الحُكم التسلّطيّ باعتباره شأنًا شخصيًّا: حجب الوثائق والمعلومات في صفقة الغاز مع «إسرائيل»

مظاهرة وسط البلد، في عمّان، احتجاجًا على اتفاقية الغاز مع «إسرائيل»، في تشرين الأول 2016. تصوير خليل مزرعاوي، أ ف ب.

الحُكم التسلّطيّ باعتباره شأنًا شخصيًّا: حجب الوثائق والمعلومات في صفقة الغاز مع «إسرائيل»

الخميس 26 أيلول 2019

هذه المقالة هي النسخة العربيّة الموسّعة من النسخة الإنجليزيّة التي تنشر بالتزامن في مجلة Middle East Report، العدد 291 (صيف 2019).

«أرجو التكرّم بالعلم بأنّه يتعذّر تزويدكم بنسخة مصوّرة من خطاب النوايا المُشار إليه أعلاه، حيث أن خطاب النوايا يخضع لبنود المحافظة على سريّة المعلومات، والتي تمنع الإفصاح عن أيّة وثائق و/أو معلومات يتم تبادلها بين الطرفين».

هذا اقتباس حرفيّ يلخّص -بجملة واحدة- مضمون الرّد الذي جاء في فقرتين، والمثبّت بكتاب يحمل تاريخ 26/7/2015، وتوقيع الدكتور غالب معابرة أمين عام وزارة الطاقة والثروة المعدنيّة في الأردن، للردّ على طلب الحصول على المعلومات الذي قدّمته إحدى ناشطات الحملة الوطنيّة الأردنيّة لإسقاط اتّفاقيّة الغاز مع العدوّ الصهيوني (غاز العدو احتلال)، لاستصدار نسخة من رسالة النوايا التي وقّعتها (قبل عام تقريبًا من تاريخ الكتاب المذكور) شركة الكهرباء الوطنيّة، وهي شركة مملوكة 100% للحكومة الأردنيّة[1] (أي مملوكة 100% للمال العام)، لاستيراد الغاز من حقل ليفاياثان الواقع في مياه البحر الأبيض المتوسّط المشاطئة لحيفا المحتلّة، والخاضع للسّيادة الإسرائيليّة، لاستيراد ما قُدّرت قيمته حينها بما يساوي 15 مليار دولار أميركي من الغاز،[2] لتوليد ما يعادل 40% من احتياجات الأردن من الكهرباء بحسب التّصريحات الحكوميّة.[3]

رسالة النّوايا هذه، والاتّفاقيّة التي نتجت عنها، عنت -عمليًّا- وضع الأردن وشعبه تحت التبعيّة الاستراتيجيّة الكاملة لـ«إسرائيل» في مجال الطاقة دون أيّ داعٍ، وتحويل المليارات من أموال دافعي الضرائب الأردنيّين لدعم الإرهاب الصهيوني في فلسطين، وحرمان اقتصاد الأردن المُفقر من استثمار هذه المليارات فيه، وفي مصادر طاقته السياديّة المتعدّدة، وفي مشاريع تنمويّة يمكنها أن توفّر عشرات آلاف فرص العمل لمواطنيه الذين يرزحون تحت وطأة البطالة.[4]

السريّة وعدم إتاحة الوثائق، كانت واحدة من أهمّ الأسلحة التي استخدمها أصحاب القرار في الأردن للتّعمية على، والتّخفيف من وطأة، ما سيصبح واحدة من أهمّ قضايا الرأي العام في الأردن خلال السنوات الخمس الأخيرة، مُضافًا إليها: بث الدّعاية المُضلّلة بخصوص الاتّفاقيّة وبنودها ومبرّرات توقيعها، وحجب بعض مصادر المعلومات التي يمكن للنشطاء استخدامها لوضع الحقائق أمام المواطنين والنوّاب والمسؤولين على حدّ سواء، في موضوع يقع في لبّ العلاقة بين المواطنين (باعتبارهم دافعي ضرائب)، والسّلطة (باعتبارها إطارًا غير مُنتخب، لا يملك مشروعيّة شعبيّة، يتسّلط على، ويحتكر، الحُكم، وإدارة البلاد اليوميّة والاستراتيجيّة، دون وجود أي سبل أو إمكانيّات لمحاسبتها ومساءلتها)، ومستقبل الأردن، وارتباطاته الجيوسياسيّة والإقليميّة، وتحوّلات دوره الوظيفيّ.

