فلسطينيون أردنيون في حرب لبنان

ربع قرن على نهاية الحرب الأهلية في لبنان: شهادات من عاشها

ربع قرن على نهاية الحرب الأهلية في لبنان: شهادات من عاشها

الأربعاء 30 أيلول 2015

كنت دائمًا أملك فضولًا تجاه الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، منذ أن اكتشفت مجموعة صور لوالدي حين كان مقاتلًا في صفوف إحدى الفصائل الفلسطينية في لبنان في تلك الفترة. ومع أنني استطعت لاحقًا معرفة تفاصيل الحرب ومسارها وأطرافها، وأشبعت جزءًا من فضولي تجاهها، إلا أن ما لم أعرفه إلى الآن هو تفاصيل تجربة والِدي هناك.

لم يكن والِدي يتحدث كثيرًا عن تلك الفترة، وللدقة تحدث مرة واحدة فقط عن بعض تفاصيلها عندما كانت عائلتي تقلّب ألبوم صور العائلة في أحد الأيام. تذكر وقتها أحد أصدقائه الذين كانوا معه، تحدث عنه قليلًا، وعبر عن اشتياقه له، ثم صمت، وظلّ بعدها يصد محاولاتي لمعرفة تفاصيل تجربته هناك إلى اللحظات الأخيرة من حياته.

استطعت لاحقًا معرفة بعض التفاصيل من المقربين من والِدي. عرفت أن جدي سافر في يوم من الأيام إلى لبنان ليتأكد أن والدي لم يقتل، بعد أن وصله خبر أنه قتل هناك، وحتى يؤكد لعائلتي في الأردن أنه حي تصور معه في دمشق حيث التقيا وعاد بالصورة فقط.

لم أكن أرغب بمعرفة لماذا ذهب والِدي إلى لبنان، كل فلسطيني وإن كان يحمل جنسية ثانية كان «يؤمن في تلك الفترة بأن لبنان هي القاعدة المتقدمة لتحرير فلسطين». ما كنت أرغب بمعرفته هو ماذا يعني أن يخوض الإنسان حربًا؟ ماذا يعني أن تكون بالقرب من الموت إلى هذا الحد؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يتجاوز تجربة قاسية، كالحرب؟

بعد سنوات وقع بين يدي دفتر أخضر اللون وأوراقه صفراء، وحين قلّبت مجموعة من صفحاته اكتشفت أن هذا الدفتر كان مع والِدي في فترة الحرب الأهلية بلبنان، وكان يكتب فيه بعض الخواطر واليوميات. شعرت وقتها أني وقعت على كنز، واستطعت أن أفهم بعض التفاصيل من تجربته من طبيعية اليوميات والاقتباسات التي كان يدونها. ومع أن ما كتبه في الصفحات الأولى كان في معظمه «اقتباسات ثورية»، إلا أنك تستطيع أن تلمس كلما تقدمت في قراءة صفحاته أن من كان يكتب فيه كان يزداد إحباطًا، إلا أنه كتب في نهايته اقتباسًا لا يمكن أن انساه: «إن الإنسان قد يهزم، لكن لا ينكسر».

منظمة التحرير الفلسطينية انسحبت من العاصمة اللبنانية بيروت مع نهايات شهر آب\أغسطس من عام 1982 بعد أن وقعت على اتفاق سلام مع الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل التي حاصرت بيروت لأكثر من ثمانين يومًا، ويصادف هذا العام الذكرى الثالثة والثلاثين لذلك الانسحاب، كما يصادف شهر تشرين الأوّل الذكرى الخامسة والعشرين لنهاية الحرب الأهلية اللبنانية.

الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان بدأ بعد انسحاب الفصائل من الأردن، بعد هزيمتهم على يد الجيش الأردني في شهر أيلول عام 1970، فيما بات يعرف لاحقًا بأيلول الأسود. وكان الفلسطينيون يأملون أن تكون لبنان نقطة انطلاقة فعلية نحو «تحرير فلسطين». ورغم نجاحهم النسبي في توجيه بعض الضربات العسكرية لإسرائيل في تلك الفترة، إلا أن الصراعات الداخلية التي دخلوا فيها مع القوى اللبنانية ثم مواجهتم إسرائيل بشكل مباشر قضت على ذلك الأمل.

