صول| ستون عامًا على مسرحية «ويست سايد ستوري»

الأربعاء 22 تشرين الثاني 2017

منذ عروضها الأولى عام 1957، لم تَعرف مسرحية ويست سايد ستوري إلا صفوفًا طويلة على شبابيك التذاكر، وصدى مدوٍّ امتدّ من الجرائد والإذاعات إلى البيت الأبيض. وحتى اليوم بعد ستين سنة، لم تفقد المسرحية الغنائية شيئًا من قوتها، بل استمر تقديمها في المسارح ودور الأوبرا بشكل شبه متواصل منذ إطلاقها، كما تحوّلت عام 1962 إلى فيلم حصد 10 جوائز أوسكار ودخل الذاكرة الشعبية الأميركية إلى الأبد.

يقف خلف موسيقاها ليونارد بيرنشتاين (1918-1990)، الموسيقي الأميركي الذي كبر في عائلة متواضعة، وتخرج من هارفارد ليصبح ظاهرة عالمية لطالما أفشلتْ محاولات تصنيفها: «أريد أن أقود الأوركسترا، أريد أن أعزف البيانو، أريد أن أكتب لهوليود، أريد أن أستمر بالمحاولة كي أكون موسيقيًا بالمعنى الكامل لتلك الكلمة الرائعة، أريد أيضًا أن أدرّس، أريد أن أكتب كتبًا وشعرًا. وأعتقد أنه ما يزال بإمكاني أن أوفي حقهم جميعًا »1.

إلى جانب كونه أحد أهم قادة الأوركسترا في القرن العشرين، كان بيرنشتاين مؤلفًا وعازف بيانو بارع ومتحدثًا تميز بكاريزما غير مسبوقة، فكان يحلل سيمفونيات ماهلر بشغف من يتحدث عن علاقة حب شخصية، ويعرف كيف يصل إلى قلوب الجميع سواء في محاضراته الشهيرة في هارفارد، أو برنامجه التلفزيوني «حفلات اليافعين» الذي قدّمه برفقة أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية وبُث في أكثر من 40 دولة، ويشاهده ملايين الأطفال في الخمسينيات.

ولذلك لم يكن غريبًا على بيرنشتاين أن يأخذ فجأة استراحةً من العمل السيمفوني ويتوجّه إلى برودواي، الشارع الضيق في نيويورك الذي أعطى اسمه للـ«ميوزيكال»، أو المسرحية الغنائية الشعبية. وجاءت ويست سايد ستوري عام 1957 لتشهد على ذلك، هل هي مسرحية غنائية فعلًا؟ هل هي أوبرا؟، أسئلة شكلت موضوع صفحات وصفحات من التحليلات والدراسات.

يقوم العمل على إعادة رواية قصة روميو وجولييت في نيويورك المعاصرة، ويشير العنوان «قصة الجانب الغربي» إلى الطرف الشمالي الغربي من مانهاتن المرتبط -آنذاك- بالطبقة العاملة والمهاجرة، حيث يعيش المراهقان توني وماريا قصة حب يقف في طريقها عداء عائلتيهما المتربطتين بعصابتي «الجيتس» البيض و«الشاركس» اللاتينيين، اللتين تتنازعان على زعامة الحي.

عبر زرعها في تلك البيئة الجديدة، عكست مسرحية شكسبير واقعًا ثقيلًا في الحياة اليومية للولايات المتحدة في الخمسينيات، حين كان الفصل العنصري ساريًا إلى حد كبير، وحين تصدرت الصحف أنباء شبه يومية عن أحداث عنف بين مراهقي الطرف الغربي، غالبًا على خلفية عنصرية رافقت تدفق المهاجرين وسوء أوضاعهم.

أقحمت ويست سايد ستوري الشارع للمرة الأولى في عمق المسرح الغنائي، وخدشت بذلك حياء التقليد الخجول لمسرحيات برودوي، التي كانت لا تزال ملتزمة بنموذج محافظ يعكس جمهورها المحدود بالطبقة الوسطى البيضاء، وحبه لاستهلاك قصص غرام خفيفة ومكررة كما في «أوكلاهوما!» (1943) و«كاروسيل» (1945)، وغيرهما من المسرحيات الغنائية التي صاغت هوية برودواي، على الأقل حتى مجيء ويست سايد ستوري بقصة من عمق «أدغال المدينة» حسب وصف أحد النقاد، برقصات شوارعية ولغة ذكورية سوقية عمل ستيفان سوندهايم، كاتب النص، على جمعها ميدانيًا. أما موسيقى بيرنشتاين، فقد ترجمت كل ذلك بمزيج من الموسيقى الكلاسيكية التقليدية والحديثة والموسيقى اللاتينية والجاز، بانوراما حقيقية لنيويورك في الخمسينيات، تتفجر منذ المقدمة بأصوات إيقاعية حادة ومتعجرفة تتناوب مع ألحان دافئة وغنائية، وهي الثنائية التي تحرك البناء الموسيقي للعمل وتعكس حبكته.