القوّة المُضمرة في المعلومات، والقوّة النّاتجة عن حجبها

المعلومات قوّة، هذه صارت ثابتًا واضحًا ومعروفًا في عصر صار يُسمّى باسمها، وباسم التّكنولوجيا التي تنقلها وتوفّرها؛ هذا يعني -بالمقابل- أنّ التحكّم بالمعلومات، وحجبها، والتّلاعب بها، أو بثّ الأكاذيب بخصوصها، هي قوّة أيضًا. ولطالما تذرّعت المجموعات الحاكمة في العالم العربي، بمشروعيّة «معرفة ما لا يعرفه العامّة»، وأن قراراتها العبثيّة أو النزقيّة أو التي تصبّ على النقيض من مصالح النّاس، مبنيّة على معلومات خاصّة وخطيرة لا يمكن الإفصاح عنها للعموم: معلومات «حسّاسة» هي من «أسرار الدّولة»، وتتعلّق بـ«أمن الدّولة» الذي لا يجبّ أن يُمسّ، والذي يتم تصويره (وهو على هذه الحالة من الخطورة والتأهّب) وكأنّه مهتزّ، واقف على الحافّة، على وشك الانهيار، دومًا.

«استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».[5] الحكمة الشخصيّة الوازنة المتضمّنة في هذه العبارة، صارت ديدنًا للمجال العامّ في العالم العربي، خصوصًا فيما يتعلّق بالمجموعات الحاكمة فيه، والتي تنظر إلى السُّلطة والحُكم باعتبارهما حوائج خاصّة، شأنًا خاصًّا وشخصيًّا (private)، لا يجب أن يُنازعها أحدٌ فيها، ولا علاقة لأحدٍ بها، وبالتالي تُدار بسريّة تامّة، بعيدًا عن الأعين المُتطفّلة للعامّة الذين هم موضوع هذا «الشّأن الخاص» ووقوده.

أيضًا: يأخذنا هذا الموضوع إلى مجازٍ خاصٍّ سائدٍ في العالم العربي، حيث الحاكم (الممثّل للمجموعة الحاكمة) هو «القائد»، يُسار خلفه بتبعيّة، ولا يُساءل، وهو «المُعلّم»، و«المُرشد»، وهو «والد الشّعب»، وبالتالي فالشّعب أطفاله: مجموعة من غير النّاضجين وغير القادرين على تقدير الموقف والخطورة، ممن لا يجب أن يعرفوا التّفاصيل والمعلومات، بل وأن تُحجب عنهم المعلومات لمصلحتهم، ولهذا فالمطلوب منهم هو الالتزام بتوجيهات «الأب القائد» الذي يعرف مصلحتهم أكثر منهم، بناءً على معرفته الحصريّة للمعلومات «السريّة» و«الخطيرة» التي يحتكرها.

السّلطة شأن خاصّ لا يجب التدخّل فيه، وحجب المعلومات حاجزٌ يفصل بين عالمين

وأيضًا: يأخذنا هذا الموضوع إلى اشتقاق آخر يتعلّق باعتبار السلطة للحكم وكأنّها شأن خاصّ (private): «بديهة» أنّها (أو يجب لها أن تكون) فوق المُساءَلة والمُحاسبة. «من حَكَمَ في ماله ما ظَلَم» تقول الحكمة العربيّة، وأمور الحُكم، مثلها مثل موازنة الدّولة، والمال العام، وإدارته، وإدارة الشأن العامّ بالمجمل، هي شأن خاصّ بالسّلطة، شخصيّ، لا ينبغي لها أن تكشف عن تصرّفها به، ولا يجب لأحد أن يلومها، أو يُحاسبها، على ما تفعل به، فهي «مُلك» السُّلطة الخاصّ، لا مُلكٌ عامٌّ. الأمثلة الفعليّة على ذلك كثيرة، لكن التّعبير القانونيّ الأكثر وضوحًا فيما يتعلّق بهذا الأمر يتمثّل في الدّستور الأردنيّ،[6] إذ يُركّز كلّ السّلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، وسلطة تفسير الدّستور، كاملةً، بيد الملك، عبر أدوات مختلفة ومتعدّدة (انظروا المواد 25 إلى 27؛ 31 إلى 40؛ 45 فقرة 2؛ 48؛ 49؛ 58؛ 68 فقرة 1؛ 78؛ 81 إلى 83؛ 91؛ 93؛ 94؛ 98؛ ؛ 120؛ 124؛ 125؛ 126؛ وأخيرًا: المادة 127 فقرة 3 من الدستور الأردني)، ومع هذا، فالملك في المادة 30 من الدّستور هو «رأس الدّولة، وهو مصونٌ من كلّ تبعة ومسؤوليّة»،[7] وهو محصّن ضدّ النقد من خلال قانون العقوبات الذي يجرّم ويعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، في مادّته 195، ما تسميّه الفقرة (أ) منها: «من ثبتت جرأته بإطالة اللّسان على جلالة الملك»،[8] في نفس الوقت الذي يُعتبر فيه أيّ حديث يطرح تعديلات دستوريّة جذريّة، مساسًا شخصيًّا بالسّلطة يستدعي الاستنكار والإدانة، وأحيانًا المعاقبة.