تفاصيل ومسار الحرب الأهلية اللبنانية، التي سميت بذلك رغم أن اطرافها لم تكن لبنانية فقط، موثقة بشكل جيد نسبيًا، إلا أن ما كان غائبًا دائمًا هي القصص الإنسانية للأشخاص الذين خاضوا تلك التجربة، خاصة من عادوا منهم إلى الأردن، وهو ما سنحاول استحضار جزء منه.

الوصول إلى الأردنيين والفلسطينيين الموجودين في الأردن الذين شهدوا تلك الحرب أو كانوا جزءً منها كان سهلًا مقارنةً بمحاولة حثهم على الكلام، وبخاصة من كان منهم يمارس نشاطًا عسكريًا هناك، فما زال يخشى بعضهم من الملاحقة الأمنية التي تعرضوا له لفترة طويلة على يد جهاز المخابرات الأردني بعد عودتهم إلى الأردن، علمًا بأن تلك الملاحقة توقفت بعد عام 1989.

من قائمة بأسماء نحو 15 شخصًا ممن كان في لبنان في فترة الحرب الأهلية تواصلنا معهم، استطعنا لقاء 5 منهم، بعضهم كان واضحًا عليه التردد في الحديث عن تلك الفترة حتى اثناء اجراء المقابلة، وربما تحمل شهاداتهم جوابًا على ترددهم، إلا أن مقابلتهم كان مهمة لفهم تلك الفترة وطبيعتها وتعقيداتها، كما أشبعت جزءً مهمًا من فضولي تجاه تلك الفترة.

«شرارة» الحرب

مؤشرات التوتر بين الفصائل الفلسطينية في لبنان وقوى اليمين اللبناني كانت تعود إلى ما قبل عام 1975، إلا أن المؤرخين الذين كتبوا عن الحرب اللبنانية الأهلية اعتبروا أن محاولة اغتيال زعيم حزب الكتائب اللبناني بيير الجميل على يد مسلحين مجهولين والتي رد عليها الحزب بإطلاق النار على حافلة كانت تقل عددًا من الفلسطينيين في منطقة «عين الرمانة» في العاصمة بيروت في نيسان من عام 1975، كانت هي الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية اللبنانية.

حادثة «حافلة عين الرمانة» أشعلت المخيمات الفلسطينية، إذ نظمت الفصائل الفلسطينية مظاهرات احتجاج في كل المخيمات، والتي كانت من بينها مظاهرة في مخيم عين الحلوة، المخيم الأكبر للفلسطينيين في لبنان، والذي يقع في مدينة صيدا (50 كم جنوب بيروت).   

نعيمة الشريدة، فلسطينية الأصل والتي تحمل الجنسية الأردنية، كانت في تلك الفترة ما زالت تعيش مع عائلتها في مخيم عين الحلوة، وما زالت تذكر كيف استقبل المخيم خبر مقتل الفلسطينيين في «عين الرمانة».

الشريدة استقبلتنا في بيتها، ومع أنها تذكر تفاصيل تلك الفترة، إلا أنها كانت من النادر أن تتحدث عنها بتفاصيلها حتى أمام المقربين ومنها، لأنها فترة «كلها دماء وشهداء»، كما تقول.

تقول نعيمة: « لما وصلنا الخبر كل أهالي المخيم طلعوا من بيوتهن، الكل كان زعلان، أنا طلعت معهن وطلعنا مباشرة على السرايا الحكومي في صيدا، ما بقي حد بالبيوت الكل طلع». لم يكن ذلك اليوم عاديًا بالنسبة لنعيمة، ففيه قتل ابن خالها محمد شرارة.

