التوظيف مقابل المنح: عن تجربة الأردن في تشغيل اللاجئين السوريين

عاملة سورية في مصنع جرش للألبسة والأزياء. تصوير أليزا ريزنك.

التوظيف مقابل المنح: عن تجربة الأردن في تشغيل اللاجئين السوريين

الإثنين 25 كانون الأول 2017

 ترجمة أيمن الحسيني

هذا التقرير مقتبس من تحقيق موسّع أنتجه موقع (Refugees Deeply)، يمكن قراءته هنا (بالإنجليزية)، وسينشر كاملًا بالعربية على حبر قريبًا.

في أيلول/سبتمبر 2015، وبينما تأرجحت أوروبا بين الخوف والتعاطف في استجابتها لأزمة اللاجئين، ظهر حينها في مجلة “فورين أفيرز” مخطط لإصلاح جذريٍّ لسياسة التّعامل مع اللاجئين.

اقترح مؤلفاه -بول كولير، وهو خبير نافذ في اقتصاد التنمية، وأليكساندر بيتس، وهو عالم اجتماع وكان حينها رئيس مركز دراسات اللاجئين بجامعة أكسفورد- مسارًا لإدماج اللاجئين السوريين في سوق العمل الأردني. طرحت مقالتهما حينها الأمر باعتبار السوريين القوى العاملة التي تحتاجها الأردن لتحقيق حلمها في التصنيع.

علّق المقترح آماله على أكبر مخيم لاجئين في الأردن، الزعتري، كونه يقع على بُعد مسافة قصيرة من إحدى المناطق الاقتصادية الخاصة المحتضرة للمملكة. ماذا لو كان لأهالي المخيم دور محوري في إطلاق إمكانات التنمية لتلك المنطقة الاقتصادية الخاصة؟ كان مُقدّرًا، بمصادفةٍ سعيدةٍ، لهذا التقارب أن يُلحَظَ لأول مرة من قِبل المؤلفَيْن أثناء جولتهما الميدانية في نيسان/بريل 2015.

في حقيقة الأمر، طُرحت مسألة إمكانية إقامة الصلة بين اللاجئين والمناطق الاقتصادية الخاصة للنقاش في اجتماعٍ مبكر استضافه معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا (Wana Institute)، وهي مؤسسة بحثية أردنية مرتبطة بالعائلة المالكة. واستعرض موظف حكومي أردني من الرتبة المتوسطة بعض الشرائح التقديمية التي تبيّن خطة تربط بين وظائف للاجئين والمناطق الاقتصاديّة التي سيُعاد إحياؤها.

في بلدٍ صغير يحوي موارد طبيعية قليلة ومياه شحيحة، فاقم وفود ما يصل إلى 1.3 مليون لاجئ سوري الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة الأردنية. كما أثّر وفودهم أيضًا على سوق العمل المتسم ببطالة متزايدة وتنامٍ في أعداد السكّان من فئة الشّباب.

رأى مسؤولون من وزارة التنمية الدولية في الحكومة البريطانية فرصة احتضان اتفاق غير مسبوق من شأنه تهدئة المخاوف الرئيسيّة لقادتهم السياسيين: خوفهم من أن اللاّجئين في الأردنّ ولبنان قد يتوجهون أفواجًا إلى أوروبا. كولير، الذي أوضحَ في كتابه السابق «الخروج» أنه يفضّل مساعدة اللاجئين في منطقتهم، اعتُبِرَ مدافعًا مفيدًا يصغي له ديفيد كاميرون، الذي كان رئيس الوزراء البريطاني آنذاك.

كانت وزارة التنمية الدولية قد وجدت حليفًا لها في البنك الدولي، الذي ذهب كبار موظفيه إلى اعتبار اللاجئين منفعة عامة دولية ينبغي أن يتشارك المجتمع الدولي في تحمل نفقات حمايتها. وقد قام موظفون من البنك الدولي وإدارة التّنمية الدّوليّة البريطانية بمناقشة التّفاصيل، بالتّعاون مع وزير التّخطيط الأردنيّ عماد فاخوري، الذي تعيّن عليه الاضطلاع بالمهمّة الصعبة المتمثّلة بالتّعامل مع معارضةِ إعطاءِ الوظائفِ للاّجئين في ظلِّ اقتصادٍ فيه الكثير من الأردنيين العاطلين عن العمل.