إن كان هذا هو التّعبير الدّستوريّ الواضح، بلا مواربة، عن وضعيّة لـ«رأس الدّولة» تجعله فوق أيّ شكل من الأشكال النّاظمة لعملها، أي فوق القانون، فكيف لا تمتدّ هذه الوضعيّة الفوقيّة، المُحصّنة، أو يمتد الشّعور بها ومجال تأثيرها والإحساس باستحقاقها، إلى باقي أركان المجموعة الحاكمة؟ حجب الوثائق والمعلومات المتعلّقة بإدارة شؤون الحُكم، والمال العامّ، والقرارت الاستراتيجيّة والمصيريّة لبلد كاملٍ بأرضٍ وناس، إذًا، هو أحد التّعبيرات عن هذا الفهم الخاصّ (special) للحُكم باعتباره شأنًا خاصًّا (private).

حين لا تقدّم السّلطة المعلومات، ولا تُتيح الوثائق للمواطنين، فهي -عمليًّا- تبني حاجزًا صلبًا بينهم وبين المشاركة السياسيّة، تبعدهم عنها، وتبني لديهم شعورًا بالاغتراب عن أجهزة الحكمة وآليّاته، وتحقّق شكلًا من أشكال الانفصال بين عالمين: عالم الحُكم من جهة، وعالم الحياة اليوميّة من جهة ثانية، يشبه الانفصال الذي رعته كنيسة العصور الوسطى بين العالم الروحيّ/الكنسيّ، والعالم الدنيويّ، لتثبيت سلطة الأول على الثّاني، ومنع تهديده أو الانتقاص من سطوته. هكذا نفهم أنّ فصل عالم الحُكم عن عالم الحياة اليوميّة من خلال احتكار المعلومات والوثائق، ومنع وصولها من الأوّل إلى الثاني، هو آليّة أساسيّة لمنع تهديد السّلطة، وبقائها، وتثبيت قوّتها باعتبارها كيانًا ما فوق يوميّ، وبالتّالي فوق تاريخيّ؛ كيانًا غامضًا كليّ المعرفة، لا يُحاط بعلمه، ولا يمكن فهمه من خارجه، وغير قابل للمُساءلة أو الاستبدال، شيء يشبه الكليّة الإلهيّة التي لا يمكن تحدّيها لانغلاق الباب أمام فهم كُنهها، فيكون الأمر الوحيد المُتاح والممكن في هذه الحالة هو الخضوع لإرادتها دون سؤال.

