قصة الرجل الذي قرصن انتخابات أمريكا اللاتينية

كيف تُقرصن الانتخابات؟

الخميس 21 نيسان 2016
Februrary 26, 2016. Bogotá, Colombia. Ándres Sepúlveda (31) lives at an undisclosed maximum-security building of the General Attorneys office (Fiscalia Nacional) in Bogotá, Colombia; where he is serving a 10 years sentence for hacking and spying on the government and elected officials. Photo Credit: Juan Arredondo for Bloomberg BusinessWeek.

بقلم جوردن روبرتسون، ومايكل رايلي، وآندرو ويليس.
ترجمة إبراهيم الطراونة

(نشرت هذه المادة بالإنجليزية في مجلة بلومبيرغ بيزنس ويك بتاريخ 31 آذار 2016).

قبل منتصف الليل بقليل، أعلن إنريكه بينيا نييتو فوزه في الانتخابات الرئاسية المكسيكية. كان المليونير بينيا نييتو يعمل محاميًا وينتمي لعائلة شغلت مناصب رؤساء بلديّات ومحافظين، وكانت زوجته نجمة تمثيليات تلفزيونية. ظهر مبتسمًا والقصاصات الاحتفالية الملوّنة تنهمر عليه في مقر الحزب الثوري المؤسساتي، في مدينة مكسيكو، الذي حكم البلاد لما يزيد عن 70 عامًا قبل تنحيته عام 2000. وعد بينيا نييتو، بعد عودة الحزب لتسلم السلطة في تلك الليلة من تموز 2012، بالحد من عنف عصابات المخدرات، ومحاربة الفساد، وبدء حقبة أكثر شفافية للسياسة المكسيكية.

على بعد ألفي ميل، في إحدى شقق حي تشيكو نافارّا الراقي بمدينة بوغوتا، كان أندريس سيبولفِدا يجلس أمام ست شاشات حاسوب. سيبولفِدا كولومبي، وقوي البنية، وحليق الرأس، ذو سكسوكة ووشم كود QR يحوي مفتاح تشفير على رأسه من الخلف. على مؤخرة عنقه، يظهر وسما </head> و<body> موشومين فوق بعضهما. كان يتابع البثّ المباشر لاحتفال بينيا نييتو بالنصر، وينتظر إعلان النتائج الرسمية للانتخابات.

بعد فوز بينيا نييتو بدأ سيبولفِدا بتدمير الأدلّة، ثقب وحدات ذاكرة الفلاش والأقراص الصلبة والأجهزة الخلوية، وأذاب شرائحها الإلكترونية بالميكرويف ثم تأكد من تحطيم ما تبقى بالمطرقة، ومزّق وثائق ودفع بها داخل المرحاض، ومسح بيانات خوادم في روسيا وأوكرانيا استؤجرت بشكل مجهول باستخدام البيتكوين. كان، حسب قوله، يتخلّص من الآثار السرية لأقذر الحملات الانتخابية في الذاكرة الحديثة لأمريكا اللاتينية.

«كانت مهمتي أن أمارس الحروب النفسية القذرة، والدعاية السوداء، ونشر الإشاعة، ذلك الجانب القاتم من السياسة الذي لا يعرف أحد بوجوده، لكننا كلنا نرى نتائجه»

يقول سيبولفِدا، ذو الـ31 عامًا، إنه تجوّل لثماني سنوات في القارة الجنوبية وزوّر حملات انتخابية كبيرة. كانت حملة بينيا نييتو، بميزانية 600,000 دولار، الأكثر تعقيدًا، حيث قاد فريقًا من القراصنة لسرقة استراتيجيات الحملات الأخرى، وللتلاعب بمواقع التواصل الاجتماعي وخلق موجات وهميّة من الحماس أو السخرية، ووضع برامج تجسّس على أجهزة المنافسين، كل ذلك لمساعدة بينيا نييتو، مرشّح يمين الوسط، في انتزاع النصر. في تلك الليلة من تموز، فتح زجاجة تلو الأخرى من بيرة كولون نيغرا احتفالًا، فهو كعادته في ليالي الانتخابات، وحيد.

بدأ سيبولفِدا العمل في هذا المجال عام 2005، كانت مهامّه الأولى صغيرة، أغلبها تخريب المواقع الإلكترونية للمنافسين وقرصنة قواعد بيانات مموّليهم. بعد بضع سنوات كان يجمّع فرقًا تتجسّس على المنافسين وتسرقهم وتشوّه سمعتهم لصالح حملات انتخاب رئاسية في أنحاء أمريكا اللاتينية. لم يكن ثمن خدماته رخيصًا، ولكنها كانت شاملة. يمكن للزبون لقاء 12,000 دولار في الشهر أن يحصل على طاقم لقرصنة الهواتف الذكية، وانتحال أو استنساخ الصفحات الإلكترونية، وإرسال رسائل بريد إلكترونية أو نصية جماعية. الحزمة الممتازة في الشهر تشتمل على مجموعة كاملة من الرصد والهجوم وفك التشفير والدفاع الإلكتروني مقابل 20,000 دولار. الأموال المحصّلة من تلك الأعمال تُغسل بواسطة عدّة طبقات من الوسطاء والمستشارين. يقول سيبولفِدا إن معظم المرشحين الذين ساعدهم قد لا يعلمون بدوره؛ إذ يقول بأنه قابل بعضهم فقط.