بحلول موعد مؤتمر المانحين حول سوريا في لندن في شباط/فبراير 2016، تمّ التعهُّد بتقديم 12 مليار دولار لمساعدة اللّاجئين السّوريين، وعُرِفَت الخطة باسم «اتّفاق الأردن». واشتملت البنود على تقديم مبلغ 1.7 مليار دولار على شكل منح وعلى مدى ثلاث سنوات من أجل دعم مشاريع البنية التحتية؛ وإعفاء لعشر سنوات من قواعد الاتّحاد الأوروبّي للمنشأ (حاجز للتعرفة الجمركيّة) للمُنْتِجين في الأردن الذين يستوفون حصّة عمالةٍ من اللاّجئين السوريين، والتزام الحكومة الأردنية بخلق مئتي ألف «فرصة عمل» للسوريين.

وظائف أم تصاريح عمل؟ المعيار يُشكّل فارقًا

في أعقاب المؤتمر، تحوّل التعهّد الفضفاض بتوفير «فرص العمل» ليأخذ صيغة أكثر تماسكًا، وهي إصدار تصاريح العمل. في أيلول 2016، وافق البنك الدولي على منح الأردن قروضًا ميسرة طويلة الأجل بفوائد متدنية، بقيمة 300 مليون دولار، ضِمن برنامج البنك الدولي لضمان النتائج، وتم ربط تقديم الدفعات بتصاريح العمل التي يتم إصدارها، إضافة إلى تعهدات أخرى مثل تحسين مناخ الاستثمار.

لم يكن الجميع على قناعة بأن التركيز على إصدار التصاريح هو النهج الصحيح. قالت باري شوري، وهي خبيرة توظيف تعمل في لجنة الإنقاذ الدولية، إن اختيار «هدف يمكن تحقيقه»، مع أنه أمر متفهّم، إلا أنه يزيل قدرًا من التركيز على خلق وظائف جديدة. وأضافت إن «المعيار ليس دقيقًا. لا يتعلق الأمر بإصدار تصاريح عمل فحسب، بل بتوافر مصدر دخل».

بدا إصدار تصاريح عمل هدفًا يمكن تحقيقه. قدّرت وزارة العمل بأن هناك نحو مئتي ألف سوري يعملون بالفعل بشكلٍ غير رسمي قبل توقيع الاتفاق. وحاولت أن تضمن انطلاقة قوية بإزالة شرط توفر جواز سفرٍ ضمن إجراءات الطلب، آخذة في الاعتبار أن كثيرًا من اللاجئين فرّوا من سوريا بدون جوازات سفرهم. كما تم إعفاء السوريين من مصاريف إصدار تصاريح العمل، والتي كان يمكن أن تكلّف آنذاك أكثر من 500 دولار.

الاندفاع المتوقع على استخراج تصاريح العمل لم يتحقق. بالنسبة لكثير من السوريين، مثّل العمل بشكل غير رسمي خيارًا أفضل من الحصول على تصريح عمل.

لكن الاندفاع المتوقع على استخراج تصاريح العمل لم يتحقق. بالنسبة لكثير من السوريين، مثّل العمل بشكل غير رسمي خيارًا أفضل من الحصول على تصريح عمل. تنحصر التصاريح في قطاعات محددة، في الأغلب للوظائف ذات الحد الأدنى من الأجور، ويرتبط العامل برب عمل واحد فقط بعقد يمتد لعام. في بعض القطاعات المفتوحة أمام السوريين، مثل الإنشاءات، يمكنهم بالعمل الحر وتحقيق مستوى معيشة أفضل من العمل بوظيفة بأجر ثابت، وبدون الحاجة لدفع ضمان اجتماعي. ولا يستطيع السوريون الحصول على تصاريح عمل للمهن المغلقة أمام غير الأردنيين، مثل الطب والمحاماة والمحاسبة والتعليم وقيادة السيارات وهندسة الديكور وأعمال صيانة الكهرباء.