تفاصيل دفن المعلومات والوثائق المتعلّقة باتفاقيّة استراتيجيّة بالمليارات

بهذه العقليّة تمّ التعامل مع اتّفاقيّة هامّة واستراتيجيّة، ترتبط مباشرة باقتصاد الأردنّ، وأمنه، وبالمال العامّ، وبالمعايير الأخلاقيّة لشعب رفض التّطبيع مع «إسرائيل» باعتبارها كيانًا استعماريًّا استيطانيًّا عدوانيًّا غاصبًا يرفض دعم إرهابها، وأفشل محاولات التغلغل الاجتماعيّ التطبيعيّ خارج إطار العلاقات البينيّة الحكوميّة، منذ توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994 وحتّى الآن. فالإعلان عن توقيع رسالة النوايا يوم 3 أيلول عام 2014 جاء ضمن خبر صغيرٍ وخجولٍ ومقتضب بثّته وكالة الأنباء الأردنيّة الرسميّة (بترا) تضمّن تصريحات من وزير الطاقة حينها محمد حامد تشير إلى أن الاستيراد سيتم من «الغاز المكتشف في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط»، دون أي ذكر لـ«إسرائيل».[9] بعد أن ذاع أمر الاتفّاقية من خلال حملة شعبيّة تأسّست لإلغائها، ومطالبات واسعة بالكشف عن تفاصيلها وإتاحة نصّها للعموم، امتنعت الحكومة عن كشف أيّ تفاصيل، كما امتنعت عن توفير نصّ الاتفاقيّة لمجلس النوّاب السّابع عشر، الذي ناقش -رغم ذلك- المبدأ العام لمثل هذه الصّفقة، وأعلن رفضه لها بأغلبيّة ساحقة أوائل شهر كانون الأوّل من عام 2014،[10] دون أن تُمكّنه الحكومة من الاطّلاع على تفاصيلها.

وبنفس الطريقة التي أُعلن فيها عن توقيع رسالة النوايا بشكل مُقتضب، ودون توفير أيّة معلومات تذكر، وقّعت الاتفاقية الفعليّة يوم 26 أيلول عام 2016 دون إعلام يتناسب وحجم الموضوع، وفي ظلّ إيجاد فراغ سياسيّ في البلاد، تضمّن عدم وجود برلمان (تم حلّ مجلس النوّاب السابع عشر نهاية شهر أيار 2016، ولم تنعقد الجلسة الأولى لمجلس النوّاب الثامن عشر إلا في 7 تشرين الثاني 2016، بعد أن صدرت الإرادة الملكيّة بإرجاء افتتاح الدورة العاديّة الأولى للبرلمان الجديد حتى ذلك التّاريخ، وصدر القرار الملكيّ هذا في اليوم التالي لتوقيع الاتفاقيّة، أي يوم 27 أيلول 2016)،[11] وعدم وجود حكومة (استقالت حكومة هاني الملقي الأولى بتاريخ 25 أيلول 2016،[12] قبل توقيع الاتفاقيّة بيوم واحد، وتشكّلت حكومة هاني الملقي الثّانية بتاريخ 28 أيلول 2016،[13] بعد توقيع الاتفاقيّة بيومين، وكانت الحكومة المُستقيلة مُكلّفة بتسيير الأعمال خلال تلك الفترة الوسيطة).

تحت وطأة الاحتجاجات الشعبيّة الكبيرة التي قادتها الحملة الوطنيّة الأردنيّة لإسقاط اتّفاقيّة الغاز مع الكيان الصهيوني (المعروفة بشعارها: «غاز العدو احتلال»)،[14] وتحت ضغط مطالبات نيابيّة للحصول على نص الاتّفاقيّة،[15] قامت الحكومة بتسليم نسخةٍ منها لرئاسة المجلس، ومن خلالها لرئاسة لجنة الطاقة فيه، أوائل منتصف آذار من عام 2017، ليُحوّل نص الاتفاقيّة (المُصاغة بالإنجليزيّة) بعدها للتّرجمة، وتحت ذريعة التّرجمة، اختفى النصّ ثانيةً، في أدراج مجلس النوّاب هذه المرّة،[16] لمدّة عامين تقريبًا،[17] ليظهر بعدها في شهر كانون الثاني من عام 2019، ضمن اجتماع خاصّ عُقد سريعًا للجنة الطّاقة النيابيّة، بنسختين فقط: نسخة واحدة من التّرجمة العربيّة، ونسخة واحدة من الأصل الإنجليزيّ، اطّلع عليها بعض حضور الجلسة الكثر على عجالة، ثمّ سُحبت النّسختان من بين أيديهم لتختفيا بعدها عن الأنظار مرّة أخرى، ودون أن يطّلع عليها أيّ نائب بشكل تفصيليّ، ودون أن يُعلن عن نصّها للعموم، ليرفضها مجلس النوّاب من حيث المبدأ، مرّة ثانية، في جلسة نقاش عامّ، ويطلب من الحكومة إلغاءها، يوم 26 آذار 2019.[18] 