عملت مجموعات سيبولفِدا على الانتخابات في نيكاراغوا وبنما وهندوراس والسلفادور وكولومبيا والمكسيك وكوستاريكا وغواتيمالا وفنزويلا. تم الاتصال بالناطقين الرسميين السابقين والحاليين باسم الحملات المذكورة في هذه القصة، لكن لم يعلّق منهم سوى الحزب الثوري المؤسساتي المكسيكي وحزب التقدم الوطني الغواتيمالي.

خلال طفولته، شهد سيبولفِدا عنف المجموعات المسلحة الشيوعية في كولومبيا، فانحاز لليمين الناشىء في أمريكا اللاتينية عندما كبر. آمن بأن القرصنة الإلكترونية ليست أكثر شيطانية من تكتيكات من يعارضهم مثل هوغو تشافيز ودانييل أورتيغا.

باءت الكثير من جهود سيبولفِدا بالفشل، لكن لديه من النجاحات ما يكفي كي يدّعي بأنه الأكثر تأثيرًا على مسار السياسة في أمريكا اللاتينية خلال القرن الواحد والعشرين. «كانت مهمتي أن أمارس الحروب النفسية القذرة، والدعاية السوداء، ونشر الإشاعة، ذلك الجانب القاتم من السياسة الذي لا يعرف أحد بوجوده، لكننا كلنا نرى نتائجه»، قال بلغته الإسبانية خلال جلوسه إلى طاولة بلاستيكية صغيرة في ساحة خارجية داخل مكاتب المدّعي العام الكولومبي شديد التحصين. فهو يقضي محكومية 10 سنوات في السجن بعد اتهامات تضمّنت استخدام البرمجيات الخبيثة، والتآمر لارتكاب جريمة، وخرق البيانات الشخصية، والتجسس، وهي التهم المرتبطة بالقرصنة الإلكترونية خلال انتخابات كولومبيا عام 2014. وافق سيبولفِدا على البوح بقصته لأول مرة، آملًا في إقناع المجتمع بأنه تم تأهيله، ولجمع الدعم في سبيل تخفيض الحكم.

يقول بأنه كان يعمل عادة لصالح خوان خوسيه ريندون، المستشار السياسي المقيم في ميامي والذي يُدعى أحيانًا بكارل روف* أمريكا اللاتينية. ينكر ريندون استخدام سيبولفِدا في أي شيء مخالف للقانون، ويرفض القصة التي شاركها سيبولفِدا مع بلومبيرغ بيزنس ويك عن علاقتهما بشكل قاطع، لكنه يقر بمعرفته وباستخدامه في تصميم المواقع الإلكترونية. «إن كنت تحدّثت إليه مرة أو مرتين، فذلك كان خلال مجموعات عمل للمواقع الإلكترونية»، يقول ريندون. «أنا لا أقوم بأفعال منافية للقانون على الإطلاق. هناك حملات سلبية [تستهدف المنافسين]، لا يفضلها الكثيرون، نعم، لكن طالما أنها قانونية فسأنظمها. أنا لست قدّيسًا، لكنني لست مجرمًا أيضًا». بالرغم من أن سياسة سيبولفِدا كانت تقتضي تدمير كافة الأدلة بعد الانتهاء من أي مهمة، إلّا أنه كان يحتفظ ببعض الوثائق مع بعض أفراد فرق القرصنة التابعة له أو مع أشخاص آخرين يثق بهم بشكل سريّ كـ«بوليصة تأمين».

زوّد سيبولفِدا بلومبيرغ بيزنس ويك بما يقول أنها رسائل بريد إلكتروني تُظهر محادثات بينه وبين ريندون وشركة ريندون الاستشارية حول القرصنة وسير الهجمات الإلكترونية المتعلقة بالحملات الانتخابية. يقول ريندون أن هذه الرسائل مزوّرة. يُظهر تحليل قامت به شركة أمن حواسيب مستقلة على عينة من هذه الرسائل بأنها حقيقية. تطابق بعض أقوال سيبولفِدا ما كان يُنشر عن أحداث حصلت خلال حملات انتخابية مختلفة، إلّا أنه لم يكن ممكنًا التحقق من بعض التفاصيل الأخرى بشكل مستقل. أحد العاملين على حملة انتخابية في المكسيك، طلب إخفاء هويّته لأسباب أمنية، أكّد وبشكل كبير رواية سيبولفِدا عن دوره وريندون في تلك الانتخابات.

يقول سيبولفِدا أنه تلقى عروضًا عديدة لأعمال سياسية في إسبانيا، لكنه رفضها لانشغاله. وعند سؤاله عن وجود تلاعبات في انتخابات الرئاسة الأمريكية، لم يتردد بالإجابة. «أنا واثق 100% بأنها كذلك».

نشأ سيبولفِدا فقيرًا في بوكارامانغا، ثماني ساعات شمال بوغوتا بالسيارة. كانت أمه سكرتيرة ووالده ناشطًا يساعد المزارعين على إيجاد محاصيل أفضل من نبات الكوكا، وكانت العائلة دائمة التنقل بسبب تهديدات مهرّبي المخدرات لهم بالقتل. انفصل والداه، وفي عمر الـ15 بعد فشله في الدراسة، انتقل ليعيش مع والده في بوغوتا واستخدم الحاسوب لأول مرة. التحق بعدها بمعهد محلي للتكنولوجيا وتعلم البرمجة من خلال أحد الأصدقاء هناك.

