هل المكالمات عبر الإنترنت سبب تراجع أرباح شركات الاتصالات؟

الثلاثاء 23 آب 2016
من موقع هاشتاق عربي.

تحجب شركات الاتصالات في الأردن اليوم خدماتٍ مقدمة عبر الإنترنت لمنافستها للخدمات التي اعتادت أن تكون المقدم الحصري والوحيد لها: المكالمات الصوتية والرسائل الصوتية. بالنسبة لشركات الاتصالات الأردنية، وحسب تقاريرها المالية، فإن هذه التطبيقات التي توفر خدمات فوقية (Over the Top أو OTT) عبر الإنترنت، كالمكالمات أو الرسائل الصوتية، تتصدر أسباب هبوط إيراداتها وأرباحها في السنوات الأخيرة.

يسأل يوسف مطاوع، المدير التنفيذي لدائرة الهندسة وتكنولوجيا المعلومات في شركة زين، لم لا نضع جميع مزودي الخدمة من شركات اتصالات وشركات ذات خدمات على الإنترنت على مستوى متساوٍ؟ «ما بزبط أدفع ٢٤٠ مليون دولار مقابل ترخيص الترددات وتأتي الـOTT لتركب عليها دون مقابل»، يقول مطاوع. حتى الناطق الرسمي باسم هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، سالم الفاخوري، صرّح في خضم النقاش حول فرض رسوم إضافية على خدمات المكالمات عبر الإنترنت بأن «هذه الخدمات تقدمها شركات ليست مرخصة في السوق المحلية، وباتت تؤثر وتأخذ حصة كبيرة من إيرادات القطاع، معتمدة على بنية تحتية تستثمرها الشركات العاملة في السوق».

تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال مبدأية تنظيم الخدمات الفوقية أو ما يسمى بالـOTT في سياق صلاحيات شركات الاتصالات وحماية التنافسية وحقوق المستخدم، وقانونية آلية تنظيمها في السياق المحلي. أما في الجزء الثاني فسنبحث في الفرضية التي تحمّل الخدمات الفوقية مسؤولية تدني إيرادات شركات الاتصالات، وتطلب منها أن تدفع مقابل الضرر الذي تدعي أنه لحق بها بسببها.

بحسب التقارير المالية لشركتي أورانج وزين، نرى أن مستوى الإيرادات تراجع بشكل مستمر (لأورانج أكثر من زين) ما بين ٢٠١٠ و٢٠١٥. لكن انخفاض إيرادات زين لم يعنِ بالضرورة انخفاضًا بالأرباح  حيث زادت أرباحها من ١١٤ إلى ١٢٢ مليون دولار بين ٢٠١٤ و٢٠١٥.

أُطلق الواتساب عام ٢٠١٠ في نسخة تجريبية. لم يكن هو، أو التطبيقات المماثلة له، السبب في هبوط إيرادات زين عام ٢٠١٣، حسب تقريرها المالي. يذكر التقرير زيادة ضرائب على اتصالات الخلوي من ١٢٪ الى ٢٤٪ وعلى الأجهزة الخلوية من ٨٪ الى ١٦٪. ويذكر أيضًا أن أرباحها تأثرت بسبب الزيادة في تكلفة الكهرباء التي فرضتها الحكومة على الاتصالات.

يعلق مطاوع على أرقام التقارير المنشورة على موقع زين والتي تفيد بارتفاع أرباح زين ما بين ٢٠١٤ و ٢٠١٥ بالقول إن التقارير تظهر الأرباح شاملة في خانة واحدة، مؤكدًا أن «الأرباح القادمة من المكالمات الدولية هي التي في تناقص مستمر».

في ٢٠١٤، هبطت إيرادات زين من خدمات الصوت، لكن الإيرادات القادمة من الداتا زادت بنسبة ١١٪، بحسب تقريرها، بالمقارنة بالعام الذي سبقه. وكما انتقلت خدمات الاتصال الصوتي والنصي إلى الإنترنت، انتقلت إليه خدمات البث التلفزيوني والإذاعي كذلك، مما زاد حاجة المستخدمين إلى استهلاك حزم أكبر من الداتا. الطلب الأكبر على الداتا لا يعني، بالنسبة لمطاوع، أن أرباحها ستعوض خسائر المكالمات لأن سعر الجيجابايت الواحد في الأردن «رخيص جدًا خاصة بالمقارنة مع الدول المجاورة». يقول مطاوع «أمامنا حلّان: إما أن نرفع سعر الجيجابايت الواحد، وإما أن نقسم الإنترنت إلى مسارين مميز وغير مميز».