وظلّت الاتفاقيّة محجوبةً إلى أن كَشف عن نصّها المُترجم إلى العربيّة مؤخّرًا النائب صالح العرموطي، بعد حصوله عليه بطريقةٍ ما لم يُفصح عنها،[19] فالحكومة، في سعيها لفعل كلّ ما في وسعها لمنع وصول هذه الوثيقة لأيدي النّاس، جاهزة لمخالفة الدستور نفسه، والذي ينصّ في الفقرة 2 من المّادة 33 على أنّ: «المعاهدات والاتفاقات التي يترتّب عليها تحميل خزانة الدّولة شيئًا من النّفقات أو مساس في حقوق الأردنيّين العامّة أو الخاصّة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمّة».[20] للالتفاف على هذه الفقرة، وكنوع من المماطلة وشراء الوقت، أعلنت الحكومة، قبل انتهاء جلسة مجلس النواب التي رُفضت فيها الصفقة، أنّها ستحوّل الأمر للمحكمة الدستوريّة (التي يعيّن الملك أعضاءها بحسب الدّستور) لسؤالها عن أحقيّة مجلس النوّاب في النّظر في هذه الاتّفاقيّة من الأساس؛[21] وموضوع المماطلة ثابت لأن الحكومة لم تقدّم السؤال للمحكمة الدّستوريّة إلا في 18 تموّز 2019، أي بعد أربعة أشهر من إعلانها ذلك في مجلس النوّاب.[22] 

استخدام قانون ضمان حقّ الحصول على المعلومات لحجب الوثائق والمعلومات

هكذا، أدار أصحاب القرار معركة إخفاء المعلومات والوثائق، وبما يتناقض حتى مع قوانين شكليّة سُنّت لتعطي الانطباع بأن السّلطة الحاكمة في الأردن هي سلطة ليبراليّة، تقدميّة، ديمقراطيّة، وشفّافة. أوائل عام 2017، بعد حوالي ثلاثة أشهر من التوقيع الفعليّ لاتفاقيّة استيراد الغاز من «إسرائيل»، تقدّم باحث قانونيّ للحصول على نص الاتفاقيّة استنادًا إلى قانون ضمان حقّ الحصول على المعلومات رقم 47 لسنة 2007،[23] ليأتيه الردّ بعد حوالي الشهر، بالكتاب الصادر عن وزارة الطاقة والموقع باسم إبراهيم سيف وزير الطاقة،[24] بأنّ المعلومات المطلوبة «مصنّفة سريّة ومحميّة استنادًا إلى المادّة 13 من قانون حقّ الحصول على المعلومات»، وعندما تقدّم الباحث من خلال محاميته بالشّكوى لدى مجلس المعلومات، الهيئة الحكوميّة المخوّلة بالنّظر في حجب المعلومات وعدم توفير الهيئات الحكوميّة لطالبيها، جاء الردّ بالكتاب الموقع باسم محمد يونس العبادي مفوّض المعلومات ونائب رئيس مجلس المعلومات،[25] متضمّنًا رفض الشّكوى ورفض توفير المعلومات «سندًا لأحكام الفقرة (أ) من المادة (13) من قانون ضمان حقّ الحصول على المعلومات رقم (47) لسنة 2007، حيث أن المعلومات المطلوبة تتعلّق ببيانات تمّ تصنيفها على أنّها سريّة من قبل وزارة الطاقة والثروة المعدنيّة وبموجب المادة (11/ج) من القانون».

يستطيع أيّ مُدقّق نبيه أن يستمتع بالسُّخرية المُرّة المُضمرة في الجملة السّابقة الواردة في كتاب مجلس المعلومات، فالجملة تؤكّد حجب الوثائق والمعلومات استنادًا إلى قانون اسمه «ضمان حقّ الحصول على المعلومات»، ويعتبر «سادس أسوأ قانون مختص بالحصول على المعلومات في العالم، بحسب التصنيف العالمي للحق في الحصول على المعلومات، المعتمد من البنك الدولي واليونسكو، والذي يُعدّه مركز القانون والديمقراطية، ومنظمة آكسِس إنفو يورُب [وفيه] حقق الأردن على مؤشر تقييم قوانين المعلومات 55 نقطة فقط من أصل 150، ليكون في المرتبة 105 من أصل 111 دولة»؛[26] وهي حالة تدلّ على مبدأ يسري عميقًا في شكل إدارة السّياسة في الأردن، وينبني على شكلانيّة ظاهراتيّة خطابيّة ديمقراطيّة وتشاركيّة، مقابل ممارسة فعليّة تطبيقيّة تسلّطيّة واحتكاريّة، يقوم الأوّل فيه على تخفيف وتمييع التناقضات التي يُنتجها الثّاني داخليًّا، وإظهار السّلطة وكأنّها راعية الحقوق والحريّات والديمقراطيّة خارجيًّا.