في 2005، كان أخ سيبولفِدا الأكبر يعمل مروّجا إعلاميًّا ويساعد في حملات انتخابية برلمانية لحزب مناصر لألفارو أوريبي، الذي كان وقتها رئيسًا لكولومبيا. أوريبي، حليف الولايات المتحدة الذي قوّى الجيش لمحاربة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (الفارك)، كان بطلًا للأخوين. خلال زيارةٍ لمقر الحزب، أخرج سيبولفِدا حاسوبه المحمول وبدأ بالكشف عن شبكات الاتصال اللاسلكية، تمكن بسهولة من الدخول إلى حاسوب ريندون، الخبير الاستراتيجي للحزب، وحمّل جدول أعمال أوريبي وخطاباته القادمة. يقول سيبولفِدا بأن ريندون كان غاضبًا ولكنه وظّفه في الحال. ينفي ريندون حدوث ذلك.

ثقة الناخبين بما يظنونه تعبيرًا عفويًا من أشخاص حقيقيين على شبكات التواصل الاجتماعي أكبر من ثقتهم بالخبراء على التلفاز وفي الصحف

تم التلاعب بانتخابات أمريكا اللاتينية لعقود، والطرق المستخدمة كانت مباشرة. يقدّم وسطاء محليّون بَدَلات عينية ونقدية لشراء الأصوات. لكن الإصلاحات الانتخابية اجتاحت المنطقة في التسعينيّات وبدأ إصدار الهويات المضادة للتزوير للناخبين، بالإضافة لقيام جهات مستقلة الإشراف على الانتخابات في دول عدّة، ووصلت الحملات الانتخابية الحديثة، على الأقل بمفهوم أمريكا الشمالية، إلى القارة اللاتينية.

بدأ ريندون عملًا ناجحًا يعتمد جزئيًّا، حسب منتقديه وبعض قضايا المحاكم الموجهة ضده، على إتقانه للألاعيب القذرة وترويج الإشاعات. (في 2014، اتهم رئيس السلفادور كارلوس موريسيو فونيس ريندون بترتيب حملات انتخابية سلبية قذرة في أنحاء أمريكا اللاتينية، ورفع ريندون ضده دعوى تشهير في فلوريدا، إلّا أن المحكمة رفضت القضية بسبب عدم إمكانية محاكمة فونيس على أفعاله الرسمية). ريندون ابنٌ لناشطين يناديان بالديمقراطية، درس علم النفس وعمل في الإعلانات قبل تحوّله للعمل كمستشار للمرشحين الرئاسيين في بلده فنزويلا. بعد اتهامه للرئيس تشافيز بتزوير انتخابات 2004، ترك فنزويلا ولم يعد إليها مطلقًا.

يقول سيبولفِدا بأن أول مهمة قرصنة أوكلت إليه كانت الدخول إلى موقع منافس أوريبي الإلكتروني لسرقة قاعدة بيانات عناوين البريد الإلكتروني، وإغراقهم برسائل إلكترونية مضللة. دُفع له دولار15,000 نقدًا مقابل عمل شهر، وهذا يساوي خمسة أضعاف ما كان يتقاضاه في عمله السابق مصممًا للمواقع الإلكترونية.

كان سيبولفِدا مبهورًا بريندون الذي كان يملك أسطولًا من السيارات الفخمة، ويرتدي ساعات يد كبيرة خاطفة للأبصار، وينفق الآلاف على المعاطف التي كانت تصمّم له خصيصًا. هو مثاليٌّ كسيبولفِدا، يتوقّع من موظّفيه القدوم باكرًا والعمل لساعات متأخرة. «كنت شابًّا» يقول سيبولفِدا، «فعلت ما كنت أحب، تقاضيت راتبًا ممتازًا وتمكّنت من السفر. كان العمل المثالي». ولكن أكثر من أي شيء آخر، تطابقت سياستهم اليمينيّة. يقول سيبولفِدا أنه كان ينظر لريندون كعبقري ومرشد. بوذي مخلص وممارس لفنون الدفاع عن النفس، حسب موقعه الإلكتروني، يكرّس ريندون صورة من الغموض والتهديد عن نفسه، مرتديًا اللون الأسود عند ظهوره علنًا، بما فيها رداء الساموراي أحيانًا. يدعو نفسه على موقعه الإلكتروني بالمستشار السياسي «الأعلى أجرًا، والأكثر رعبًا، والأكثر هجومًا، والأكثر طلبًا وفعالية». ولسيبولفِدا يدٌ في ذلك.