بعد أن واجهت تقدمًا بطيئًا، أزالت الحكومة مزيدًا من العقبات. عمّال المزارع الذين يشتغلون بشكل موسمي لم يكن لديهم عادةً رب عمل دائم يمكنه التقدم لاستخراج تصاريح العمل لهم، لذا سمحت الوزارة للّاجئين بتقديم طلباتهم من خلال الجمعيات التعاونية الزراعية، وهي جمعيات محلية للمزارعين. ويمكن للسوريين استخدام تلك التصاريح للتنقل بين المزارع، والعمل لصالح أي من المزارعين ضمن الجمعية التعاونية.

وحيثُ حقق قطاع الزراعة نجاحًا، تبعه قطاع الإنشاءات. إذ وقّعت الهيئة العامة لغرفة تجارة الأردن اتفاقًا مع وزارة العمل في حزيران 2017 يقضي بإصدار عشرة آلاف تصريح عمل لقطاع الإنشاءات، للسماح لعمال المياومة العمل بشكل قانوني دون الارتباط برب عمل واحد.

لكن كثيرًا من السوريين ظلوا غير مقتنعين. أقر وزير التخطيط عماد فاخوري أن مسيرة الأردن لخلق مئتي ألف وظيفة للّاجئين تقدّمت ببطء، إلا أنّ نجاحها سيحدده جذب الاستثمارات. وقال فاخوري إن وزارة العمل وفّرت «ما يقرب من 73 ألف تصريح عمل قانوني للّاجئين السوريين»، ثلثهم تقريبًا في وظائف جديدة.

يقول الدبلوماسيون المطّلعون على التطورات الأخيرة إن الأردن متأخر عن تحقيق هدف إصدار 55 ألف تصريح عمل صالح بحلول نهاية هذا العام، وإن الدفعة القادمة من التمويل سوف تعكس هذا العجز.

بينما يستشهد المدافعون عن «اتفاق الأردن» عادةً بتصاريح العمل التي تجاوز عددها 70 ألف، إلا أن ذلك لا يعطي الصورة كاملة. يتضمن هذا الرقم الذي تعلنه الحكومة تصاريح عمل منتهية المدة وأخرى مجددة. في الشهور العشرة الأولى من العام الحالي، تم إصدار حوالي 39 ألف تصريح عمل، شكّلت التصاريح الجديدة منها فقط ما تجاوز النصف بقليل. أما العدد الإجمالي فيشمل سوريين يجددون تصاريحهم أو يغيرون محل عملهم.

وُجهت أهداف البنك الدولي ضمن «برنامج ضمان النتائج» لتصاريح العمل الحالية فقط. ويقول الدبلوماسيون المطّلعون على التطورات الأخيرة إن الأردن متأخر عن تحقيق هدف إصدار 55 ألف تصريح عمل صالح بحلول نهاية هذا العام، وإن الدفعة القادمة من التمويل سوف تعكس هذا العجز. يمكن للحكومة استرداد الأموال عبر تحقيق أهداف مستقبلية، لكن هذه الأهداف ترتفع إلى 130 ألف تصريح عمل بحلول كانون أول 2019.

جهود توظيف السوريين «لم تُكلل بالنجاح»

في صحراء الأردن الشمالية الشرقية، تمر الشاحنات بجانب علامات إرشادية للحدود مع سوريا ولافتات تشكر المملكة العربية السعودية لتمويلها عملية إعادة تأهيل الطريق السريع الصحراوي. يؤدي الطريق إلى منطقة الضليل الاقتصادية الخاصة، وهي عبارة عن شريط من المباني المتهالكة في وسط البلدة، يغمرها الغبار، وتنتج دخانا رماديّا، سترات من ماركة Ralph Lauren وبناطيل من ماركة Perry Ellis، وطلبات لعمالقة متاجر التجزئة في الولايات المتحدة مثل Macy’s وWalmart وSears.

بالنسبة لمَن صاغوا «اتفاق الأردن»، بدَت المناطق الاقتصادية الخاصة مثل الضليل مكسبًا سريعًا: مجمّعات صناعية غير مستغلة على مقربة من مخيمات لاجئين تعُج بأيدي عاملة فائضة.

هنالك سابقة لهذه الفكرة. إذ كافأت الولايات المتحدة الأردن على توقيع معاهدة السلام مع «إسرائيل» في عام 1994 بمنح معاملة تفضيلية للسلع المصنّعة في الأردن في مناطق تعرف بالمناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)، بشرط أن يكون جزء من مدخلات الإنتاج من «إسرائيل». دفعت الصفقات الناتجة إلى نمو صناعة الألبسة التي وظّفت تدريجيًا 65 ألف عامل (ثلثاهم من العمالة المهاجرة)، وباتت تساهم بـ19 بالمئة من صادرات المملكة الأردنية، بما يعادل أكثر من 1.6 مليار دولار.

