نهج الحكم العتيق: ماذا تعني المطالبة بتغييره؟

تصوير معاوية باجس

رأي

نهج الحكم العتيق: ماذا تعني المطالبة بتغييره؟

الثلاثاء 26 حزيران 2018

كم هو مثير للشفقة المشهد الأردني اليوم؛ مشهد خالٍ من السياسة ومليء بالأوهام والنفاق. لم يستوقف أحدًا خلال يوم إضراب النقابات المهنية واحتجاجات الدوار الرابع التي أشعلها أصحاب المال بوقود ما تبقى من الطبقة الوسطى، أن الناس لم تعد ترى في السلطات الدستورية فائدة تُرتجى، فالجميع كان مذعورًا من وقوع مشروع قانون ضريبة الدخل في حبائل النواب والأعيان، ولم يفكر أحد في أن السلطة القضائية أو المحكمة الدستورية، بالرغم من وعورة الطريق إليها، هي المُلتجأ الأخير لتحدي أي قانون. وعندما استبدل الملك رئيس الحكومة استجابة للاحتجاجات كما تراءى للناس، أدرك المحتجون أن احتجاجاتهم غير السياسية ضاعت هباءً، فرفع البعض شعار «الولاية العامة» و«تغيير النهج»، ولكن لأن النهج هو نهج الحكم والولاية هي ولايته، لم يأبه الملك لمصطلحَيْ النهج والولاية في خطاب تكليفه الرئيس الجديد. وعلى الرغم من ذلك انشغل الناس في جدال عن مناقب ونقائص الرئيس والوزراء الجدد، ذاهلين عن أن المشكلة ليست هناك.

دعونا من الأوهام، فالولاية العامة للرؤساء وحكوماتهم ليست إلا نكتة سمجة. ففي تاريخ الدولة الأردنية لم تتمتع أي حكومة بولاية عامة في الحكم، لأن الحكومة التي تأتي بالتعيين لا ولاية عامة لها. حتى حكومة الرئيس سليمان النابلسي التي اكتسبت شرعيتها من الانتخابات النيابية، قضت عمرها القصير وهي تنازع الملك بضراوة على ولايتها العامة، وتلك المنازعة هي التي «قصفت عمرها» وعمر الولاية العامة لكل حكومة أتت بعدها. وحتى رحيل الملك حسين منذ ما يقارب العشرين عامًا، كانت مهمة كل رئيس حكومة هي الدفاع عن ولايته، وإن لم يكن بذهن أي منهم، عدا سليمان النابلسي، أنه يمارس ولاية عامة، وإنما صلاحيات، مع تفاوت دفاع كل منهم عن صلاحياته بقدر كفاءته وذكائه وخبثه أحيانًا، وبقدر ما يتمتع به من كرامة وكبرياء، هذا إن توافرتا لديه.

في تاريخ الدولة الأردنية لم تتمتع أي حكومة بولاية عامة في الحكم، لأن الحكومة التي تأتي بالتعيين لا ولاية عامة لها.

أما شعار «تغيير النهج» الذي رُفع على سبيل التلميح خشية من التصريح، فمن رَفَعَه ينبغي أن يكون قد عنى به شيئًا واحدًا؛ تغيير نهج الحكم. فنهج الحكم، خصوصًا بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، يختزل السلطات الثلاث في شخص الملك المعفى دستوريًا من المساءلة، ويُحمّل تَبِعة ممارسة السلطة التنفيذية للحكومات بحيث تقوم الحكومة بوظيفة الدرع الواقي للملك من المسؤولية وتحمل تبعات القرار السياسي والاقتصادي عنه أمام الناس. ونهج حكم كهذا يتطلب أن تظل كل أدوات الحكم بيد الملك: الجيش والمخابرات والدرك والسلطة القضائية والمحكمة الدستورية ومجلس الأعيان، وهذا نسبيًا ما كان سائدًا في الأردن دائمًا خلافًا للدستور، ولكن التعديلات الدستورية الأخيرة جعلته جزءًا من بنية الدستور، وبذلك أصبح الدستور هو مرجعية هذا النهج ومصدر مشروعيته.