يقول سيبولفِدا بأن ريندون يؤمن بأهمية إدماج القراصنة الإلكترونيين بشكل كامل في العملية السياسية الحديثة؛ لإجراء الدعاية الهجومية، ودراسة المنافس، وإيجاد طرق للجم الإقبال على حملة الخصم. أمّا بالنسبة لسيبولفِدا فهو يؤمن بأهمية فهْمنا أن ثقة الناخبين بما يظنونه تعبيرًا عفويًا من أشخاص حقيقيين على شبكات التواصل الاجتماعي هي أكبر من ثقتهم بالخبراء على التلفاز وفي الصحف. ويعرف أنه بإمكاننا إنشاء حسابات وهمية وفبركة الميول على شبكات التواصل الاجتماعي. طوّر برنامجًا، يسمّى الآن بسوشيال ميديا بريديتور (Social Media Predator)، لإدارة وتوجيه جيش افتراضي من حسابات التويتر الوهمية. يمكّنه هذا البرنامج من التغيير السريع للأسماء وصور الحسابات والسير الشخصية حتى تتناسب مع كل الاحتياجات. اكتشف في نهاية المطاف أن بإمكانه التلاعب بالجدل الشعبي بالسهولة التي يحرك فيها القطع على رقعة الشطرنج، أو كما يقول، «عندما أدركت أن الناس يصدّقون الإنترنت أكثر من الواقع، اكتشفت مقدرتي على جعلهم يصدّقون أي شيء تقريبًا».

حسب سيبولفِدا، فإن أجوره كانت تدفع نقدًا، نصفها مقدمًا. كان يستخدم عند سفره جواز سفرٍ مزوّر وينزل في الفندق وحيدًا، بعيدًا عن طاقم الحملة الانتخابية. لا يسمح لأي شخص بإدخال هاتف ذكي أو كاميرا إلى غرفته.

أغلب أعماله كانت تبدأ بلقاء شخصي. يقول سيبولفِدا بأن ريندون كان يعطيه ورقة تحمل أسماء مستهدفة، وعناوين بريد إلكتروني، وأرقام هواتف، يأخذ سيبولفِدا الملاحظات إلى الفندق ويُدخل البيانات إلى ملف مشفّر ثم يحرق الورقة أو يلقي بها في المرحاض. لو احتاج ريندون إرسال بريد إلكتروني، كان يستخدم لغة مشفّرة؛ «ربّت» تعني اهجم، و«اسمع الموسيقى» تعني تنصّت على هاتف أحدهم.

كان ريندون وسيبولفِدا يحرصان على عدم الظهور سويًّا، و يتواصلان عبر هواتف مشفّرة يغيّرانها كل شهرين. يقول سيبولفِدا بأنه كان يرسل تقارير سير عمل يومية وبيانات استخبارية موجزة من خلال حسابات بريد إلكتروني مؤقّتة إلى وسيط يعمل في شركة ريندون الاستشارية.

كل مهمّة كانت تنتهي بتسلسل خاص لتدمير البيانات مصنّفٌ حسب اللون. يوم الانتخابات، يتخلّص سيبولفِدا من كل الملفات المصنّفة باللون «الأحمر». وتلك هي الملفات التي بإمكانها أن ترسله هو ومشغّليه إلى السجن؛ كالمكالمات المسجّلة ورسائل البريد الإلكتروني، وقوائم ضحايا القرصنة، والتقارير السرية التي جهّزها للحملات الانتخابية. كما ويدمّر الهواتف والأقراص الصلبة ووحدات ذاكرة الفلاش والحواسيب والخوادم. الملفات «الصفراء» الأقل حساسية؛ كمواعيد السفر، وجداول الرواتب، وخطط البحث عن التمويل، تُحفظ على ذاكرة فلاش مشفّرة وتعطى للحملة كي تجري عليها مراجعة أخيرة. وبعد أسبوع، يتمّ التخلّص منها هي الأخرى.

كان سيبولفِدا يجمّع لأغلب المهمّات فريقًا، ويعمل من بيوت أو شقق مستأجرة في بوغوتا. لديه مجموعة تتناوب، أعدادهم تتراوح بين سبعة إلى خمسة عشر قرصانًا إلكترونيًّا جاء بهم من كل أنحاء أمريكا اللاتينية معتمدًا على الخبرات المختلفة لكل منطقة. البرازيليون، حسب رأيه، يطوّرون أفضل البرمجيات الخبيثة، الفنزويليون والإكوادوريون مميّزون في كشف نقاط الضعف للأنظمة والبرامج، الأرجنتينيون فنانون في تتبع الهواتف الخلوية، المكسيكيون قراصنة مهرة بشكل عام لكنهم كثيرو الكلام؛ استخدمهم سيبولفِدا في حالات الطوارئ فقط.

قد تستمر مهامّه بضعة أيام أو عدّة شهور. في هندوراس، حمى سيبولفِدا اتصالات وحواسيب المرشح الرئاسي بورفيريو لوبو سوسا من قراصنة المرشّح المنافس. في غواتيمالا، كان يتجسّس رقميًّا على ستة أشخاص من الساسة ومدراء الأعمال، ويقول بأنه أوصل المعلومات إلى ريندون على وحدات ذاكرة فلاش تركها في أماكن عامّة (يقول سيبولفِدا بأنها مهمة صغيرة لأحد عملاء ريندون القريبين من حزب التقدم الوطني اليميني. ينفي الحزب توظيف ريندون وينكر كل تلك الادّعاءات). في نيكاراغوا، عام 2011، قام سيبولفِدا بمهاجمة أورتيغا عند ترشّحه للفترة الثالثة. في إحدى المهمّات القليلة التي لم تكن من خلال ريندون، دخل سيبولفِدا إلى البريد الإلكتروني الخاص بروساريو موريّو، زوجة أورتيغا والناطقة الرسمية باسم الحكومة، وسرق كنوزًا من الأسرار الشخصية والحكومية.