عندما تم إقناع الاتحاد الأوروبي بتخفيف شروط التبادل التجاري مع الأردن، توقع الجميع نتائج مشابهة. لكن مكوّنًا جديدًا أضيف إلى المشهد -كان على المصانع ضمان أن 15% على الأقل من قوّتها العاملة من اللاجئين السوريين. ومع ذلك، أحيانًا ما تغفل المقارنات المعقودة مع التفضيلات التجارية للولايات المتحدة أن قيمة الحاجز التعرفي (الرسوم الجمركية) للسوق الأميركي كانت 30%، أي ثلاثة أضعاف نظيرتها في الاتحاد الأوروبي، وهو بذلك أعلى قيمة بالنسبة للمصدرين.

كان «قاضي برويز» واحدًا من هؤلاء الذين اغتنموا الفرصة الجديدة. نشأته في المناطق الحدودية لباكستان ولّدت لديه تعاطفًا تجاه اللاجئين بعد مصادقته للأفغان الذين وفدوا إلى قريته فارّين من السوفييت. يتذكر برويز رؤيته الناس الذين كان لديهم في يوم من الأيام وظائف في الحكومة والصناعة، وباتوا الآن يسكنون في الخيم. ويقول: «أنا أعرف اللاجئين. من الصعب للغاية عليهم العيش في مخيمات».

عندما عمل برويز مديرًا للموارد البشرية في مصنع ملابس Apparel Concepts في منطقة الضليل، شارك في مشروع تجريبي لجلب ألفي سوري للعمل في المصانع. كان المشروع من تنظيم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج عمل أفضل/الأردن التابع لمنظمة العمل الدولية، وهو برنامج لتحسين أوضاع العمال في مصانع الألبسة.

عُهد للمفوضية مهمة حشد الاهتمام بين اللاجئين السوريين في المخيمات. دينا خياط، وهي نائب رئيس الجمعية الاردنية لمصدري الألبسة والمنسوجات (JGATE)، شهدت كيف خفت الحماس المبكر للمشروع. أقبل عدد قليل من السوريين ولم يكن لديهم اهتمام بالعمل في مصانع. في نهاية المطاف، لم يتم توظيف أي سوري. «لم يمثّل المشروع قصة نجاح»، تقول خياط.

عادة ما تستقطب صناعة الألبسة قوى عاملة غالبيتها من النساء. إلا أن العديد من اللاجئين في الأردن جاؤوا من محافظة درعا في جنوبي سوريا، وهي منطقة زراعية مُحافظة اجتماعيًا لم يكن معظم النساء يعملن خارج بيوتهن فيها. حظيت سوريا بصناعة ألبسة، لكنها تركّزت في مدينة حلب الشمالية ومعظم اللاجئين من تلك المنطقة ذهبوا إلى تركيا، وليس الأردن.

كانت جمانة، ابنة الثامنة والعشرين، من غوطة دمشق، من بين السوريين القلائل الذين حصلوا على وظائف في صناعة الألبسة. جاءت جمانة إلى الأردن مع عائلتها عام 2014 وبحوزتهم مبلغ ضئيل من المال لا يتجاوز 60 دولارًا. لم يكن لديهم أيضًا أصدقاء أو أقارب في مدن الأردن، لذلك استقروا خارج المدن الكبرى.

حاولت جمانة العمل في مزرعة لكن العمل كان مختلفًا عما عهدته في أرض عائلتها، كما واجهت متاعب في الحصول على أجرها. كانت تعيش بجوار منطقة الضليل عندما علمت بالسماح للسوريين بالعمل في المصانع من منشور على صفحة المفوضية على موقع فيسبوك. عندما سألت عن الأمر قام برويز بتوظيفها فورًا. تقوم جمانة اليوم بتخييط أحزمة السراويل من أجل تقويتها.

بعد مرور شهر، جلبت اثنتين من قريباتها للعمل معها في المصنع، لكن إخوتها رفضوا الانضمام لأنهم يكسبون أجرًا أكبر من العمل كحرفيين. تقول جمانة: «العمل هنا جيد، وهم يُعاملوننا معاملة حسنة. لم يأخذوا دينارًا واحدًا من أجري».

