إرث الجيش: تاريخ الانقلابات العسكرية في تركيا

السبت 16 تموز 2016

«إنه انقلاب. اذهبوا إلى منازلكم».

بهذه العبارة رد جندي تركي مساء الجمعة على مواطنين مرتبكين من مشهد الطائرات العسكرية والدبابات في شوارع إسطنبول، قبل أن تصدر مجموعة من الجيش بيانًا تؤكد فيه قيام انقلاب «من أجل إعادة إرساء النظام الدستوري وحقوق الإنسان والحريات وحكم القانون والأمن العام الذي تم تقويضه». توالت بعدها الأحداث التي حكمت على الانقلاب بالفشل، لكن هذه المحاولة ذكرتنا بأن إرث تركيا من الانقلابات العسكرية قد لا يظل حبيس كتب التاريخ.

ليلة عنيفة شهدتها تركيا، مع إعلان حظر التجول وحالة الطوارئ وإغلاق جميع المطارات. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان مسافرًا في إجازة خاصة، تحدّث في مكالمة عبر تطبيق الهاتف فيس تايم مع مذيعة محطة سي إن إن التركية وقال إن من انقلبوا لا يمثلون سوى مجموعة صغيرة داخل الجيش وأنهم «سيدفعون الثمن غاليًا». ودعا المواطنين إلى تحدي حظر التجول والخروج إلى الشوارع والساحات العامة، مضيفًا إنه «لا يوجد سلطة تعلو على سلطة الشعب».

خرج الأتراك إلى الشوارع بالآلاف، وعاد أردوغان إلى اسطنبول ليوجّه خطابًا متلفزًا من مطار أتاتورك، ومع ساعات الصباح بدا أن محاولة الانقلاب قد أحبطت، مخلفة حتى عصر السبت ٢٦٥ قتيلًا، بينهم ١٦١ مدنيًا وشرطيًا و١٠٤ من عناصر الجيش المشاركين في الانقلاب، و٢٨٤٠ معتقلًا  من العسكر، بحسب مصدر تركي رسمي. جميع الأحزاب التركية بما فيها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، المعارض بشدة لأردوغان، اتخذت موقفًا موحدًا ضد الانقلاب.

هذا المشهد كان مختلفًا تمامًا عمّا عهده الجيل الذي عاصر انقلابات تركيا السابقة، والذي كان آخرها عام ١٩٩٧ ضد الحكومة التي قادها حزب الرفاه، إسلامي التوجه، عندما قرر الجيش أن يرغم رئيس الوزراء نجم الدين أربكان على الاستقالة بسبب سياسات حكومته ذات الطابع الإسلامي.

نستعرض هنا تاريخ الانقلابات الأربعة التي شهدتها الجمهورية التركية الحديثة.

٢٧ أيّار ١٩٦٠

كان هذا الانقلاب الأول بعد أن أسس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية عام ١٩٢٣. عقدت أول انتخابات ديمقراطية في عهد الجمهورية عام ١٩٤٦، ثم في انتخابات عام ١٩٥٠ هُزم الحزب الجمهوري (حزب أتاتورك) ووصل الحزب الديمقراطي إلى السلطة برئاسة عدنان مندريس. في عام ١٩٦٠، نفذت مجموعة من ضباط الجيش بقيادة الجنرال جمال جورسيل انقلابًا عسكريًا ضد حكومة مندريس سيطرت فيه على الحكم، ونُفذ حكم الإعدام برئيس الوزراء مندريس واثنين من وزرائه بتهمة الخيانة العظمى وتقويض الدستور وإساءة استخدام الأموال العامة، بينما حكم على الرئيس جلال بايار بالسجن مدى الحياة.

تختلف الروايات عن سبب هذا الانقلاب، فالبعض يعزوها إلى توجهات مندريس الإسلامية مثل افتتاحه لأول معهد لتدريس الشريعة منذ عام ١٩٢٣ والسماح بإعادة الآذان باللغة العربية وقراءة الآذان باللغة العربية. في حين يقول آخرون أن الضباط الذين قادوا الانقلاب قد تلقوا تدريبًا من قبل الحكومة الأمريكية لتشكيل وحدة جيش سريّة مناهضة للشيوعية، وأنهم تدخلوا بعد أن قرر مندريس التوجه إلى الاتحاد السوفييتي للحصول على دعم اقتصادي إثر نفاذ المساعدات الأمريكية التي حصلت عليها تركيا ضمن مشروع مارشال.