في فنزويلا، عام 2012، تخلى الفريق عن حذره المعتاد بدافع الاشمئزاز من تشافيز. مع ترشّح تشافيز لفترة رئاسية رابعة، نشر سيبولفِدا مقطع فيديو على يوتيوب، مخفيًا المصدر، يظهر اختراقه للبريد الالكتروني لأحد أكثر الأشخاص نفوذًا هناك، ديوسدادو كابيّو، الذي كان يرأس البرلمان حينها. كما أنه خرج من الدائرة الضيقة للقراصنة الذين يثق بهم وحشّد أنونيموس، وهم مجموعة من القراصنة الناشطين سياسيًا (hacktivists)، للهجوم على موقع تشافيز الإلكتروني.

بعد اختراق سيبولفِدا لحساب كابيّو على تويتر، هنّأه ريندون قائلًا: «Eres noticia :)» (أنت في الأخبار) عبر بريد إلكتروني بتاريخ 9\9\2012 مقرنًا إيّاها بخبر عن الاختراق. (ينكر ريندون إرساله لهذا البريد الإلكتروني). قدّم سيبولفِدا دزينة لقطات شاشة (screenshots) لرسائل إلكترونية، والكثير من الرسائل الإلكترونية الأصلية، تُظهر إرسال سيبولفِدا إلى موظّف كبير في شركة ريندون الاستشارية، بين فترة تشرين ثاني 2011 إلى أيلول 2012، قوائم طويلة من مواقع إلكترونية قام بقرصنتها لحساب حملات إنتخابية عدّة، ودمغها بأحد مصطلحات القراصنة «Owned!». أرسل سيبولفِدا قبل أسبوعين من الانتخابات الرئاسية في فنزويلا لقطات تظهر كيفية اختراقه لموقع تشافيز الإلكتروني وقدرته على تشغيله وإغلاقه كيفما شاء.

انتصر تشافيز لكنه مات بعد خمسة أشهر بسبب السرطان محدثًا فراغًا استدعى إجراء انتخابات طارئة كسبها نيكولاس مادورو. قبل فوز مادورو بيوم قرصن سيبولفِدا حسابه على تويتر ونشر ادعاءات بتزوير الانتخابات، أوقفت الحكومة الإنترنت على إثر ذلك في جميع أنحاء البلاد لمدّة 20 دقيقة، متّهمة «قرصنة تآمرية من الخارج».

قبل فوز مادورو بيوم قرصن سيبولفِدا حسابه على تويتر ونشر ادعاءات بتزوير الانتخابات، أوقفت الحكومة الإنترنت على إثر ذلك في جميع أنحاء البلاد لمدّة 20 دقيقة

في المكسيك، اجتمعت براعة سيبولفِدا التقنية مع رؤية ريندون الشاملة بشكل كامل منتجة آلة سياسية وحشية، تغذّيها موارد الحزب الثوري المؤسساتي الضخمة. عانت سنوات حكم الرئيس فيليبي كالديرون وحزب الفعل الوطني [الذي ينتمي له] من حرب طاحنة ضد عصابات المخدرات جعلت من حالات الاختطاف والاغتيالات العامة وقطع الرؤوس أمرا عاديًّا. مع اقتراب عام 2012 قدّم الحزب الثوري المؤسساتي مرشّحه الشاب بينيا نييتو والذي أنهى مؤخرًا فترة تولّيه منصب محافظ بنجاح.

لم ترق لسيبولفِدا فكرة العمل في المكسيك، فهي بلد خطر للانخراط في العمل العام. إلّا أن ريندون أقنعه بالسفر إلى هناك في رحلات قصيرة بداية من عام 2008، عادة ما كانت عبر طائرة ريندون الخاصة. أثناء عمله في تاباسكو، الواقعة على خليج المكسيك الحار، قرصن سيبولفِدا أحد السياسيين الذين ظهر لاحقًا ارتباطهم بإحدى عصابات المخدرات، وبعدما علم فريق ريندون الأمني بخطة لقتل سيبولفِدا، كان عليه قضاء ليلة داخل سيارة شيفروليه مصفّحة قبل عودته إلى مدينة مكسيكو.

تقوم المكسيك على نظام سياسي من ثلاثة أحزاب، وكان بينيا نييتو يواجه خصومًا من اليسار واليمين. على اليمين، رشّح حزب الفعل الوطني الحاكم خوسيفينا فاسكيس موتا، وكانت أول أنثى يرشّحها الحزب لمنصب الرئاسة. على اليسار، اختار حزب الثورة الديمقراطية أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، عمدة مدينة ميكسيكو السابق.

أظهرت الاستطلاعات الأولية تقدّم بينيا نييتو بفارق 20 نقطة، لكن مؤيّديه لم يريدوا حصول أي مفاجآت. حمّل فريق سيبولفِدا برمجيات خبيثة على الموجّهات (routers) في مقرّات مرشّح حزب الثورة الديمقراطية، مما مكنهم من التنصت على هواتف وحواسيب كل مستخدمي الشبكة، بمن فيهم المرشّح ذاته. كما واتخذ سيبولفِدا خطوات مماثلة ضد مرشحة حزب الفعل الوطني. عند قيام فرق أي من المرشحين بتحضير الخطابات، كانت التفاصيل ترد سيبولفِدا لحظة لمس كاتب الخطابات لوحة المفاتيح، كما وكان يعلم باجتماعات المنافسين وجداول عملهم قبل وصولها لطواقمهم.