بالنسبة للاجئين السوريين في المدن، سيتطلب العمل في المناطق الاقتصادية الخاصة التنقل لمسافة طويلة مقابل العمل بحد أدنى للأجور لن يغطي على الأرجح تكاليف الإيجار أو المواصلات.

على العكس من جمانة، يعيش غالبية اللاجئين السوريين في الأردن في مدن، والكثير منهم لديهم أسر يعيلونها. بالنسبة لهؤلاء، سيتطلب العمل في المناطق الاقتصادية الخاصة التنقل لمسافة طويلة مقابل العمل بحد أدنى للأجور لن يغطي على الأرجح تكاليف الإيجار أو المواصلات.

توسّعت حملة التوظيف منذ ذلك الحين لتستقطب اللاجئين السوريين الذين يعيشون في مخيمات، والذين يقدّر عددهم بـ140 ألف. عُقد أول معرض توظيف في الزعتري، أكبر مخيم لاجئين في الأردن، في شهر تشرين أول/أكتوبر، وكان جهدًا مشتركًا بين منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمجلس النرويجي للّاجئين ومديرية شؤون اللاجئين السوريين التابعة للوزارة الداخلية الأردنية. حضر برويز المعرض، آملًا في إيجاد مزيد من النساء السوريات مثل جمانة، لكنه غادر خائب الأمل: «لم أشاهد امرأة واحدة».

معاناة برويز في العثور على عمّال سوريين تعكس إلى حد ما الصعوبات أمام الالتزام بشرط آخر، فرضته الحكومة الأردنية، وهو أن تكون ربع العمالة في صناعة الألبسة والمنسوجات من الأردنيين. إذ يوظف برويز حوالي 50 أردنيًا كل شهر، لا يبقى منهم سوى اثنان أو ثلاثة فقط في عملهم.

كانت دينا خياط، من جمعية مصدّري الألبسة، جزءًا من وفد حضر فعالية في مدينة لندن هدفت إلى ربط الموردين الأردنيين بالعلامات التجارية البريطانية، وهو جهد مشترك بين وزارة التنمية الدولية البريطانية والبنك الدولي. تقول خياط: «المشترون الذين رأيناهم كانوا متاجر بيع تجزئة صغيرة للغاية وليس الشركات الكبيرة التي نهدف لاجتذابها». لم تُعقد أي صفقة.

بعد مُضي عام على توقيع اتفاقية التجارة مع الاتحاد الأوروبي، استَقبل برويز من الوفود الأوروبية والمنظمات غير الحكومية الأجنبية أكثر ممّا استقبل من اللاجئين. بالرغم من جهوده، يوظّف برويز اليوم أربعة سوريين فقط. لكنه ما يزال متفائلًا. «نحن على الطريق الصحيح، علينا فقط فتح الأبواب».

المحاولات مستمرة، لكن الوظائف لا تكفي

مكتب توظيف اللاجئين في مخيم الزعتري لا يلفت النظر. تلك الحاوية الزرقاء المتواضعة ذات العتبة الخشبية ليست أكثر ما يجذب الانتباه في تلك البقعة الصغيرة من الصحراء الأردنية. سوف تجد طابورًا أطول من الناس أمام المكان الذي يحصل منه اللاجئون على تصاريح من أجل مغادرة المخيم، الذي استضاف في ذروته نحو 120 ألف لاجئ.

ومع ذلك، تقع على مكتب التوظيف ذو الحجرتين، والذي افتُتح في شهر أغسطس 2017، توقعات كبيرة. فهو يهدف لربط جزء من اللاجئين السوريين في الأردن الذين لا يزالون يعيشون في مخيمات، والذين تبلغ نسبتهم 13 بالمئة من اللاجئين السوريين في الأردن، مع سوق العمل.

مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية على توقيع «اتفاق الأردن»، يمثل مركز التوظيف في المخيم واحدًا من مجموعة التجارب الرامية إلى إطلاق الإمكانات التنموية للقوى العاملة من اللاجئين. تشمل هذه التجارب كذلك إقامة معارض توظيف وتوفير خدمات الحضانة وتعديل بعض التشريعات والأنظمة.