عام ١٩٦١، تم تعديل الدستور وإقراره بعد استفتاء شعبي. وفي عام ١٩٦٥ عادت الانتخابات للانتظام، وفاز حزب العدالة بغالبية مقاعد البرلمان ليشكل حكومة برئاسة سليمان ديمريل، الذي فاز مجددًا في دورة ١٩٦٩، قبل أن ينقلب عليه الجيش عام ١٩٧١.

١٢ آذار ١٩٧١

كانت السياسات الاقتصادية لحكومة ديمريل على يمين الوسط: محافظة اقتصاديًا، ومؤيدة للغرب والخصخصة والاستثمار الأجنبي. ساءت الأوضاع الاقتصادية في تركيا كثيرًا في ستينات القرن الماضي، وزاد الاحتقان والتوتر والاستقطاب بين أقصى اليسار وأقصى اليمين. على اليسار، قامت مظاهرات كبيرة واعتصامات عمّالية واسعة النطاق في أواخر الستينات (ضمن موجة الحركات الطلابية والشبابية التي انتشرت في العام عام ١٩٦٨)، قابلها حزب الحركة القومية اليميني، وحزب النظام الوطني الذي أسسه نجم الدين أربكان عام ١٩٧٠ وكان أول حزب سياسي ذا طبيعة إسلامية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام ١٩٢٣ وجاهر برفض المبادئ الكمالية للجمهورية، مما استفز الجيش.

ما بين عامي ١٩٧٠ و١٩٧١، نفّذ شباب حزب الحركة القومية، الذين عرفوا بالذئاب الرمادية، اغتيالات عديدة استهدفت مئات الأكاديميين والمفكرين اليساريين، من ضمنهم أكراد. تعرّض كذلك أعضاء في الحكومة لاعتداءات وتفجيرات، وبدت حكومة ديمريل عاجزة تمامًا عن فرض الأمن.

هنا تدخّل الجيش عام ١٩٧١ في انقلاب بات يعرف بـ«انقلاب المذكرة»، إذ أرسلت قيادة الجيش مذكرة إلى رئيس الحكومة بمثابة إنذار نهائي طالبه فيها بالتنحي، وهو ما فعله ديمريل دون مقاومة، ليعلن الجيش الأحكام العرفية ويحكم عبر حكومات انتقالية محافظة حتى أيلول ١٩٧٣.

   Al-Urdon-1971coup

الصفحة الأولى من صحيفة الأردن، السبت ١٣ آذار ١٩٧١

Herald Tribune 1971 coup

الخطوات التي اتخذها الجيش لإعادة فرض الأمن تمثّلت عمليًّا بقمع المجموعات اليسارية، فتم منع التجمعات النقابية والمظاهرات، وتم تعديل الدستور عامي ١٩٧١ و١٩٧٣ بشكل يقيّد الحريات العامة ويضعف القضاء ويزيد من صلاحيات السلطة التنفيذية.

منعت السلطات العسكرية أيضًا حزب النظام الوطني عام ١٩٧٢ بحجة أنه يخرق المبادئ العلمانية في الدستور، فقام أربكان بتأسيس حزب الخلاص الوطني، ذي المبادئ الإسلامية أيضًا.

في انتخابات عام ١٩٧٣ حصل حزب الخلاص الوطني على ٤٨ مقعدًا في البرلمان التركي، ودخل حكومة ائتلافية عام ١٩٧٤ بقيادة حزب الشعب الجمهوري.

عاد سليمان ديمريل إلى رئاسة الوزراء عام ١٩٧٥ على رأس حزب العدالة المحافظ، وشكّل تحالفًا ضم حزب الخلاص الوطني – إسلامي التوجه، وحزب الحركة القومية – اليميني. لكن حالة عدم الاستقرار تفاقمت في تركيا وسادت البلاد ما بين عامي ١٩٧٦ و١٩٨٠ موجة من العنف من مجموعات يمينية مسلحة في مواجهة المعارضة اليسارية راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف شخص، إلى أن تدخل الجيش مرة أخرى عام ١٩٨٠.

١٢ أيلول ١٩٨٠

أعلن مجلس الأمن القومي التركي، الذي يترأسه قائد الجيش كينان إيفرن، عن انقلاب عسكري يوم ١٢ أيلول ١٩٨٠. وأمر المجلس بحل الحكومة والبرلمان وإعلان الأحكام العرفية وتعليق العمل بالدستور وحظر جميع الأحزاب السياسية والنقابات العمّالية. ودعا إيفرن للوقوف ضد الأحزاب الشيوعية والفاشية والإسلامية والعودة إلى المبادئ الكمالية للجمهورية.

