أن تكون ملاحقًا قضائيًا دون أن تعرف

الأحد 13 تشرين الثاني 2016
prison bars

لسنا مجهولي محل الإقامة، وهناك عدة وسائل للتحقق من عناوين سكننا أو عملنا في عصر الحكومة الإلكترونية، في دولة لا يتجاوز عدد سكانها 10 مليون نسمة. هكذا علّق متضررون تم تبليغهم قضائيًا على عناوين غير صحيحة.

يتحدث حمزة (اسم مستعار) عن تجربته التي أدت به إلى توقيفه ليلة بعد أن فاته بلاغ قضائي. فيوم تم توقيفه، كان حمزة وحده في سيارته المعمّم عليها حين التقطت كاميرا المراقبة صورتها، ليتبين له أن بحقه حكمًا يقضي بدفع سبع آلاف دينار لشرط جزائي كُتب في عقد عمل وقعه سابقًا.

«لم أكن أتوقع أن صاحب العمل الذي تركته منذ مدة سيعمل على مقاضاتي»، يقول حمزة، متسائلًا «كيف لي أن أعرف بأنني مطلوب بعد تبليغي على عنوان منزلي القديم؟ وهل حقًا كان يتوجب معاملتي كمجرم؟!».

يحمد حمزة الله أن أشقاءه تمكنوا من دفع المبلغ ليلتها، بعد توقيفه لحوالي 10 ساعات.

بحثًا عن العنوان

يرى محامون أن الآليات المتاحة حاليًا لإيصال التبليغات القضائية قد يتعدى ضررها التوقيف إلى حجز الأموال وتعطيل مصالح أخرى.

يستذكر المحامي منذر حمدان قضية موكله المستثمر العربي جمعة (اسم مستعار) الذي خسر حوالي 80 ألف دينار أردني جراء عدم تبليغه على عنوانه الصحيح.

كان جمعة قد غادر البلاد قبل أن يرفع أحدهم قضية عليه بمطالبات مالية تقدر بـ 650 ألف دينار، واعتبرها المحامي حمدان (وكيل الدفاع عنه) غير صحيحة.

ويؤكد حمدان أن موكله أُبلغ بالقضية على عنوان لم يسكنه طيلة مكوثه في الأردن، وبالتالي لم يصله التبليغ واعتُبر مجهول محل الإقامة ليصار لاحقًا لتبليغه بالنشر في صحيفتي السبيل والديار. ولم يعلم جمعة بالقضية المرفوعة ضده إلا عقب صدور الحكم والحجز على أمواله.

تمكن المحامي حمدان من إثبات بطلان إجراءات التبليغ وفق ما يظهر قرار محكمة استئناف عمان، لكن «بعد أن كان المدعي حصل على ما يقدر بـ80 ألفًا من المبالغ المطلوبة ولاذ بالفرار»، يؤكد المحامي.

ويشرح حمدان أن قضية أخرى منظورة أمام المحكمة منذ ما يزيد عن عامين للتمكن من استرداد أموال موكله جمعة.

ورغم أن المادة 56 من قانون الأحوال المدنية تلزم المواطنين والمقيمين من حملة جوازات السفر الأردنية بتثبيت عناوينهم، إلا أنه يلاحظ غياب التطبيق من قبل كثيرين، وفق ما أشار إليه محامون وقضاة.

وكانت دائرة الأحوال المدنية منحت للتصريح عن العنوان «مدة عامين اعتبارًا من تاريخ 19-5-2015 وحتى تاريخ 18-5-2017، وإلا فإنه سيكون على المخالفين دفع غرامة تقدر بـ 10 دنانير».

وعزا قاضٍ رفض الإفصاح عن اسمه عدم الالتزام بتثبيت العناوين إلى عدم وجود جسور ثقة بين المواطنين والحكومة تدفعهم للتخوف من تثبيت عناوينهم.

إضافة إلى كل ما ذكر سابقًا يوضح حمدان، وتوافقه الرأي المحامية والمستشارة في مركز العدل للمساعدة القانونية شيرين يعقوب، بأن محامي الخصم قد يتعمد أحيانًا التبليغ على عنوان غير واضح.

وتشير المحامية لين الخياط إلى أن آليات التبليغ المتبعة حاليًا تؤدي في كثير من الأحيان لإطالة أمد التقاضي بين محامي الخصم الذي يدفع نحو حبس خصمه، أو ذاك الطرف الذي يتهرب من استلام التبليغ سعيًا لاستئناف الإجراءات مطيلًا بذلك المدة الزمنية اللازمة لصدور الحكم.

تعديل القانون وحلول أخرى

وتكمن المشكلة وفق ما يفيده مختصون ومتضررون في عدم اعتماد آلية سلسة وسريعة كالبريد الإلكتروني أو الرسائل النصية للتبليغ في النص القانوني.

وتخصص المحكمة محضرين لإيصال التبليغات القضائية دون تقاضي أية رسوم من طالب التبليغ، بينما اعتمد لاحقًا بالإضافة لمحضري المحكمة كل من شركتي أرامكس والبريد الأردني لإيصال التبليغات القضائية.

لكن أمين عام وزارة العدل القاضي أحمد الجمالية قال إن الوزارة تستخدم نظام الربط الإلكتروني (BDA) مع دائرة الأحوال المدنية ويستخدمه المحضرون لتتبع عنوان سكن المطلوب تبليغهم.

وتمتاز الشركتان المذكورتان أعلاه بسرعتهما بحسب المحضرين، لكن على طالب التبليغ في حال اللجوء إليهما أن يدفع رسومًا رمزية لا تحتسب من ضمن مصاريف الدعوى.