إن كان منع الحصول على اتفاقيّة الغاز هي الحادثة الأبرز في سجل حجب الوثائق والمعلومات عن المجال العام، والنشطاء، والمهتمّين، والباحثين، والنوّاب، إلا أنّها ليست الوحيدة، فهناك العديد من الوقائع المشابهة [27] التي تُظهر أن قانون ضمان حق الحصول على المعلومات هو في واقع الأمر قانون مُفرغٌ من المضمون الذي وجد لأجله، تدعمه ترسانةٌ من القوانين المقيّدة لحريّة الوصول إلى الوثائق والمعلومات، على رأسها قانون قانون حماية أسرار ووثائق الدولة رقم (50) لسنة 1971، وهو قانون مؤقت صدر في فترة الأحكام العرفيّة التي تلت أحداث أيلول عام 1970، وما زال ساري المفعول حتى الآن، وتدعمه مواد تفيد المنع ذاته في قوانين مختلفة مثل قانون الإحصاءات العامة، وقانون هيئة مكافحة الفساد، ونظام موظفي هيئة تنظيم الطيران المدني رقم (16) لسنة 2009، وقانون البينات لسنة 1952، وغيرها من القوانين؛[28] بل ثمّة قانون يعاقب على الاحتفاظ بالوثائق الوطنيّة العامة والتصرّف بها، أو عدم الإبلاغ عن حيازة الوثائق الوطنيّة الخاصّة، هو قانون الوثائق الوطنيّة رقم (9) لعام 2017.[29]

وفوق هذا، وبخلاف العديد من الدّول الأخرى، لا يوجد في الأردن قانون يرفع السريّة عن الوثائق الحكوميّة مع مرور الزمن، فتبقى هذه الوثائق بعيدةً عن عيون المهتمّين والباحثين بشكل كامل، وتظلّ الرواية الرّسمية -الدعائيّة عادةً- هي المصدر الوحيد للمعلومات، وواضعة التّاريخ النهائيّ للأحداث، دون أي إمكانيّة لنقد هذه الرّواية أو تحدّيها من داخل الوثائق الرّسميّة المحجوبة، ولهذا يلجأ الباحثون الجدّيون في تاريخ الأردن السياسيّ عادةً إلى الأرشيفين البريطانيّ والإسرائيليّ.

من سلبيّة الحجب إلى إيجابيّة التّضليل

توازى هذا الجهد السّلطويّ الكبير في حجب المعلومات المتعلّقة باتفاقيّة استيراد الغاز من «إسرائيل»، مع جهد بحثيّ مُضنٍ قامت به الحملة الوطنيّة الأردنية لإسقاط اتفاقيّة الغاز مع الكيان الصّهيوني للحصول على أيّة معلومات وتسريبات عن هذه الصفقة، خصوصًا من خلال إفصاحات شركتي نوبل إنرجي وديليك عنها، ومن خلال وسائل الإعلام الأميركيّة والإسرائيليّة. أحد أكثر المواقع الإعلاميّة الاقتصاديّة فائدة وثراءً في المعلومات كان موقع «جلوبز»[30] الاقتصاديّ الإسرائيليّ النّاطق بالإنجليزيّة، وعليه استندت الحملة في الكثير من التفاصيل المتعلّقة بالاتفاقيّة، فماذا كان الردّ السلطويّ على هذا الأمر؟ تمّ حجب موقع «جلوبز» في الأردن لسنوات،[31] حتى لا يمكن لناشطي الحملة الوصول إلى معلوماته وتحديثاته حول الصفقة، إلى أن أزيل هذا الحجب مؤخّرًا بعد أن تم الحديث عن الموضوع مرارًا ضمن فعاليّات الحملة الاحتجاجيّة.