«محمد كان الكل يحبه، قبل ما يستشهد وقبل مظاهرة صيدا جاب علم فلسطين، وحطه بنص الدار ولف حاله فيه، وحكى لأمه الي ما كان عندها غيره: بكرة راح يلفوني بالعلم ويلفوا فيه بالمخيم»، تقول نعيمة.

شرارة، كان يبلغ من العمر 24 عامًا، وكان عضوًا في أحد الفصائل الفلسطينية، وقبل مقتله تقول نعيمة «كان يلم كل أولاد الحارة، ويعطيهن ملصقات ما كنا نعرف شو هنه، وكان يعطيني نشا علشان نلزقهن، إحنا نلزقهن والكتائب يخزقوهم»، تقصد حزب الكتائب اللبناني.

في يوم مظاهرة «عين الرمانة»، حاولت أم محمد بأي وسيلة أن تمنعه من الخروج للتظاهر، إلا أنها لم تستطع، فعندما كانت المظاهرة تقترب من السراي الحكومي في صيدا الذي يبعد نحو خمسة كيلومترات عن المخيم، نجح محمد في الإفلات من والدته واللحاق بالمظاهرة.

تقول نعيمة «محمد لما فلت من أمه طار، ما كان يركض ركض، لا كان طاير، الجارات بقولن كان زي الطير الي مركب جنحان، أكمن دقيقة وكان في نص المظاهرة».

وما أن وصل شرارة إلى المظاهرة، حتى فتح الجيش اللبناني النار على المتظاهرين، وقتها قتل أربعة فلسطينيين من بينهم محمد، الذي لف بالعلم الفلسطيني وشيع في مخيم عين الحلوة في اليوم الثاني، كما تنبأ وكما كانت تخشى والدته.

هذه الأحداث أججت الغضب الفلسطيني، وباتت المخيمات تشعر بالخطر، ومع أن تدريب الفلسطينيين كان يجري قبل حادثة عين الرمانة، إلا أنه زاد بشكل كبير بعدها، وبات أكثر تنظيمًا، وكان معظم الشبان الفلسطينيون ينضمون إلى الفصائل.

الشريدة انضمت لاحقًا لمنظمة المرأة الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير، كما انضم أخوتها إلى فصائل فلسطينية، وبقيت في لبنان حتى عام 1981، قبل أن تشتت الحرب العائلة، التي لم تجتمع مرة أخرى إلا العام الماضي في مدينة دبي الإماراتية.

المعركة الداخلية ومواجهة إسرائيل

بعد حادثة عين الرمانة والصدام في المخيمات الفلسطينية، أخذ شكل الصراع ما بين الفصائل الفلسطينية وفصائل اليمين اللبناني المسيحية شكلًا أكثر دموية مما كان عليه سابقًا، كما شاركت أطراف أخرى في هذا الصراع لاحقًا.

ومع ذلك حاولت الفصائل الفلسطينية أن تبقي «أسلحتها موجهة نحو إسرائيل»، فقد نفذت خلال تلك الفترة عددًا من العمليات باتجاه إسرائيل وبخاصة أنها كانت تملك قواعد متقدمة في الجنوب اللبناني الذي يحاذي الأراضي الشمالية لفلسطين المحتلة.

معين الطاهر، قائد الكتيبة الطلابية التابعة لحركة فتح ، كان من بين الذين ألتقيناهم في العاصمة عمّان، وكان للكتيبة في ذلك الوقت دور مهم جدًا في المعارك مع إسرائيل في جنوب لبنان، كما أنها نفذت عمليات نوعية ضد إسرائيل كان من بينها أسر 8 جنود عام 1983، بالاضافة إلى عملية دلال المغربي.

منذ اللحظة الأوّلى يعطيك الطاهر انطباعًا أنك أمام رجل عسكري خاض حربًا طويلة تركت ندوبًا واضحة على جسده.

بعد هزيمة حزيران عام 1967، التحق الطاهر الذي كان يبلغ من العمر 15 عامًا بحركة التحرير الوطني فتح ليكون جزءً من حركة «تحرير فلسطين»، وعندما سألناه هل كنت في ذلك العمر تملك وعيًا بما أنت مقدم عليه قال «لا، كل ما كنت أعرفه وأرغب به فقط هو تحرير فلسطين».

