الناتجين عن وعي الشخصيات المفرط بتحركات من حولهم، بأنهم مكشوفون في الفراغ، وفي ذات الوقت، لا توجد أي نظرات متلاقية، الشيء الذي يميز الكثير من لوحات النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

قد يتوهم البعض بأن تلك النقلة القسرية إلى الحداثة كانت استراتيجية قمعية خاصة بالدار البيضاء ودمشق وغيرها، لكن الحقيقة هي أن الباريسيين كانوا أنفسهم ضحيتها الأولى

يأخذ فعل النظر إذن معنىً جديدًا في المدينة الحديثة، وذلك لسببين، أولهما اجتماعي، حيث أدى التزايد السكاني وانتهاء نظام الحارات المنغلقة إلى مزيج ديمغرافي جديد على مستوى المدينة، فصارت تجربة المشي في البولفار عبارة عن اكتشاف مستمر لأشخاص غرباء ومجهولين، يرون بعضهم للمرة الأولى والأخيرة. أما السبب الثاني، فيعود إلى شكل المدينة. فبعكس الحارات القديمة التي نشأت بطريقة فوضوية وعفوية، جرى تصميم كل شارع وبناء في باريس الحديثة كي يكون محط أنظار، بالمعنى الحرفي للكلمة: فـ«البلاكين» الطويلة تستمر على طول الأبنية بخطوط متوازية تسحب النظر معها أفقيًا نحو آخر الشارع، حيث غالبًا ما يوجد معلم مهم أو صرح تذكاري ما، كما يؤدي توسيع الشارع وربط عرضه بطول الأبنية وتباعدها إلى مزيد من الضوء والفراغات، تسمح لكل تفصيل معماري وزخرفي بالظهور بوضوح، وكأنه معروض في متحف، يدعو المشاة للفرجة.

لم تعرف المدينة من قبل رؤية واسعة كهذه على الأفق، على السماء، وعلى ذاتها. وصدمت الفراغات الواسعة الباريسيين آنذاك لدرجة أن مجلس النواب اتهم هوسمان بخلق صحراء في وسط باريس، قاصدين بذلك بولفارد سيباستوبول الذي يبدو بلا نهاية.

في اللوحة، يلعب كايبوت على الخدع البصرية التي تخلقها تلك الفراغات الكبيرة، فإلى اليسار في العمق، يبدو أحد الأشخاص البعيدين وكأنه يقفز من العربة، بينما تبدو مظلة الرجل في الوسط كأنها تسير على قدمين: نكات غريبة ينجح عبرها كايبوت مجددًا باستباق ما سيحدث بعد نصف قرن، حين ستكون عشوائية الشارع هذه المسؤول الأول عن إشعال فتيل الحركة السريالية في باريس.

قد يبدو اليوم أقل من عادي على فنان أن يرسم مشهدًا من واقعه اليومي، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة في منتصف القرن التاسع عشر، حين كان الفن الأكاديمي قائمًا على تراتبية صارمة من المواضيع المقبولة، على رأسها المواضيع التاريخية والأسطورية التي افترض أنها تعبر عن قيم سامية وأبدية، بعكس الحاضر الذي لم يكن ببساطة يرقى لأن يكون موضوعًا للوحة.

شكل ذلك الانفصام واحدًا من أسس الذوق البرجوازي القائم على الفصل بين عالم صناعي حديث يضمن بقاءه، وفن يقوم على إنكار هذا الواقع باستحضار ماض مبهر وبطولي. أما لوحات كايبوت فجاءت لا مبهرةً ولا بطولية، فشكل مضرب مثل على ما سماه معاصره بودلير «رسام الحياة الحديثة»(2)، أي ذلك الذي يكرس فنه للتعبير عن كل ما هو «عابر وهارب» في الحياة اليومية، لا عن الأسطوري والأبدي. اكتسب كايبوت وزملاؤه كذلك لقب الـ«انطباعيين» لنفس السبب، ورُفضت أعمالهم من الصالونات الرسمية لأكاديمية الفنون الجميلة، منها لوحة كايبوت الأخرى هذه التي صارت اليوم إحدى أشهر أعماله.