ولم يكتف أصحاب القرار في الأردن بحجب المعلومات ومنع الوصول إلى الوثائق، بل قامت ببثّ مجموعة من المقولات التضليليّة، تارةً بشكل مباشر، وتارةً من خلال بعض النوّاب المؤيّدين لها، على رأسها تجنّب ذكر كلمة «إسرائيل» بالكامل عند الحديث عن هذا الغاز، وإشارة الرواية الرّسميّة إليه -حصريًّا- من خلال عبارتين: غاز نوبل (وكأنّه غاز مملوك -بشكل خاص ومباشر- لشركة نوبل إنرجي الأميركيّة)، أو غاز المتوسّط (وكأنّ البحر المتوسّط هو الدولة التي يتمّ الاستيراد منها)، وأنّ الغاز، والشّركات التي ستستخرجه، ليست إسرائيليّة، فالاتفاقيّة (بحسب المصادر الحكوميّة) وقّعت مع شركة نوبل إنرجي الأميركيّة،[32] بينما تمّ التّوقيع في الواقع مع شركة وسيطة اسمها «إن بي إل جوردان ماركيتنج ليمتد»،[33] ومقرّها جزر الكيمان،[34] يتشارك في ملكيّتها الشّركاء في مشروع تطوير حقل ليفاياثان، ربّما إلى جوار آخرين «مخفيّين» لن يُمكن للمواطنين الأردنيّين معرفتهم، نظرًا لمكان تسجيل الشّركة، والقوانين التي تضمن السريّة، في مثل هذه الملاذات الماليّة، مما يثير الشّكوك بوجود فساد؛ إضافة إلى أن شركاء تطوير حقل ليفاياثان للغاز هم ليسوا فقط شركة نوبل إنرجي الأميركيّة (التي تمتلك حصّة 39.66% في المشروع)، بل هم أيضًا: ديليك للحفر (إسرائيليّة، بحصّة 45.34%) التي تمتلك الحصّة الأكبر، وراشيو لاستكشاف النّفط (إسرائيليّة، بحصّة 15%).[35]

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي تُضلّل فيها السّلطة مواطنيها. هناك حوادث دالّة كثيرة جدًّا، تتفاوت في حجمها وأهميّتها، شبيهة، لكن سأذكر هنا اثنتين من أبرزها: الأولى محاولة عملاء إسرائيليين اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلاميّة (حماس) أثناء وجوده في عمّان عام 1996. يومها، خرج وزير الدولة لشؤون الإعلام سمير مطاوع ليُعلن أن الأمر كان مجرّد مشاجرة بين سيّاح ومرافقي مشعل؛[36] والثانية مقتل النّقيب الشّريف علي بن زيد في «عمليّة خوست» في أفغانستان، والتي تعاملت معها السّلطة بتخبّط شديد،[37] إذ أعلنت «استشهاده أثناء مشاركته في أداء الواجب الإنساني الذي تقوم به القوات المسلحة الأردنية في أفغانستان»،[38] ليكتشف المواطنون الأردنيّون بعدها (من خلال الإعلام العالميّ) عن مقتله ضمن العمليّة الانتحاريّة التي نفّذها همام البلوي، واستهدفت مقرّ وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة في خوست (قاعدة تشابمان)، و راح ضحيّتها إلى جانبه سبعة من موظّفي الوكالة الأميركيّين، وليكتشف المواطنون الأردنيّون دورًا خفيًّا استخباراتيًّا وعسكريًّا لحكومة بلدهم في أفغانستان لم يعرفوا عنه من قبل، أحرج السّلطة قليلًا،[39] وأغلب الظنّ أنهم لم يكونوا ليعرفوا عنه أبدًا لولا هذه الحادثة.