لم تشكل النقود أي مشكلة، فقد أنفق سيبولفِدا في إحدى المرّات 50,000 دولار على برنامج روسي متطوّر قادر على اختراق هواتف أبل وبلاكبيري وأندرويد بسرعة. بالإضافة إلى تباهيه بإدارة أفضل الحسابات الوهمية على تويتر، والتي احتفظ بها لسنة على الأقل مما أكسبها هالة من المصداقية الزائفة.

أدار سيبولفِدا الآلاف من هذه الحسابات الوهمية التي كان يستخدمها لتشكيل النقاشات حول مواضيع عدّة، منها خطة بينيا نييتو لإنهاء عنف عصابات المخدرات، مشعلًا فتيل مواقع التواصل الاجتماعي بآراء تظهر وكأنها لمستخدمين حقيقيين. لعمل أقل دقة، كان لديه جيش من 30,000 حساب آلي (bots) على تويتر، وإعلانات تلقائية بإمكانها خلق الميول. أحد الحوارات التي بدأها أثارت المخاوف بهبوط البيزو في حال صعود لوبيز أوبرادور في الاستطلاعات. كان سيبولفِدا يعلم شدة حساسية قضية العملة، إذ كان قد قرأ ذلك في مذكرة داخلية لحملة إحدى المرشحين.

كان سيبولفِدا وفريقه يقدّمون لحملة بينيا نييتو وحلفائه المحليين الرئيسيين كلّ ما تتيحه لهم الفنون الرقمية السوداء. ليلة الانتخابات، أجرى اتصالات تلقائية عبر الحواسيب تحمل رسائل مسجلة مسبقًا مع عشرات الآلاف من الناخبين عند الثالثة فجرًا في ولاية خاليسكو الحاسمة، ظهرت المكالمات وكأنها صادرة عن حملة اليساري إنريكه ألفارو راميريز المرشح لمنصب محافظ الولاية. أغضب ذلك الناخبين، وخسر ألفارو بهامش ضيّق. في سباق آخر على منصب المحافظ بولاية تاباسكو، أعدّ سيبولفِدا حسابات فيسبوك وهمية لرجال مثليين يدّعون دعم مرشح كاثوليكي محافظ يمثّل حزب الفعل الوطني، حيلة صُمّمت لتنفير قاعدته الانتخابية. «لطالما شككت بوجود خطأ ما»، قال المرشح جيراردو بريغو مؤخرًا بعدما علم عن تلاعب فريق سيبولفِدا بمواقع التواصل الاجتماعي خلال حملته الانتخابية.

في أيار، زار بينيا نييتو الجامعة الإيبيرية – الأمريكية في مدينة ميكسيكو وقوبل بصرخات وهتافات الطلّاب الغاضبة. انسحب المرشّح متفاجئًا مع حرّاسه إلى مبنى مجاور ليختبئ، حسب بعض المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، في دورة المياه. كانت الصور كارثية، فارتفعت أسهم لوبيز أوبرادور.

استطاع الحزب الثوري المؤسساتي التعافي بعد كشف تسجيل لأحد مستشاري لوبيز أوبرادور يطلب فيه مساعدة من رجل أعمال بقيمة ستة ملايين دولار لتمويل حملتهم المفلسة، في انتهاك محتمل للقانون المكسيكي. بالرغم من نفي القرصان معرفة مصدر هذا التسجيل بعينه، إلّا أن سيبولفِدا وفريقه كانوا يتجسسون على اتصالات ذاك المستشار، لويس كوستا بونينو، لشهور. (في 2\2\2012 أرسل ريندون ثلاثة عناوين بريد إلكتروني ورقم هاتف خلوي لسيبولفِدا تعود للمستشار كوستا بونينو عبر رسالة بريد إلكتروني معنونة بـ «عمل»). أبطل فريق سيبولفِدا موقع المستشار الإلكتروني وأعادوا توجيه الصحفيين إلى موقع مستنسخ نشروا عليه ما ظهر كدفاع طويل مكتوب من قبل كوستا بونينو، والذي بدوره أثار تساؤلات عرضية عن إمكانية خرق أصوله الأوروغوانية للقيود المكسيكية على [مشاركة] الأجانب في الانتخابات. ترك كوستا بونينو الحملة بعد بضعة أيام، وأشار مؤخرا إلى معرفته أنه كان يتعرض للتجسس، إلّا أنه لم يكن يعرف كيف كان يتم ذلك. وهذا أمرٌ متعارف عليه في أمريكا اللاتينية: «قرصنة هاتفك من قبل الخصوم ليست بالأمر الجديد. عندما أعمل في إحدى الحملات، أفترض بأن كل ما أقوله عبر الهاتف يمكن للخصوم سماعه».

رفض مكتب بينيا نييتو الإعلامي التعليق. ونفى متحدّث باسم الحزب الثوري المؤسساتي معرفتهم بعمل ريندون في حملة بينيا نييتو أو أي حملة أخرى للحزب. يقول ريندون بأنه عمل لصالح مرشحي الحزب الثوري المؤسساتي في المكسيك لمدة 16 عامًا، منذ آب 2000 وحتى الآن.

المستشار السياسي، خوان خوسيه ريندون

عام 2012، أعاد خليفة أوريبي الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس وبشكل غير متوقع محادثات السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، آملًا إنهاء حرب عمرها 50 عامًا. غاضبًا بسبب ذلك، قام أوريبي، والذي قُتل والده على يد الفارك، بتأسيس حزب ودعم مرشح بديل، أوسكار إيفان زولواغا الرافض لهذه المحادثات.