يؤكد غازي الجبور، الرئيس التنفيذي لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات، تدني سعر الجيجا في الأردن، لكنه يعزوه إلى سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها شركات الاتصالات والتنافس غير الصحي فيما بينها، دون الاهتمام بموازين الجودة.

عند النظر إلى تقرير أورانج المالي لعام ٢٠١٥، لتحليل سبب الهبوط في أرباح سنة ٢٠١٥ من ٥٨ إلى ٢٢ مليون دولار خلال سنة واحدة، نرى أن بند «الاستهلاكات والإطفاءات والتدني في قيمة الموجودات» كان أكثر ما أثقل ميزانيتها، إذ ارتفع من ٥٤ مليون دينار (٧٦ مليون دولار) في ٢٠١٤ إلى ٧٧.٤ مليون دينار (١٠٩ مليون دولار) في ٢٠١٥. بحسب التقرير فإن هذا «يتماشى مع خطة المجموعة لاستبدال شبكة الخلوي القديمة بتكلفة ١٦.٦ مليون دينار في ٢٠١٥.» يضاف إلى ذلك ارتفاع قيمة الإطفاءات (والتي تشير إلى تدني قيمة الموجودات غير الملموسة مثل الرخص) بسبب تكلفة تجديد رخصة ترددات الجيل الثاني (2G/900MHz) ورخصة ترددات شبكة الجيل الرابع.

يضيف التقرير إلى ذلك رفع كلفة الكهرباء على شركات الاتصالات والضرائب التي تقتطعها الحكومة.

لماذا لا تحاول شركات الاتصالات التنويع في مصادر دخلها مثل الشركات الأخرى التي اهتز دخلها بسبب الاقتصاديات التي فرضها واقع الإنترنت الجديد؟ بالنسبة لمطاوع، يمكن ذلك عندما يتحقق شرط مساواة التطبيقات المنافسة مع شركات الاتصالات في المشاركة في الدفع مقابل البنية التحتية. لكن ألا يمول المستخدم البنية التحتية عندما يدفع بدل اشتراكه بالخدمة؟ يرد مطاوع: «لكن هذه التطبيقات تربح على الرغم من أن تكلفة وصولها صفر».

بالنسبة للجبور، فإن أرقام أرباح أي شركة تتعلق أيضًا بكثير من العوامل أحدها الكفاءة التي تدير بها مواردها، والخدمات التي تقدمها لعملائها، إلى جانب الصوت والداتا. لكن، برأيه، من أهم أسباب تدني الأرباح على القطاع بأكمله هو انتقال مكالمات العمال الوافدين في الأردن من الوسائل التقليدية (مكالمات الاتصالات) إلى تطبيقات الإنترنت للاتصال بأهاليهم في بلادهم. يضيف الجبور أنه «لو أن الـOTT لم يكن موجود، رح يضطروا يحكوا مكالمات عادية، وبالتالي رح تنعكس على الإيرادات، وبالتالي تنعكس على المصاري اللي بتيجي للحكومة واللي بالنهاية ممكن أن تستخدم في خدمات للمواطن».

مطلع العام، كشفت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات عن أرقام تدل على حجم استهلاك الأردنيين للمكالمات الصوتية سنويًا. ففي تقريرها، سجلت الهيئة ارتفاعًا في مجموع عدد المكالمات الواردة والصادرة، بـ٣٥.٦ مليار مكالمة في ٢٠١٤ مقارنة بـ٣٤.٩ مليار مكالمة عام ٢٠١٣،  على الرغم من أن تقارير زين وأورانج لنفس السنوات تذكر انخفاضا طفيفا في عدد المشتركين كما يظهر الشكل أدناه. عند سؤالنا لمطاوع لماذا لا تقدم شركات الاتصالات تقارير مالية مفصلة تثبت مدى إنفاقها على الشبكات بالمقارنة بالعوائد التي تأتيها من الاستخدام المتزايد للداتا والمكالمات، كان رده «هذا ليس الوقت المناسب لذلك».