«كل الأشياء التي أحبها في العرض يتم إقصاءها ببطء؛ هذه أوبرالية جدًا، هذه كذا وكذا. الجميع خائف، والنجاح التجاري يعني لهم الكثير»1. هكذا كتب بيرنشتاين إلى زوجته قبل شهر من العرض الأول، حتى أن بعض أصدقاءه كتبوا له متسائلين حول ما إذا كانت الفكرة تشكل أساسًا مادة صالحة لميوزيكال، الشيء الذي يذكره في مقابلة لاحقة: «الجميع قال أننا مجانين وأن علينا نسيان الفكرة (..) قيل لنا أن لا أحد سيستطيع غناء رابعة زائدة –ماريااا- من دو إلى فا دييز، مستحيل! قالوا كذلك أن (المسرحية) متطلبة كثيرًا بالنسبة لموسيقى من المفترض أن تكون شعبية (..) إضافة إلى ذلك، من يريد أن يرى عرضًا يسدل فيه ستار الفصل الأول على جثتين ملقاتين على المسرح؟ تلك ليست كوميديا موسيقية مناسبة لبرودواي».

الرابعة الزائدة تلك في أغنية «ماريا » (0:33)، هي مسافة حساسة بعض الشيء بين نوطتين لم يبدأ استغلالها لحنيًا حتى القرن العشرين وظلت غريبة عن الموسيقى الشعبية وعن برودواي، إلى أن أدخلها بيرنشتاين للمرة الأولى، بل وبنى عليها العمل منذ أول ثانية، حيث تفتتح المسرحية برابعة زائدة، وتتحول إلى خلية لحنية تنمو على طول العمل لتصبح أحد مفاتيحه.

يستعير بيرنشتاين تلك التقنية من الأوبرا، حيث من الشائع أن ترتبط أفكار لحنية بشخصيات أو عناصر معينة من القصة، وتتطور بتطورها الدرامي، الشيء ذاته يحدث في أغنية «somewhere»، حيث تتحول النوطتان المتكررتان لكلمات some-day ،some-how ،some-where إلى فكرة لحنية مبطنة تحرك القصة من الداخل، وترمز للمكان الأخير لالتقاء البطلين.

اكتسبت بعض مقاطع ويست سايد ستوري شعبية خاصة، مثل أغنية «الليلة» التي تعيد خلق مشهد الشرفة الشهير من مسرحية شكسبير على درج طوارئ معدني يطل على حارة خلفية معدمة، الدرج الذي سيظهر على البوستر ليتحول إلى رمز للمسرحية، أو أغنية «أميريكا» التي تسخر فيها نساء «الشاركس» البورتريكيات من الحلم الأميركي بمزيج من الكلمات اللاذعة والتنميطات العرقية الفظة.

بالمقابل، جاءت مقاطع أخرى لتكون أكثر تعقيدًا، مثل أغنية «cool»، التي يتكون جزءها الأوسط من «فوغ» (1:00)، شكل موسيقي معقد اشتهر به باخ بشكل خاص، تبدأ فيه آلة ما (في هذه الحالة الترومبيت المكتوم) بعزف اللحن، ثم تدخل آلة أخرى بذات اللحن بينما تكمل الأولى طريقها، وهكذا حتى تدخل جميع الآلات في نسيج معقد من اللحن الذي يتراكب على نفسه.

وكأن إقحام فوغ في مسرحية برودواي لم يكن مخاطرة كافية، يتجرأ بيرنشتاين على كتابته بأسلوب لامقامي، بلحن مكون من كافة النوطات الإثني عشر المستخدمة في الموسيقى الغربية، ملمحًا بذلك إلى المدرسة «الإثني-عشرية» التي سيطرت على الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية آنذاك، ويريهم أنه باستخدام تقنيتهم ذاتها، يمكنه أن يصنع موسيقى جاز لا تشبههم في شيء.