كان ريندون يعمل لصالح سانتوس، وأراد من سيبولفِدا الانضمام لفريقه، لكن سيبولفِدا رفض هذا العرض واعتبر قبول ريندون العمل مع مرشح يدعم السلام مع الفارك خيانة، وشكّ في أن المستشار بدأ بالتساهل، واضعًا المال فوق المبادئ. يقول سيبولفِدا بأنه كان يعمل بدافع الأيديولوجيا أوّلًا ثم المال، وأنه لو أراد الثراء لكان باستطاعته جمع أموال أكثر بقرصنة الأنظمة المالية بدل الانتخابات. وقرّر لأوّل مرّة أن يعارض مرشده.

ذهب سيبولفِدا للعمل مع المعارضة، مرتبطًا مباشرة بمدير حملة زولواغا، لويس ألفونسو أويوس. (ينفي زولواغا أي معرفة بحصول قرصنة؛ ولم نتمكن من الوصول لأويوس) أعدّا سويًّا، بحسب سيبولفِدا، خطة لتشويه سمعة الرئيس بالكشف عن مواصلة الجماعات المسلحة تهريب المخدرات والعنف حتى خلال محادثات السلام. خلال شهور، قرصن سيبولفِدا هواتف وحسابات بريد إلكتروني لأكثر من 100 مسلّح، بمن فيهم قائد الفارك، رودريغو لوندونيو، والمعروف أيضًا بتيموتشينكو. بعد تجميع ملف عريض عن الفارك، يحتوي أدلة على قمعهم لأصوات الفلّاحين في الريف، وافق سيبولفِدا على مرافقة أويوس لمكاتب أحد برامج أخبار محطّات التلفاز في بوغوتا لعرض الأدلّة.

قد لا يكون قرارًا حكيمًا العمل بهذا العناد وبشكل علني ضد حزب يمسك زمام السلطة، فبعد شهر، كان سيبولفِدا يدخّن على شرفة مكتبه في بوغوتا عندما رأى موكبًا من سيارات الشرطة تصطف أمام البناية. اقتحم أربعون كوماندو بزيهم الأسود المكتب للقبض عليه. ألقى سيبولفِدا اللوم على محطة التلفاز غير معترف بإهماله. يظن بأن أحد العاملين هناك وشى به. في المحكمة، ارتدى سترة واقية للرصاص وجلس يحيطه الحرس من كل الجهات حاملين دروع مضادة للقنابل. في مؤخرة قاعة المحكمة، حمل بعض الرجال صورًا لعائلته، يومؤون بحركات قطع الأعناق و يضعون أيديهم على أفواههم- اصمت أو… . بعد أن تخلّى عنه حلفاؤه السابقون، اعترف في النهاية بالتجسس، والقرصنة الإلكترونية وجرائم أخرى مقابل حكم بالسجن لعشرة سنوات.

بعد الوصول إلى سجن لا بيكوتا في بوغوتا بثلاثة أيام، وعند ذهابه إلى طبيب الأسنان وقع في كمين من قبل رجال يحملون السكاكين والشفرات، لكنه أُنقذ بواسطة الحرّاس. بعد أسبوع أيقظه الحراس ونقلوه من غرفته، قائلين أنهم سمعوا عن مؤامرة لقتله بمسدس كاتم للصوت أثناء نومه. وبعد اعتراض الشرطة الوطنية لمكالمات تكشف عن مؤامرة أخرى، هو الآن داخل حجز انفرادي في إحدى المنشآت ذات الحراسة المشددة بمنطقة متهالكة وسط بوغوتا. ينام وبجانبه سترة وبطانية مضادتان للرصاص خلف أبواب محصنة ضد القنابل، يتفقّده الحراس كل ساعة. يقول بأنه تحوّل إلى شاهد حكومي، كجزء من اتفاقه مع المدعي العام، يساعد المحقّقين على تقييم القضايا الممكنة ضد المرشح السابق زولواغا ومستشاره الاستراتيجي أويوس. أصدرت السلطات لائحة اتهام للقبض على أويوس، لكن تقارير الإعلام الكولومبي تقول بأنه هرب إلى ميامي.

عندما يغادر سيبولفِدا لاجتماعاته مع النيابة العامة في قبو مقر المدعي العام في بوغوتا، يُنقل بواسطة موكب محصّن تصحبه ست دراجات نارية تجوب شوارع العاصمة بسرعة 60 ميلًا في الساعة، مع التشويش على شبكات الهواتف الخلوية خلال مرورهم لمنع تعقّب حركته وتجنب تفجير قنابل مزروعة على جانب الطريق.