لكن بينما ركّز الانطباعيون الأخرون على الطبيعة بما تولد من انعكاسات ضوئية ولونية، جاءت معظم لوحات كايبوت من العالم الحالم والموحش لباريس الهوسمانية، حيث يخيم ذات الشعور بالعزلة على شخصيات باهتة لا حضور حقيقي لها، تقف متخدرة في الشوارع وعلى النوافذ غارقةً في المدينة، تسرح بنظرها بعيدًا عنّا، خلف الأشجار أو تحت الجسر أو خارج الإطار، نحو أشياء لا نعرف ما هي، تتجاوز إدراكنا.

بالعودة إلى لوحتنا، يرافق كايبوت حداثة موضوعه بحداثة في التكوين، تظهر خصوصًا في الشخص المقصوص على اليمين الذي يبدو وكأنه يدخل اللوحة من طرفنا. يأخذ كايبوت فكرة خرق الإطار هذه من التصوير الفوتوغرافي، الذي كان قد بدأ بالانتشار. فالمصور يستخدم الكادر لعزل عيّنة من واقع موجود سلفًا، ملمحًا إلى أن ما نراه في الصورة هو جزء من شيء أكبر يمتد خارجها، بعكس الرسم، الذي لطالما حاول خلق عالم مغلق وقائم بذاته داخل حدود الإطار. ففي لوحات رافائيل الكلاسيكية مثلًا، من عصر النهضة، كانت وظيفة الإطار هي حصر التكوين، والذي يقوم الفنان «بتكوينه»، أي بابتكار عناصره لتلائم سعة اللوحة وقدرة استيعابها، ثم بتصفيف تلك العناصر ضمن حدود الإطار مثل أوانٍ على طاولة، فتكون الشخصية الرئيسية في المركز مثلًا، بينما تدير باقي الشخصيات ظهرها إلى الإطار لإغلاق المشهد من طرفيه، كأنها واعية بوجود الإطار وبوجودنا كمتفرجين.

أما لوحة كايبوت فلم تعد تعبيرًا عن حقيقة سامية أو جوهرية كما كانت لدى رافائيل، بل صارت تحاول عكس واقع المشاهد بكل عاديته. فالمركز الذي يقسم اللوحة بالتساوي هو مجرد عامود إنارة، لا دور روائي له ولا يمثل حتى حدثًا مركزيًا، فالإنسان الفرد لم يعد مركزيًا أساسًا بعد أن بعثرته المدينة في نسخ متعددة، ولم تعد اللوحة تكوينًا بقدر ما هي لقطة، زمنها في تحرك مستمر، شخصياتها تدخل وتخرج، وفضاؤها متشعب وعصي على الاحتواء في وجهة نظر واحدة. وبعكس لوحة رافائيل طبعًا، لا أحد ينظر إلينا أو يأبه لوجودنا، فالمدينة كبيرة والجميع فيها عابرون.

تحكي لوحة كايبوت قصة أشخاص يوميين يتعلمون كيفية استخدام فراغ جديد كبير عليهم، يحاولون أخذ شكل الوعاء الذي وضعوا فيه عنوةً، وهو ما لن يبرعوا فيه فعلًا إلا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أو ما يسمى «الزمن الجميل»، حين ستمتلئ البولفارات الموحشة للوحة كايبوت بالمحلات والمقاهي والأضواء، وسيدرك الباريسيون أن للمدينة الحديثة مكاسبها، فانتهاء مناطقية الحارة سيؤدي إلى توسع معنى الفضاء العام، بأبعاد جديدة. والبولفار بتصميمه المسرحي القائم على الفرجة سيسمح لهم بتحويل أنفسهم ومدينتهم إلى استعراض حضري مبهر، إلى «عيد متنقل» كما سيصفها هيمنجواي في العشرينيات.

قد تبدو نظرة كايبوت القاتمة لمدينته غير مفهومة لزائر القرن الواحد والعشرين، الذي سيجد في شوارع باريس مكانًا متألقًا بل وحتى دافئًا وحميميًا مقارنة بضخامة وعنف مدن كسنغافورة أو دبي، وهنا بالذات تكمن أهمية هذه اللوحة، في التفاوت بين نظرتنا ونظرة الفنان، التفاوت الذي يسمح لنا بقياس المسافة التي قطعتها الحداثة منذ لحظة ولادتها هذه.


1) Dubech, Lucien, and D’Espezel, Pierre. 1926. «Histoire de Paris». Payot. Quoted in Benjamin, Walter, and Rolf Tiedemann. 1999. «The arcades project». Cambridge, Mass: Belknap Press.
2) Baudelaire, Charles. 1863. «The painter of modern life».