سكن الطاهر مع والدته في إربد بعد «النكسة» وبسبب نشاطه مع حركة فتح، غادر الأردن بعد أيلول الأسود عام 1970، وحاول الالتحاق بالجامعة الأميركية في القاهرة، لكنه منع من ذلك، مما دفعه إلى الذهاب إلى بيروت لدراسة الاقتصاد والالتحاق بحركة فتح.

يعتبر بعض المؤرخين تجربة «الكتيبة الطلابية» واحدة من أهم التجارب الطلابية في الوطن العربي خلال القرن الماضي، لأنها تحولت من تجمع ثقافي طلابي إلى واحدة من أكثر التجارب النضالية تأثيرًا.

يقول الطاهر «لم نكن في وقتها نفكر باحتراف العمل العسكري، لكن الظروف فرضت علينا ذلك، وكنا نعمل بفعالية عالية رغم أننا كلنا جميعًا طلبة جامعات».

الكتيبة الطلابية حاولت، بحسب الطاهر، أن لا تنجر إلى المعارك الداخلية في لبنان، إلا أنها لم تستطع أن تصمت عن محاولات جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد للسيطرة على المناطق المحاذية للأراضي الفلسطينية مما كان يوقعها بصدام معها من وقت لآخر.

ومنعت الكتيبة قوات سعد حداد التي كانت موالية لإسرائيل من السيطرة على تلك المناطق، مما أعتبره البعض مقدمة للاجتياح الإسرائيلي الأوّل عام 1978.

كما سبق هذا الاجتياح عملية مجموعة دير ياسين التابعة لحركة فتح والتي كانت من بينها المقاتلة الفلسطينية دلال المغربي التي كانت تنتمي للكتيبة الطلابية منذ تأسيسها عام 1973.

وعندما سئلنا الطاهر كيف تصف دلال قال «دلال كانت فتاة متمردة، كانت دائمًا ترفض تتسلم مسؤوليات غير قتالية، كان بدها دائمًا تحمل السلاح وتصر على أن تكون في فصيل مقاتل»، يقول الطاهر.

ويتذكر الطاهر الليلة التي سبقت تنفيذ دلال ومجموعتها العملية التي قتل فيها أكثر من 30 إسرائيلي في حيفا. «كنت أعرف إنه دلال عم بتجهز حالها لعملية، وقبل العملية بيوم نزلت دلال على الكوفير وعملت شعرها وتصورت صورتها المشهورة».

يتابع «بعد ذلك توجهت دلال إلى بيت أم احمد في بيروت. أم أحمد ست لبنانية ابناءها الاثنين استشهدوا، وكنا نعتبرها أم الشهداء، وحاولت دلال ليلتها أن تستنطق أم أحمد لتعرف ما هي مشاعر الأم حين تستقبل خبر استشهاد ابنها؟ وكيف تعتز بأبنائها؟ في اليوم التالي توجهت دلال مع مجموعتها إلى حيفا».

استمرت الكتيبة الطلابية بالتواجد في جنوب لبنان وفي بيروت حتى بعد انسحاب المقاومة الفلسطينية من بيروت عام 1982، وكان لها دور كبير في التصدي لمحاولات إسرائيل لاجتياح لبنان، كما نجحت في أسر 8 جنود إسرائيليين عام 1983، والذين تم مبادلتهم لاحقًا بـ 5900 فلسطيني ولبناني لتعتبر أكبر عملية تبادل أسرى في تاريخ الصراع الإسرائيلي العربي.

الطاهر غادر لبنان جريحًا، على متن سفينية الجرحى التي غادرت بيروت نحو اليونان، ووقتها كانت زوجة الطاهر قد وضعت طفلته الثانية، عندما وصل الطاهر اليونان كان بدون أي أوراق ثبوتية، كل أوراقه اختفت بعد قصف بيته في الفكهاني في بيروت، وكانت أبنتهم الكبرى فدى ما تزال طفلة وموجودة في عمّان وترغب العائلة في إخراجها من هناك.