يعتبر هذا الانقلاب الأكثر دموية في تاريخ تركيا، إذ اعتقل أكثر من نصف مليون شخص، لم يقدّم سوى نصفهم إلى المحاكمة، وتم تنفيذ حكم الإعدام في خمسين منهم، كما تم سحب الجنسية من الآلاف، وتعرض آلاف للتعذيب في السجون، وظل كثيرون آخرون في عداد المفقودين.

حكم مجلس الأمن القومي من عام ١٩٨٠ حتى ١٩٨٣، وسن دستورًا جديدًا للبلاد عام ١٩٨٢، هو الدستور القائم اليوم مع بعض التعديلات. تم تعيين إيفرن رئيسًا للبلاد لولاية سبع سنوات، ورفع الأحكام العرفية عام ١٩٨٣ لتجري الانتخابات النيابية، ويسلّم الجيش الحكم للحكومة المنتخبة.

AlRai-1980-coup 1980coup

Al Qabas 1980

في عام ٢٠١٤ أصدر محكمة الجنايات التركية حكمًا على أيفرن (٩٤ عامًا)، وقائد سلاح الجو وقت الانقلاب تحسين شاهين كايا (٨٩ عامًا)، بالسجن مدى الحياة بسبب دورهما في الانقلاب العسكري. تم الطعن بالحكم وتعطّل إصدار القرار النهائي، لكن الحكم حمل رمزية كبيرة وكان جزءًا من مساعي أردوغان لتحجيم الجيش الذي قاد أربعة انقلابات خلال أربعين عامًا.

٢٨ شباط ١٩٩٧

تأسس حزب الرفاه ذو التوجه الإسلامي عام ١٩٨٣ (كخليفة لحزب الخلاص الوطني الذي منعته السلطات العسكرية بعد انقلاب ١٩٨٠). وفي منتصف التسعينات هزّ حزب الرفاه المشهد السياسي التركي عندما حقق نجاحًا كبيرًا في الانتخابات البلدية عام ١٩٩٤ (التي أصبح رجب طيب أردوغان من خلالها عمدة مدينة اسطنبول)، والانتخابات الوطنية عام ١٩٩٥ والانتخابات المحلية عام ١٩٩٦، إذ حصل على ١٥٨ مقعدًا من أصل ٥٥٠ مقعد في البرلمان التركي ليشكل حكومة ائتلافية مع حزب الطريق الحق (المؤيد للانضمام للاتحاد الأوروبي). وفي ٢٨ حزيران ١٩٩٦ استلم رئيس حزب الرفاه نجم الدين أربكان رئاسة الحكومة ليكون بذلك أول رئيس وزراء في تاريخ الجمهورية التركية يحمل فلسفة سياسية إسلامية.

اعتبرت قيادات الجيش أن أربكان يقوّض الأساسات العلمانية للدولة التركية الحديثة بسياساته التي نفّذها بعد استلامه الحكم، مثل القيام بزيارات رسمية لليبيا وإيران، ومحاولة بناء مسجد في ساحة تقسيم، ومحاولة تغيير العطل الرسمية، والسماح للنساء العاملات في المؤسسات الحكومية بارتداء الحجاب وغيرها. قرر الجيش القيام بما عرف بـ«انقلاب أبيض» إذ قام بتنسيق حملة لإجبار أربكان على الاستقالة، دون حل البرلمان أو تعطيل الدستور أو إعلان الأحكام العرفية.

Al-Quds-AlArabi-1997coup

صحيفة القدس العربي، السبت ١ آذار ١٩٩٧.

في عام ١٩٩٨، أصدرت محكمة عليا قرارًا بحظر حزب الرفاه لأنه «خرق المبادئ العلمانية للدستور»، ومنع قياداته من العمل في السياسة لمدة خمس سنوات. بالتالي أجبر غالبية أعضاء الحزب المئة وخمسين في البرلمان أن يصبحوا نوابًا مستقلين، بينما أمرت المحكمة بإقالة بعضهم.

في عام ٢٠١٣، وتحت حكم أردوغان، بدأت محاكمة أكثر من مئة ضابط من قيادات الجيش التركي بسبب دورهم في انقلاب عام ١٩٩٧، من بينهم الجنرال اسماعيل حقي قرضاي الذي كان رئيس هيئة الأركان ما بين عامي ١٩٩٤ – ١٩٩٨. هذه المحاكمة جاءت بعد عام من الحكم على ٣٠٠ ضابط ومتقاعد عسكريين بتهمة التخطيط لانقلاب عام ٢٠٠٣.

* الصورة الأولى لجنود ومتظاهرين في ساحة تقسيم في إسطنبول فجر ١٦ تموز، بعدسة سيدات سونا، الوكالة الأوروبية للصور الصحفية، عن NBC News.