«لطالما قلت أن هناك نوعين من السياسة؛ ما يراه الناس، وما يصنع الفارق حقًّا. أنا عملت في السياسة التي لا يراها الناس»

في تموز عام 2015، جلس سيبولفِدا في الفناء الصغير للقبو، سكب لنفسه كوب قهوة من السخّان، وأخرج علبة سجائر مارلبورو . يقول بأنه يريد مشاركة قصّته لأن العامّة لا يدركون مدى القوّة التي يستطيع القراصنة التأثير من خلالها على الانتخابات الحديثة ولا المهارات المتخصصة اللازمة لإيقافهم. «أنا عملت مع رؤساء، وشخصيّات عامة ذات صلاحيّات كبيرة، وفعلت الكثير دون أي ندم، لأنني قمت بذلك عن قناعة كاملة وهدف واضح، وهو إنهاء الدكتاتورية والحكومات الاشتراكية في أمريكا اللاتينية»، يقول «لطالما قلت أن هناك نوعين من السياسة؛ ما يراه الناس، وما يصنع الفارق حقًّا. أنا عملت في السياسة التي لا يراها الناس».

يقول سيبولفِدا بأنهم سمحوا له باستخدام جهاز حاسوب مرتبط بشبكة إنترنت مراقبة كجزء من الاتّفاق، من أجل مساعدة مكتب المدعي العام في ملاحقة عصابات المخدرات والتشويش عليها مستخدمًا أحد إصدارات برنامج سوشيال ميديا بريديتور (Social Media Predator) الذي قام بتطويره. لن تؤكد الحكومة ولن تنفي أنه يستخدم جهاز حاسوب، أو سبب استخدامه له. يقول بأنه طوّر سوشيال ميديا بريديتور كي يبطل نوع التخريب الذي كان متخصّصًا به، بما فيها تعطيل حسابات الفيسبوك والتويتر للمرشحين. استخدمه أيضًا لتفحّص 700,000 تغريدة من حسابات مناصري “داعش” كي يفهم آلية عمل المجنِّدين. يقول سيبولفِدا بأن البرنامج تمكّن من التعرّف على مجنِّدي “داعش” بعد دقائق من إنشائهم لحسابات تويتر وبدء النشر، ويودّ مشاركة المعلومات مع الولايات المتحدة أو الدول الأخرى التي تحارب الجماعة الإسلامية. تم تقييم عيّنات من برمجيّاته من قبل شركة مستقلّة ووجدتها أصلية ومبتكرة بشكل كبير.

ادعاء سيبولفِدا حدوث عمليّات شبيهة بالتي كان يُديرها في جميع القارّات معقول، يقول ديفيد ماينور، مدير شركة اختبار لأمن الشبكات في أتلانتا تدعى «إيرّاتا سيكيوريتي». يقول ماينور أنه يتلقى عادة استعلامات عن مهمّات مرتبطة بحملات انتخابية. طُلب من شركته الحصول على عناوين بريد إلكتروني ووثائق أخرى من حواسيب وهواتف لمرشّحين، إلّا أنه لم يكشف عن المستفيد النهائي. «هذه الأنشطة تحدث في الولايات المتحدة، وتحدث في كل الأوقات»، يقول ماينور.

في إحدى الحالات، طُلب من ماينور سرقة بيانات من باب الاختبار الأمني، إلّا أن الشخص الذي طلب ذلك لم يستطع إثبات صلته بالحملة التي أراد «اختبار» أمنها. في حالة أخرى، طلب عميل محتمل بيانًا مفصّلًا عن إمكانية تتبّع حركة أحد المرشّحين عن طريق تبديل جهاز الأيفون الخاص به بجهاز مطابق زرعت فيه تقنية تتبّع. «لأسباب واضحة، نرفض القيام بذلك دائمًا»، يقول ماينور، الذي رفض تسمية المرشّحين المتورّطين.

قبل ثلاثة أسابيع من القبض على سيبولفِدا، أُجبر ريندون على الاستقالة من حملة سانتوس وسط اتهامات نشرت في الصحافة عن أخذه مبلغ 12 مليون دولار من تجّار مخدرات وتمريره جزءًا منها للمرشّح. ينفي ريندون حدوث ذلك.

حسب ريندون، فإن مسؤولين كولومبيين قابلوه بعدها بفترة وجيزة في ميامي، حيث يملك بيتًا. يقول ريندون بأن المحققين الكولومبيين سألوه عن سيبولفِدا فأجابهم بأن دوره كان محدودًا بتطوير الشبكات.

ينفي ريندون عمله مع سيبولفِدا على أي شيء موجّه. «هو يدّعي بأنه عمل معي في 20 مكانًا مختلفًا، والحقيقة أن هذا لم يحصل»، يقول ريندون. «لم أدفع لأندريس سيبولفِدا بيزوًا واحدًا».

أقرّ الإعلام الكولومبي في العام السابق، وبناءً على مصادر مجهولة، بأن ريندون كان يعمل لصالح حملة دونالد ترامب الانتخابية. ينفي ريندون صحة هذا التقرير قائلًا إن الحملة اتصلت به لكنه رفض لأنه لا يحب ترامب. «نحن لا نعرف هذا الشخص حسب علمي»، تقول الناطقة باسم ترامب، هوب هيكس. «لم أسمع به قط، والشيء ذاته ينطبق على كبار الموظّفين في طاقمنا». لكنّ ريندون يقول بأنه يُجري مفاوضات مع حملة رئاسية كبيرة أخرى لانتخابات الولايات المتحدة، لم يحدّد أيّها، على أن يبدأ العمل معهم بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية وانطلاق الانتخابات العامّة.

* كارل روف هو مستشار كبير سابق في البيت الأبيض خلال فترة إدارة جورج دبليو بوش، وصفه بوش بمهندس حملته الانتخابية لفترته الثانية التي فاز فيها أمام جون كيري.