هذا هو النهج العتيق للحكم في الأردن الذي اجتهد الملك عبد الله الثاني واستخدمه في عهده، لكن لسوء حظ الجميع أن الفرصة لم تكن متاحة له للتدرب على هذا النهج قبل توليه المُلْك، فوصل الحال إلى ما وصل إليه، وها هو اليوم يُحمّل مسؤولية ما يحصل داخليًا للوزراء والنواب وضعف الأحزاب، وفي مناسبات أخرى لام أدوات الحكم كجهاز المخابرات و«الديناصورات»، مستثنيًا الجيش. وخارجيًا ألقى بالمسؤولية على حلفائه، مستثنيًا واشنطن، الذين يقال أنهم أوقفوا الدعم المالي بسبب مواقفه السياسية المبدئية من القضايا الفلسطينية والسورية واليمنية، وأنه نتيجةً لتوقف هذا الدعم، وليس بسبب سوء الإدارة والفساد والانفراد بالحكم، أصبحت الدولة الأردنية شبه مفلسة، وهي في حالة موت سياسي واقتصادي سريري تواجه فيه استحقاقًا إقليميًا ودوليًا لا رأي ولا قول لها فيه.

وعلى ذلك، من أراد تغيير النهج، فعليه أن يطالب الملك شخصيًا بذلك، لأنه الوحيد الذي يملك زمام التغيير دون إخلال باستقرار البلاد. ونظريًا، هذا يعني أن يتنازل الملك طوعًا عن السيطرة على أدوات الحكم ويخضعها لحكومة برلمانية، وأن يُدمج كل الإمكانيات المادية والبشرية التي بناها في الديوان الملكي خلال العشرين عامًا الماضية في الجهاز الحكومي الخاضع للرقابة. وبذات المعيار النظري، يجب على حكومة كهذه أن تستمد شرعيتها من انتخابات قائمة على نظام انتخابي حزبي يُمَثَّل فيه جميع الناس كمواطنين متساوين، وعليها أن تحمل إليهم برنامجًا سياسيًا تدير على أساسه العلاقات الخارجية والشؤون السياسية الاقتصادية الاجتماعية، وأن تتولى أدوات الحكم بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية ومواردها المالية وإنفاقها، وأن تتولى تشكيل عقيدتها العسكرية والأمنية بما يوافق النهج الجديد.

من أراد تغيير النهج، فعليه أن يطالب الملك شخصيًا بذلك، لأنه الوحيد الذي يملك زمام التغيير دون إخلال باستقرار البلاد.

إلا أن المجتمع الأردني وهو في حالِهِ هذه، لن يتقبل وصفة ديمقراطية ليبرالية جاهزة كهذه ترياقًا لتغيير النهج، وهي وصفة إذا ما طُبقت مرة واحدة فستنسف هيكل الدولة الأردنية وتجعله يتطاير في الهواء. التغيير يحتاج إلى لحظة تاريخية لإشعال شرارته، وهذه اللحظة مرّت مرتين في تاريخ الأردن في عامي 1956 و1989، وضاعت عندما أجهضها الحكم في عامي 1957 و1993. واللحظة التاريخية التي نعيشها الآن هي لحظة بائسة، فطبقة الحكم عاجزة عن حماية الناس وخدمتهم لأنها بمختلف مستوياتها مبنية على الاحتكار والتوريث والإرث السياسي والفساد وعلى تحالفات خارجية لا تراعي مصالح الدولة الأردنية. والأكثرية في المجتمع الأردني اليوم هم الفقراء الذين انضمت إليهم غالبية الطبقة الوسطى، وهذه الأخيرة فقيرة فعلًا لأنها تتعرض للإفقار التدريجي يوميًا بسبب نهج الحكم السياسي والاقتصادي، وغياب أي نهج اجتماعي واضح له.

أما المشهد السياسي فهو، بامتياز، مشهد البلد المرتمي في أحضان البنك وصندوق النقد الدوليين في فراش الاستهلاك منذ عام 1989. ومشهد الاقتصاد الذي يلهث وراء تنمية قطاع الخدمات الثانوي انتاجيًا، وتجارة المضاربة التي تحقق قيمة عالية من خلال تكاليف منخفضة لا تصنع إلا مزيدًا من الثراء للأغنياء على حساب القطاعات الإنتاجية الحقيقية في الزراعة والصناعة. وفي ظل التمسك باتفاقية منظمة التجارة العالمية واتفاقيات التجارة الحرة غير المتكافئة مع دول عظمى وشبه عظمى التي أبرمها الشباب الهواة من الليبراليين الجدد، تبقى المهمة الوحيدة للحكومات هي الاستدانة المفرطة وصرف الريوع على خدمة الدين والإنفاق على مشاريع مكلفة ليس لها عائد. وبذلك تظل الدولة تدور في دائرة سياسات عقيمة تمنع التنمية وتزيد من التخلف والفقر.