في نهار خريفي مُشرق، كان عدد الموظفين في مكتب التوظيف في الزعتري أكبر من مثيله من اللاجئين. يأتي نحو خمسين شخص يوميًا إلى المكتب للتقديم على تصاريح عمل لقطاع الزراعة أو الإنشاءات، أو من أجل البحث عن فرص توظيف أو تلقي نصائح لكتابة سيرهم الذاتية.

مريم أمٌ سورية ليس لديها أي دافع أو رغبة للحصول على عمل خارج المخيم، لكنها مُجهدة من الاصطفاف اللانهائي للحصول على تصريح مغادرة تستمر صلاحيته لأسبوعين فقط. عادة ما يعاملها مسؤولو المكتب بلطف – حتى أن بعضهم يندونها «أمي» – لكنها شعرت بالمهانة بعد وقوع مشادة كلامية مؤخرًا مع مسؤول من المخيم قال أنه مستاء من رؤيتها في كل مكان يلتفت إليه. قالت إن ذلك الشجار أشعرها بأنها «كالنملة».

كانت مريم، الأرملة والأم لتسعة أطفال، تدير متجرين للملابس قبل أن تفرّ من سوريا. ومنذ جاءت إلى الزعتري سخّرت عقليتها التجارية في العمل. بدأت بالتجول وبيع البطانيات خارج خيمتها قبل أن تفرض ملكيتها لقطعة أرض في «الشانزليزيه»، وهو ممر من الأكشاك غير الرسمية التي تمثل شارعًا رئيسيًا في الزعتري.

سار مشروع مريم بشكل جيد واستثمرت 560 دولارًا من إيراداتها للحصول على خمس حاويات، قامت بضمها لبعضها البعض لتحظى بمنزل أكثر راحة. أثناء أخذها لقسط من الراحة في حجرة ضيوفها المنجّدة بشكل جيد، قالت مريم إنها أصبحت أكبر مورد للبطانيات في الزعتري.

الحصول على تصريح عمل يمكّن اللاجئ داخل المخيم من الخروج والعودة بحرية لمدة عام.

ربما يقدم مركز الوظائف حلًا لمريم. الحصول على تصريح عمل يمكّن اللاجئ داخل المخيم من الخروج والعودة بحرية لمدة عام. وعلى حامليه تسجيل دخولهم مرة واحدة فقط كل شهر، وهو الإجراء الهادف إلى تمكين العمال من جلب رواتبهم إلى أسرهم. تسعى مريم للحصول على تصريح عمل في قطاع الزراعة، حتى تتمكن من مقابلة الموردين وليس للعمل في مزرعة.

تقول مريم: «يحصل الجميع على تصاريح عمل من أجل أن يخرجوا، ليس لديهم وظائف». حتى اليوم، 9 من كل 10 تصاريح عمل تصدر في الزعتري هي لقطاع الزراعة. فهي الأسهل والأقل ثمنًا، ولا تتطلب عقد عمل أو رب عمل ثابت أو اشتراك ضمان اجتماعي.

ترى لورا بوفوني، المسؤولة عن سبل عيش اللاجئين في المفوضية السامية أن تصاريح العمل هذه ليست خداعًا، بل تشكل إنجازًا كبيرًا. «إنه تصريح مغادرة يسمح لك بالذهاب للعمل في الزراعة، بكثير من راحة البال والكرامة»، بحسب قولها.

التغلب على «المهمة المستحيلة»

كل يوم عند السادسة صباحًا، تنتظر فاطمة خارج الأبواب الرئيسية للزعتري الحافلة التي تُقلّها مع 18 امرأة أخرى إلى العمل في مصنع، في رحلة تستغرق ساعة من الزمن. إنها الوظيفة الأولى في حياة هذه الأم ذات السابعة والثلاثين، والتي جاءت من دمشق مع أبنائها الخمسة.

فاطمة، ٣٧ عامًا، واحدة من العاملات السوريات اللواتي يعملن في مصنع جرش للألبسة والأزياء. تصوير أليزا ريزنك.

فاطمة خرساء منذ مولدها، لكنها تستخدم لغة إشارة ارتجالية لتشرح أن زوجها كسول ويقضي أيامه يُدخّن في الكارافان الخاص بهم. أما هي فتفضل الخروج للعمل في شركة جرش لصناعة الملابس والأزياء، وهو مصنع حديث وحيوي في مدينة التجمعات الصناعية.