من المفيد هنا أن ننظر إلى الكيفيّة التي توظّف فيها السّلطة أموال دافعي الضرائب ضدّ مصلحة دافعي الضرائب، ولأجل تعزيز تسلّطها. اتفاقيّة الغاز هي مثال صارخ على هذه الممارسة، لكن المثال الآخر الذي يتعلّق بموضوع هذه المقالة هو «دينار التلفزيون»، والذي يُضاف شهريًّا، وإجباريًّا، منذ عام 1979، على كل فاتورة كهرباء في الأردن، لتمويل التلفزيون الرّسمي الأردني، والإذاعة الرّسميّة (تحت رسم خاصّ يسمّى «رسم التلفزيون»، يذهب لخزينة الدّولة)،[40] وهما أداتان دعائيّتان خالصتان للسّلطة، تستخدمهما للترويج لسياساتها، وتغطية أنشطة أركانها، وإنتاج المواد الإعلاميّة والفنيّة المُساندة لها، وحجب المعلومات والأخبار التي قد تراها السّلطة «غير مناسبة».[41] من جانب آخر، تجهد السّلطة لتُظهر نفسها بمظهر «الشفّافة»، صاحبة المصداقيّة، والحريصة على تزويد المواطنين بالمعلومات، عن طريق مبادرات تأخذ شكل العلاقات العامّة أكثر من أيّ شيء آخر، على رأسها منصّة إلكترونيّة جديدة أطلقتها الحكومة مؤخّرًا تحت اسم: «حقّك تعرف»،[42] دون أن يتجاوز ذلك الحرص مصالح السّلطة ذاتها، فالمنصّة معنيّة بشكل أساسيّ (وكما تعرّف نفسها)[43] بدحض الإشاعات التي يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي -بحسب المنصّة- «وصلت إلى حد التشكيك بالمنجزات الوطنية وتشويه صورة المؤسسات الرسمية والخاصة، واغتيال الأشخاص وسمعتهم».[44] بهذا المعنى، المنصّة غير معنيّة بتوفير المعلومات (مثل نصّ اتفاقيّة الغاز مع «إسرائيل») بل معنيّة بالدّفاع عن السّلطة في مواجهة «الإشاعات المُغرضة»، وهو أمر استقبله كثير من النّشطاء والمعنيّون بالدّفاع عن حقّ الحصول على المعلومات، بالسّخرية والتشكيك.[45]

خاتمة: المعلومات والوثائق وإتاحتها للعموم كآليّة لتقويض السّلطة

المعلومات والحقائق والوثائق خطرٌ على الأنظمة الأوتوقراطيّة والقمعيّة، وعلى تلك الأنظمة التي تدّعي الديمقراطيّة لكنّها في الواقع مجرّد أطر احتكاريّة للسّلطة والثروة، لهذا نجد كلّ هذه الهجمة (خصوصًا في بلد مثل الولايات المتّحدة، «قائدة الحريّة والديمقراطيّة في العالم») على تسريبات الوثائق والمعلومات التي قام بها أشخاص وهيئات مثل إدوارد سنودن وجوليان أسانج وويكي ليكس وغيرها. حجب المعلومات والوثائق، أو البثّ الانتقائي لها، أو التّضليل الذي يأخذ شكل «الموضوعيّة»، صار اليوم جزءًا أساسيًّا من آليات التحكّم وتوجيه الرأي العام وخداعه، وبالتّالي: إتاحة الوثائق والمعلومات، ووضعها بين أيدي المواطنين، هي وسيلة أساسيّة وهامة لتأميم السياسة، وإعادتها من المجال الخاصّ للسلطة، إلى المجال العامّ للنّاس، وهي معول هامّ من معاول هدم جدار الفصل الوهميّ بين عالميّ الحُكم والحياة اليوميّة.

هكذا وضعت الحملة الوطنيّة الأردنيّة لإسقاط اتفاقيّة الغاز مع الكيان الصهيوني مسألة المعلومات الدقيقة وإتاحة الوثائق للعموم على رأس آليّات عملها، وصارت تُصدر بياناتها مدعّمة بقوائم من المصادر والمراجع، المُشتقّة بما هو مُتاح في وسائل الإعلام العالميّة من معلومات، وبما يرد في تقارير مراكز الدّراسات الأميركيّة، وبما يُنشر من إفصاحات من قبل الشّركات الأميركيّة والإسرائيليّة، عن الاتفاقيّة، في ظلّ توجّه رسميّ معاكس يحجب المعلومة ويمنع الوصول إلى الوثيقة؛ هكذا حصّنت الحملة خطابها بالوثائق والمعلومات، في الوقت ذاته الذي استطاعت الحملة فيه تحويل «السريّة» و«الحماية» التي أحاطت السّلطة بها اتّفاقيّة الغاز مع «إسرائيل» إلى دليل آخر ضدّ السّلطة، يضيء قليلًا على ما يختفي في الظّلام من شبهات فساد، وانعدام للجدوى الاقتصاديّة، وشروط مجحفة، وتبعيّة، وتفضيل السّلطة في الأردن دعم الإرهاب الصهيونيّ واقتصاده من أموال دافعي الضرائب الأردنيّين على تنمية الأردن ذاته، المُفقر والغارق في الديون والبطالة.