وما يزيد الطين بلة هو أن الحكم تاريخيًا لديه عقيدة تقوم على محاربة الأحزاب السياسية وهدمها لضمان انفراد الملك بالحكم. وآخر مؤشر على هذا هو الأوراق النقاشية التي يطلقها الملك بين الحين والآخر. فقد تزامن نشر هذه الأوراق مع التعديلات الدستورية الأخيرة التي أجهزت على مفهوم النظام النيابي الملكي وحولته إلى نظام ملكي رئاسي، وهي التي لم تكن سوى دعوة صريحة للامتناع عن تشكيل أحزاب سياسية، لأن الأحزاب لا مكان لها في نظام كهذا. وإلا فماذا يعني أن تُعدِّل الدستور لِتُركز كل أدوات الحكم في يد الملك، ثم تدعو الناس إلى تشكيل أحزاب سياسية؟ وأن تطلب في الوقت ذاته عدم الإفراط في تأسيس الأحزاب، لأن الملك يرى في نظام الثنائية الحزبية، بالإضافة إلى حزب وسطي ثالث، على أنه النظام الأمثل. لكن البعض، وإمعانًا في النفاق والانتهازية، لا يخجل من الاستشهاد بتلك الأوراق النقاشية في أدبياته السياسية والحزبية.

أما التيارات التي تدعي أنها سياسية، والتي تسعى إلى المشاركة في الحكم بواسطة الديمقراطية التصويتية، فسِمَتُها التعصب الديني والعشائري والإقليمي والجهوي، وهي مصطفة في سباق محموم لتحقيق غلبة أو محاصصة سياسية هي في حقيقتها سعي لاقتسام مكاسب الوضع القائم. وليس لدى معظم هذه القوى إدراك لمحورية التنظيم الحزبي في عملية الانتخاب والوصول إلى الحكم، ومن يدرك منها تلك المحورية، فعقائدها لا تبدو قابلة للاندماج في حياة حزبية تعددية لا تلغي غيرها إذا ما حققت الأغلبية في الانتخابات. وهذا ليس غمزًا من قناة الإسلاميين وحدهم، بل من قناة معظم التيارات الموجودة على الساحة الأردنية اليوم. وهذه القوى بنمط عملها تتواطأ مع الحكم والقوى العظمى المانحة، وبتعاون ساذج من كثير من الناس، على اختزال الديمقراطية في التصويت في الانتخابات كعملية إجرائية دون النظر إلى أي ممارسة ومضمون ديمقراطيين، وهي عملية مصممة لخلق ديمقراطية انتقائية ترسخ ميزان القوى القائم الذي لا يسمح برفع الأكثرية المهمشة إلى مشهد صنع القرار وإعادة توزيع المال العام بما فيه الثروات الخاصة التي نتجت عن سرقته.

هذه ليست دعوة للواقعية السياسية التي يرفع شعارها انتهازيو السياسة، ولا هي دعوة للقبول بالوضع على ما هو، لكن من يطالب بتغيير النهج ونقل الولاية العامة إلى الناس، عليه أن يتوقف عن التماهي مع النهج وعن الاصطفاف الإقليمي الذي هو وقود استمرارية هذا النهج. مأساوية المشهد اليوم تتمثل في أن معظم التيارات تترقب صفقة القرن بصمت دون أن تدرك من كُنْهِها سوى أنها مؤامرة على الشعب العربي في فلسطين وخارجها، وردّة فعلها الوحيدة هي المزيد من الاصطفاف والتمترس ضد بعضها البعض. والأسوأ هو ذلك التيار الذي يتجاهل عن وعي في سياساته وأدبياته أن العدو الإسرائيلي هو المسبب الرئيسي للبلاء الذي نحن فيه.