تشكل تلك الخلطة من الموسيقى الكلاسيكية والحديثة والجاز أحد مفاتيح سحر العمل عمومًا، وهي خلطة لطالما روج لها بيرنشتاين ليس من منطلق صناعة سلام شكلي بين تيارات متصارعة، بل كلعبة ذكية يتسلى من خلالها بتجاوز الحدود جيئة وذهابًا بين أكثر الموسيقات نخبوية وأكثرها عامية، ليثبت أن تلك الحدود موجودة فقط في مخيلة أنصارها، وأن تلك الموسيقات تكمل بعضها بشكل تلقائي إذا منحت الحرية الكافية. وبالفعل، يعكس تداخل الفوغ بأصواته النحاسية الحادة متاهات السلالم والقضبان المعدنية واللون الأحمر الآجري لعشوائيات نيويورك بطريقة لا يمكن أن تكون أكثر ملائمة وإبهارًا.

يستخدم بيرنشتاين حرفيته السيمفونية في مقاطع أخرى مثل مشهد القتال بين الطرفين، حيث تتراكم الشذرات العنيفة للمقدمة حتى تتفجر في الرابعة الزائدة ذاتها، عند طعن توني لأخِ ماريا بالخطأ (1:21)، أو في الخماسي حيث تؤدي كل من العصابتين أغنية تهديد متبادل، بينما يغني البطلان أغنيتهما «tonight» القديمة ذاتها في عالمهما المنفصل، تنضم إليهم أنيتا رفيقة القتيل لتلتقي الأصوات جميعًا في خماسي يذكر بأوبرات موتسارت، يغنون جميعًا في الوقت نفسه بدون رابط لحني أو لغوي مشترك إلا كلمة «الليلة»، التي تعني شيئًا مختلفًا لكل أحد وتتحول إلى عقدة التقاء عوالمهم التي لا يمكن أن تتعايش.

يتراكم ذلك العنف جارفًا معه القصة نحو هاويتها في المشهد الختامي، حيث يجتمع الطرفان حول ماريا التي تحضن جثة توني، ويسدل الستار على النوطتين الشهيرتين من «somewhere»، تقاطعهما في كل مرة ضربة مكتومة ناشزة، إلى أن يتغلبّا عليها في النهاية ويمتدّا بعيدًا في نفسٍ طويل.

انهالت رسائل التهنئة على بيرنشتاين، بين من وصف العرض بـ«أكثر حدث مؤثر في تجربته بالذهاب إلى المسرح»2، ومن قال أن زوجته «ظلت تبكي لعشر دقائق بعد العرض حتى سال كحل عينيها في بهو المسرح الوطني». واليوم، بعد تغيّر الجانب الغربي نفسه ليصبح أحد أرقى أحياء مانهاتن، استمرت ويست سايد ستوري كنوع من الأسطورة المؤسِّسة لنيويورك، ونجحت بتقديم قرون من الإرث السيمفوني والأوبرالي بأصوات برودواي الخفيفة، وصْفة سحرية أكسبتها القدرة التعبيرية للأول وعفوية الثاني.

قد تبدو فكرة رواية قصة حب، أكثر من مكررة، في نيويورك، فكرة خاسرة لفيلم هوليودي عابر، خصوصًا مع الأغاني المبالغة بعاطفيتها والتنميط العرقي والجندري، لكن قيام شخص مثل بيرنشتاين بتجميع تلك الكليشيهات في عمل ذكي غني بالتلميحات لا يمكن بالنتيجة إلا أن يكون ساحرا، خصوصًا وأن تقاليد الاستعراض الأميركية المبتذلة أحيانًا أنقذت العمل من نقل واقع فوتوجرافي صادم، وضمِنت لويست سايد ستوري أكثر من عصفور بحجر واحد: امتثال جزئي لقواعد برودواي كمكان تسلية، وخرق لها في الوقت نفسه، وفرصة لمعالجة الكليشيهات الشعبية من منظور أعمق، أحيانًا بسخرية، وأحيانًا بإعجاب حقيقي واحتفاء بالتناقضات الصارخة التي تشكل الثقافة الأميركية الحديثة.

  • الهوامش

    1) Jonathan Cott, Dinner with Lenny: The Last Long Interview with Leonard Bernstein, 2012.

    2) Nigel Simeone, The Leonard Bernstein Letters, Yale University Press, 2013.