وللمصادفة كانت زوجة السفير الأردني في اليونان أكثم القسوس تزور الجرحى وأخبرتها يسار، زوجة الطاهر إنهم لا يملكون أي أوراق ثوبتية لمعين أو ابنتهم في عمّان، ولا يملكون إلا جوازًا قديمًا لها، فوعدتهم زوجة القسوس بتقديم أي مساعدة ممكنة، وفي نفس الليلة زارهم القسوس الذي تسلم التشريفات الملكية لاحقًا قبل أن يتوفى عام 2015، وقد أحضر تجهيزات كاملة لطفلة الطاهر الجديدة، ووعد أيضًا بتقديم المساعدة.

يقول الطاهر «عندما عاد القسوس إلى السفارة طلب من الموظفين في السفارة تغيير صفة زوجتي يسار من آنسة إلى سيدة وإضافة أنها زوجتي، وإضافة فدى في خانة الابناء، الموظفين قالوا للقسوس لا يمكننا ذلك لأنه لا توجد أي وثائق تتيح لنا جراء هذا التعديل، فطلب منهم أختام السفارة وبخط يده كتب كل التعديلات المطلوبة على الجواز».

وبالفعل بواسطة هذا الجواز استطاعت عائلة الطاهر أن تجتمع مرة أخرى. عاد الطاهر إلى عمّان لاحقًا، وأكمل حلمه القديم بدراسة الفلسفة، وبالفعل حصل على شهادة ماجستير بالفلسفة من الجامعة الأردنية، وهو يسكن الآن في بيت هادئ في منطقة صويلح في عمّان.

الاجتياح الثاني

بدأت إسرائيل اجتياحها الثاني للبنان مطلع حزيران عام 1982، وكانت تستهدف بشكل مباشر إخراج القوى الفلسطينية من جنوب لبنان ومن العاصمة بيروت لمنع تنفيذ عمليات عسكرية باتجاهها.

الفصائل الفلسطينية كانت تعرف أن الاجتياح الثاني اقترب، إلا أن الظروف هذه المرة كانت أصعب بكثير مما كانت عليه في الاجتياح الأوّل عام 1978، فحجم الخلافات كان كبيرًا بين الفلسطينيين أنفسهم بسبب الحديث عن تسوية قريبة مع إسرائيل، كما أن قتال قوى اليمين اللبناني وتعقد الخارطة السياسية الداخلية استنزف جزءًا من قوتهم.

راشد وادي الرمحي كان واحدًا من القادة العسكريين الميدانين للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في بيروت قبل اجتياح إسرائيل الثاني.

وادي، أردني الجنسية، وكان قد حكم عليه في الأردن مطلع السبعينيات بالسجن لمدة 15 عامًا، بسبب نشاطه السياسي، وبعد أن خرج من السجن توجه إلى لبنان للالتحاق بالفصائل الفلسطينية.

يقول وادي «معارك الاجتياح كانت صعبة، لكن كان بامكاننا الصمود في وجه إسرائيل»، ويؤكد وادي بأن المعارك مع قوى اليمين اللبناني كان مؤثرة في مسار المعركة وساهم ذلك في استنزاف الفصائل الفلسطينية.

«المعارك لم تكن سهلة، كل بيروت كانت تحت القصف، إلا أن الفصائل الفلسطينية ورغم الخلافات التي كانت موجودة بينها استطاعت إدارة المعركة بشكل جيد، واستطاعت الصمود لأكثر من 80 يومًا»، يقول وادي.

ورغم أن منظمة التحرير الفلسطينية صورت خروجها بهذه الطريقة من بيروت على إنه انتصار إلا أن وادي يرى أنها ما حدث هو عكس ذلك. «لم نتنصر في تلك المعركة، انسحاب منظمة التحرير كان هزيمة، لم نكن خائفين على أنفسنا وقتها، كنا خائفين على الشعب الفلسطيني في المخيمات».