لا ينتقل العمال مثل فاطمة إلى المصنع مجانًا. إذ تكلف الحافلة المصنع 210 دولار لكل عامل شهريًا، لكن المديرة التنفيذية أوريانا العوايشة قالت إنهم يستحقون التكلفة مقابل الفرصة التي يجلبونها معهم للتصدير إلى السوق الأوروبي.

أقدمت العوايشة على توظيف لاجئين بمجرد إقرار تسهيلات التجارة مع الاتحاد الأوروبي كجزء من «اتفاق الأردن». يشغل المصنع 2800 عاملًا وعاملة، غالبيتهم من بنغلاديش، لذا فإن الالتزام بتخصيص 15 بالمئة من الوظائف للعمال السوريين بدا صعبًا.

تقول العوايشة: «من أين سآتي بـ500 سوري؟ إنهم لا يقبلون العمل هنا».

في حزيران 2017، صدرت قواعد جديدة وجلبت معها فرصة أخرى. إذ أبلغت منظمة العمل الدولية العوايشة أن مصنعها يمكنه أن يصبح مؤهلًا للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي بدون تعرفة جمركية، إذا حققت نسبة التوظيف المطلوبة للسوريين على خط إنتاج واحد، عوضًا عن المصنع بأكمله. في نفس الوقت، سمحت قواعد جديدة للسوريين في المخيمات بالمغادرة من أجل العمل.

عادت العوايشة، التي عملت كمعلمة قبل أن تتحول إلى العمل الإداري قبل 13 عامًا وتصعد إلى رأس الشركة، للمحاولة مجددًا. أمضت شهرين تزور مخيم الزعتري، تقابل النساء وتحضر معارض توظيف؛ قامت بدعوة اللاجئين لزيارة المصنع والتجول به، وأنشأت حضانة، ورتّبت أمر المواصلات. بحلول تشرين ثاني، كان لديها خط إنتاج كامل من الإناث بعدد 85 عاملة، من بينهم 19 امرأة من الزعتري، فأصبح المصنع مؤهلًا للتصدير إلى أوروبا.

هل يمكن تكرار قصة النجاح التي حققتها امرأة مكافحة بطبيعتها مثل العوايشة على نطاقٍ واسع؟ هذا ما لم يتبيّن بعد. لا تغطي الأجور المتدنية لقطاع صناعة الألبسة احتياجات اللاجئين في المدن لدفع الفواتير. كما وجد مسح قامت به المفوضية أن أكثر من ثُلثي اللاجئين من النساء في الزعتري لا يرغبن في مغادرة المخيم للعمل.

تقول العوايشة: «كان الأمر أشبه بمهمة مستحيلة. كان صعبًا، لكن حمدًا لله أننا نجحنا». لا يزال أمامها التغلب على ما قد يمثل تحديًا أكبر، وهو إيجاد مشترين في الاتحاد الأوروبي لمنتجات المصنع.

بعد مُضي 18 شهرًا، حقق اتفاق الأردن «نتائج متفاوتة»، كما يُقرّ أليكساندر بتس، الذي لعب دورًا مؤثرًا في انتشار فكرة «الاتفاق» بمناصرته لاتفاقية مع الأردن.

وبينما يظل النجاح الفعلي الذي حققه اختبار الفكرة الأصلية في الأردن موضع خلاف، إلا أن الفكرة تواصل اكتساب زخم على مستوى عالٍ. إذ أن الأثر الأوضح والأسرع لاتفاق الأردن جاء بعد سبعة شهور من مؤتمر المانحين حول سوريا في لندن، عندما وافقت أثيوبيا على اتفاقٍ مماثل. وتجري مناقشة نسخ أخرى من الاتفاق في النيجر وأفغانستان وماليزيا.

«أعتقد أن ما تحقق في الأردن إيجابي برغم أنهم لم يصلوا بعد لأهدافهم المحددة من البداية»، يقول بتس. «أظن أنها تجربة استثنائية سيخرج عنها كثير من الدروس في كيفية إشراك قطاع الأعمال، وفي كيفية خلق وظائف للاجئين، وهي تُلقي بأثرها على عملية صناعة السياسات حول العالم».