الآليات المتاحة حاليًا لإيصال التبليغات القضائية قد يتعدى ضررها التوقيف إلى حجز الأموال وتعطيل مصالح أخرى.

وخلافًا للوسائل الحديثة التي تستخدم من قبل التنفيذ القضائي، لم تجد وزارة العدل آلية معتمدة قانونيًا لتبليغ المطلوبين قضائيًا رغم الحديث المستمر عن الحكومة الإلكترونية.

ويعد التطبيق الإلكتروني الخاص بالهواتف المحمولة الذي وفرته وزارة العدل باسم (وزارة العدل الأردنية -MOJ) غير كافٍ لاستعلام المواطنين عن الدعاوى القضائية المنظورة بحقهم، نظرًا لكونه لم يلقَ رواجًا بحسب ما تظهره إجابات المحامين والمتضررين الذين استطلعت معدة التقرير آراءهم.

وتعنى هذه الخدمة بحملة الأرقام الوطنية فقط دون المقيمين. وبحسب ما أفاد به مصدر مطلع في وزارة العدل رفض الإفصاح عن اسمه فإن 54 ألفًا عملوا على تحميل التطبيق مقابل 29 ألفًا استخدموه، معظمهم من المقيمين في الأردن، حيث حمّل التطبيق جزء من المقيمين في السعودية والعراق وفلسطين وعدد من الدول الأوروبية. ولم يذكر المصدر عدد مستخدمي التطبيق من الأردنيين وغيرهم. ويلفت المصدر إلى أن الأعداد المذكورة تعد قليلة نسبة لعدد سكان الأردن.

تؤكد المحامية يعقوب على أهمية اعتماد آلية إلكترونية تسهل تبليغ المواطنين، «سواءً إن كنت شاهدًا في دعوى منظورة أو شكوى جزائية أو شاهد حق عام أو مدعى عليك».

بينما يعتقد حمدان أن خلق قاعدة بيانات للمواطنين والمقيمين في الأردن عبر الدوائر المختلفة ليس بالأمر الصعب، مع الاستعانة بإحدى شركات تكنولوجيا المعلومات المتقدمة.

من جهته أفاد قاضٍ بأن اعتماد التبليغ الالكتروني يحتاج إلى تعديل لقانون أصول المحاكمات المدنية المعمول به، الأمر الذي يجعل من محاولة وزارة العدل الإلكترونية غير معتمدة قانونيًا.

ويجري العمل حاليًا بحسب المحامية الخياط على تشريع لاعتماد تبليغ المحامين الموكلين إلكترونيًا.

وأشار التقرير السنوي عن أعمال السلطة القضائية لعام 2015 إلى أن هناك خططًا لجعل المحاكم إلكترونية «يتم من خلالها السماح للمحامين بمخاطبة المحاكم وإجراء التبليغات والاستعلام بشكل إلكتروني بما يؤدي لسرعة الإجراءات والمحاكمات بما يحقق العدالة الناجزة.«

وقال القاضي الجمالية رئيس اللجنة المشكلة لتعديل قانون أصول المحاكمات المدنية إنه تم النص في مسودة مشروع القانون المعدل على جواز التبليغ بالوسائل الإلكترونية الحديثة.

وجاء في نص المادة 3 من المسودة المنشورة على موقع ديوان التشريع والرأي «تنظم إجراءات التبليغات ومواعيدها وشروطها وأحكامها بما في ذلك جواز إجراء تبليغ كافة الأوراق القضائية بالوسائل الإلكترونية بموجب نظام يصدر لهذه الغاية».

ومن المفترض إحالة المسودة إلى مجلس النواب قريبًا لينظر في إقرارها.

التنفيذ القضائي

أما فيما يتعلق بالتنفيذ القضائي فإن المسألة تعد أقل تعقيدًا نظرًا للوسائل الحديثة التي يستخدمها جهاز الأمن العام، سعيًا ليعرف المطلوبون بالأحكام الواجب تنفيذها بحقهم.

ويؤكد الناطق الرسمي باسم مديرية الأمن العام المقدم عامر السرطاوي أن إدارة التنفيذ القضائي تهدف من خلال الوسائل الحديثة كالبريد الإلكتروني والرسائل النصية (SMS) لتبليغ المطلوبين ليتمكنوا من تصويب أوضاعهم.

وفي تجربة أجرتها معدة التقرير فإن اثنين من أصل ستة أشخاص تمكنوا من الحصول على رد لدى استعلامهم عن الطلبات القضائية على الرقم المخصص من إدارة التنفيذ القضائي (94444).

ويوضح سرطاوي أن خللًا ما في الشركة المزودة للخدمة قد يعطل وصول الرد، إلا أنه ولأجل ذلك وجدت بدائل أخرى كالاستعلام عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني.

ولفت سرطاوي إلى أنه في حال توفر رقم هاتف المطلوب في قاعدة البيانات لدى إدارة التنفيذ القضائي يتم التواصل معه عبر رسالة نصية.

وما زالت المحامية يعقوب تذكر تلك السيدة التي تم توقيفها في المطار أمام أطفالها وزوجها حين كانوا يتجهون لقضاء عطلتهم في شرم الشيخ بسبب تبليغها على عنوان غير عنوانها.

وتعقب يعقوب بالقول إن إيجاد آلية للتبليغ القضائي كتلك المتبعة لدى إدارة التنفيذ القضائي من شأنه تسهيل حياة المواطنين وتجنيبهم التعرض للتوقيف أو تعطيل سفرهم.