قتل أكثر من 10 آلاف إنسان أثناء فترة حصار بيروت التي استمرت نحو سبعة أسابيع، ولم ينتهي الحصار إلا بعد أن وافقت منظمة التحرير ولبنان وسوريا والولايات المتحدة على اتفاق سلام يفضي بخروج المنظمة واستبدالها بقوى حفظ سلام.

وما لا يستيطع نسيانه وادي من تلك المعركة ما حدث مع رفيقه في الجبهة الديمقراطية هشام الفاهوم.

الفاهوم أصيب بحالة فصام بالشخصية أثناء الحرب، وأثناء انسحاب المنظمة من بيروت كان يسير في الشوارع ويصرخ بأعلى صوته ويشتم المنظمة وقادتها واعتبرهم متواطئين مع إسرائيل، لأنهم تركوا لبنان و«المقاومة».

خرج الفاهوم من لبنان لاحقًا، وكانت حالته النفسية قد تحسنت قليلًا، ثم توجه إلى موسكو للدراسة، لكن الحرب كانت قد تركت آثارًا مدمرة في الفاهوم. فبعد أن وصل موسكو انتحر، بالقفز من عمارة عدد طوابقها 22 طابقًا.

خروج منظمة التحرير من لبنان، من أرشيف الأسشويتد برس

ولم يكن وادي من بين اللذين خرجوا من لبنان عام بعد الحصار، إذ بقي في بيروت وشارك في عدد من المعارك التي حدثت لاحقًا، إلا أنه بعد عام 1983 ذهب إلى دمشق، ثم عاد إلى الأردن بعد تعليق الأحكام العرفية عام 1989.

بعد عودة وادي إلى الأردن، ضيق عليه أمنيًا لسنوات طويلة حرمته من العمل أو العيش بطريقة طبيعية. رغم أن ذلك لم يمنعه من العمل بشكل سلمي في عدد من النشاطات المناهضة للتطبيع مع إسرائيل، ورافقته عائلته في كل تفاصيل هذه الرحلة.

المذبحة

بعد انسحاب الفصائل الفلسطينية من العاصمة بيروت في نهاية آب عام 1982 بأيام قليلة أحاطت القوات الإسرائيلية بمخيم صبرا وشاتيلا، ولم يكن أهالي المخيم يتوقعون أن تخلّ إسرائيل أو الفصائل اللبنانية باتفاق السلام الذي وقع نهاية شهر آب من ذات العام وتقتحم المخيم، إلا أن ذلك ما حصل، لترتكب إسرائيل وحزب الكتائب ما عرف لاحقًا بـ«مذبحة صبرا وشاتيلا».

المخرجة الفلسطينية فاطمة الحلو، التي تعيش في العاصمة البريطانية لندن، والتي عرضت خلال شهر أيلول من هذا العام فيلمها «العودة إلى الجذور» في العاصمة عمّان، كانت من بين الناجين من المذبحة، وما زلت تذكر تفاصيلها.

تقول الحلو بلهجتها الفلسطينية المطعمة ببعض الكلمات اللبنانية «لسا عم بذكر مشهد أوّل دبابة إسرائيلية دخلت المخيم، وقتها ما كنا نعرف شو جايبتلنا هالدبابات معها».

«كان لسا عمري 10 سنين وقتها، أوّل ما دخلت الدبابات أولاد وبنات المخيم راحوا عليها، الإسرائيليين سلموا علينا، وسلمنا عليهم، ما كنا نعرف شي»، تقول الحلو.

القوات الإسرائيلية أحاطت بالمخيم في صباح ذلك اليوم، الذي كان يوم أربعاء، وبعد الظهر بدأت الآليات العسكرية والدبابات تدخل إلى مداخل المخيم، لكنها سرعان ما كانت تنسحب. وفي عصر ذلك اليوم دخل عناصر الكتاب اللبنانية بحامية الدبابات الإسرائيلية، وشرعوا في قتل الفلسطينيين في المخيم.

تتذكر الحلو بداية المذبحة وتقول «سمعنا صوت انفجارات على طرف المخيم، ما حد حكالنا شيء أو حذرنا، فجأة، كل أهالي المخيم صاروا يصوتوا ويركضوا من القصف، جيرانا أجوا على بيتنا واحتموا فيه، لأنه كان بيت عالي وبعيد شوي عن القصف».

تتابع: «دخلت علينا جارتنا والدم مغطيها من فوق لتحت، وبتصرخ: قتلوا زوجي! قتلوا زوجي! والدي من الصدمة ما كان مصدق، تناول مسدسه وكان في عنده قنبلة يدوية تناولها، وخلانا كلنا نحتمي في الدار».

حاول بعض أفراد عائلة فاطمة ومن كان يحتمي في منزلهم بالتفكير بالخروج نحو مستشفى غزة الذي يقع في وسط المخيم، لكن ما أن خرجوا حتى ألقت بعض عناصر الكتائب القبض عليهم.

مشاهد من صبرا وشاتيلا وانسحاب الفصائل الفلسطينية من لبنان من أرشيف الأسوشيتد برس

«أوّل ما مسكونا نزلوا ضرب فينا وضلهم يسبوا علينا ويسبوا على أبو عمار وعلى الفلسطينيين، وبعدها خلونا نمشي على جثث ناس من المخيم، أنا ما كنت مصدقة شيء، ومش فاهمة شيء»، تقول الحلو.

تقول الحلو أنه بين الجنود الإسرائيليين الذين قبضوا عليهم، كان الجنود الذين قتلوا إحدى جاراتهم. تقول «أمي وجارتنا كانوا يعرفوا عبري، وكانوا الجنود الإسرائيليين اللي مع الكتائب يسبوا علينا بالعبري، أمي وجارتنا ردوا عليهم، ففتحوا النار وقتلوا جارتنا».

بعد أن احتجزت عائلة الحلو لساعات أفرج عنها واستطاعت الوصول إلى مستشفى غزة، الذي لم يكن مكانًا آمنًا، فبعد أن تحصنت فيه العائلات الفلسطينية دخلته قوات الكتائب وقتلت عددًا كبيرًا ممن كان فيه. ورغم ذلك نجت عائلة الحلو مرة أخرى.

وعرفت فاطمة لاحقًا كيف قتلت ابنة خالة أمها التي كانت حاملًا في حينه. تقول الحلو «بنت خالة أمي كانت حامل، وهيه بتهرب من البيت مسكوها جنود إسرائيليين تراهنوا على جنس المولود إلي في بطنها على علبة بيرة، وعلشان يعرفوا مين حزر هوية الطفل الي في بطنها، عقروا بطنها بسكين، وقتلوها».

نجح أفراد عائلة الحلو في النجاة من المذبحة، لكن مئات الفلسطينيين الآخرين لم يتمكنوا من النجاة منها، ومع ذلك تقول فاطمة «صعب كثير عليك تتجاوز شيء زي إنك تشوف جثة للمرة الأوّلى، قعدت سنوات بعدها كل ما أتذكر إلي صار كل جسمي برتعد وببطل حاسة بالعالم الي حولي».

لا توجد أرقام دقيقة عن قتلى مذبحة صبرا وشاتيلا، فبينما تقول مصادر فلسطينية إن عددهم تجاوز الثلاث الاف تقول مصادر لبنانية أن عددهم كان نحو 450.

الكتائب تحقق في مقتل وصفي التل!

والد فاطمة الحلو، زياد الحلو، لم يغادر مع العائلة، بل بقي في المنزل وتحصن فيه مع ابنه، واستطاعت قوات الكتائب الوصول إليهما واعتقالهما، إلا أنها احتجزته لمدة طويلة وهي تحقق معه بسبب اسمه.

اسم زياد الحلو مرتبط بمنظمة أيلول الأسود، التي أعلنت مسؤوليتها عن اغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل في شهر تشرين الثاني عام 1971 في العاصمة المصرية القاهرة، إلا أن زياد والد فاطمة هو شخص مختلف تمامًا عن الحلو المرتبط بمنظمة أيلول أسود، كما تقول فاطمة.

ومع ذلك عندما اعتقلت الكتائب اللبنانية والدها حققت معه لساعات بسبب اسمه، وكان عناصر الكتائب يعتقدون أنهم وصلوا إلى من ساهم في مقتل التل، وتعرض والد فاطمة للتعذيب لساعات، إلا أنه أصر أنه وزياد الحلو المرتبط بمنظمة أيلول الأسود، شخصان مختلفان.

غادرت فاطمة لبنان لاحقًا وتوجهت إلى بريطانيا لدراسة الصحافة، ثم عملت لاحقًا في إنتاج الافلام، وكانت كل ـفلامها تدور حول القضية الفلسطينية، وأخرجت فيلمًا يصور عودتها للمرة الأوّلى إلى فلسطين يحمل عنوان «العودة إلى الجذور».

العودة إلى لبنان

رغم انسحاب الفصيل الفلسطيني الأكبر من بيروت في أيلول من عام 1982 الممثل بحركة التحرير الوطني فتح إلا أن الوجود الفلسطيني العسكري لم ينتهي من بيروت أو من الجنوب اللبناني، وهو ما سمح للبعض بالعودة إلى هناك على أمل تحقيق «الحلم الفلسطيني» بأن تكون لبنان مدخلًا لتحرير فلسطين.

الروائي الأردني أحمد أبو سليم، كان من بين الذين عادوا إلى لبنان وانضم إلى إحدى الفصائل الفلسطينية بعد مغادرته تركيا إثر تضييق الجيش التركي على الفلسطينيين في تلك الفترة.

يقول أبو سليم «عدت إلى لبنان لأني كنت وما زلت أؤمن أن الحل العسكري هو الطريقة الوحيدة لاستعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة، عن طريق لبنان أو سواها، لأن إسرائيل لا تفهم لغة السلام».

«ومع أن الانسحاب من بيروت عام 1982 كان بمثابة الهزيمة، إلا أن الأمل وقتها كان ما زال موجودًا، فبقاء بعض القوى الفلسطينية في لبنان أعطى المجال لأمثالي للعودة إلى هناك»، يقول أبو سليم.

لم يكن المشاركة بالحرب بالنسبة لأبو سليم قرارًا سهلًا يقول «فكرة الحرب بشعة، حياة يومية تفاصيلها جافة، والموت يحيط بك من كل مكان، لكن احيانًا لا تملك الخيارات».

كتب أبو سليم رواية اسمها الحاسة صفر تلخص تجربته في تلك الفترة كتب في بدايتها:

كان المعسكر عامذاك هادئًا بعد صيف الهزيمة القائظ الطويل.
الذين جاؤوا من كل أصقاع الأرض ماتوا .. أو عادوا إلى ديارهم.
وحدهم الذين كانوا يظنون أن المعركة ما زالت في بدايتها ظلوا وكنت أنا أحدهم، أحد الذين استيقظوا في زمن السبات.

في تلك القترة يقول أبو سليم: «وقتها رغم الانسحاب والهزيمة كنا نحس إنه فلسطين قريبة، أقرب من الآن بكثير».

لم يستمر أبو سليم طويلًا في لبنان، لكنه يقول إن تلك التجربة غيرت مفاهميه للحياة، ولن يستطيع نسيانها بسهولة، ككل من كان منها في لحظة ما.

غادر أبو سليم لبنان ولم يحقق حلمه بتنفيذ عملية عسكرية ضد إسرائيل، وذهب إلى الاتحاد السوفياتي لاستكمال دراسة الهندسة، وعاد إلى الأردن بعد عام 1989.

أنتهت الحرب الأهلية اللبنانية في شهر تشرين الأوّل من عام 1990، بعد صراع تعددت اطرافه واستمر لأكثر من 15 عامًا أدى إلى مقتل أكثر من 100 الف إنسان على الأقل، إلا أن اثار تلك الفترة ما زالت موجودة إلى الآن، كما أن الصراع مع إسرائيل أستمر حتى بعد انتهاء الوجود الفلسطيني العسكري في لبنان.