يعيدنا لوم قطاع الاتصالات لتطبيقات الإنترنت التي استخدمت شبكاته لتصل إلى المستخدم إلى نقاش شبيه دار في المحاكم عام ٢٠٠٥.

فعَّلت شركة «فاست لينك» (زين الأردن حاليًا) خدمة إظهار رقم المتصل على الموبايل في الأردن عام ١٩٩٩. وكانت تلك نهاية شركة مرسال للبيجر.

رفعت مرسال دعوة قضائية تطالب بها «شركة الاتصالات الأردنية» (أورانج الأردن حاليًا) بتعويض عن الضرر المادي الذي لحق بها جرّاء سماحها لشركة فاست لينك تقديم نفس الخدمة التي تقدمها هي، إذ أصبح الموبايل رديفًا للبيجر. استخدمت «فاست لينك» شبكة شركة الاتصالات الأرضية دون ترخيص، بالمقابل كان على مرسال أن تدفع بدل استخدامها وتتقاسم الأرباح مع شركة الاتصالات. عام ٢٠٠٧، ردت محكمة الاستئناف الدعوة لأنها رأت طلب التعويض مخالفًا لشروط الاتفاقية بين مرسال وشركة الاتصالات الأردنية، التي حصلت على أساسها على رخصة استخدام الشبكة.  

شركات أورانج وزين التي تلوم اليوم المنافسين الجدد لها في الاتصالات هي نفسها شركات فاست لينك التي قدمت خدمة إظهار الرقم، والاتصالات التي سمحت بها دون رخصة قبل خمسة عشر سنة. تبنت هذه الشركات طبيعة شبكة الاتصالات المفتوحة على التكنولوجيات الجديدة حينها. لكن علاقة شركات الاتصالات بتطبيقات الـ OTTs تتعدى كون الأخيرة تهديدًا لأرباح الشركات فحسب. إذ تمتلئ حسابات شركات الاتصالات على مواقع التواصل الاجتماعي بتغريدات عن آخر أخبار وخاصيات هذه التطبيقات لجذب مستخدميها.

مصطلح الـOTT، بالنسبة لراكان بيبرس، المحامي المختص بالاتصالات، هو مصطلح ابتدعته شركات الاتصالات في العالم لتصنيف المحتوى الذي يمر بشبكاتها إلى OTT وغير OTT لتجد مدخلًا لمحاربتها وجني المزيد من الأرباح. كما وضحنا في الجزء الأول من المقال، تأتي حقوق المستخدم ومبدأ حيادية الإنترنت في قلب النقاشات العالمية حول تنظيم هذه الخدمات. عام ٢٠١٢، قدمت دائرة شركات الاتصالات الأوروبية (ETNO) عرضًا تطلب فيه أن تدفع شركات تطبيقات OTT للاتصالات بدل المرور على شبكتها وبدل ربطها للمكالمات الرقمية. رفض الجسم الجامع لهيئات تنظيم الاتصالات في أوروبا (Berec) هذا العرض بشدة، ووصفه بأنه «معادٍ تمامًا لنهج الشبكة اللامركزي والفاعل في نقل الداتا».

بالنسبة لـBerec فإن تحميل  المستخدم أو التطبيقات تكلفةً زائدة على نقل الداتا ليس فقط منافيًا لأهم مبادئ الشبكة في توجيه الداتا اللامركزي المفتوح، بل «غير واقعي تقنيًا وتجاريًا». في الوقت نفسه، تسأل الورقة النقاشية التي طرحتها هيئة تنظيم الاتصالات الهندية (TRAI) للاستشارة العامة: من يتحمل عبء الاقتصاديات الجديدة التي فرضها الإنترنت وتطبيقاته على جميع الصناعات المادية؟ وهل، في سبيل إنقاذ قطاع الاتصالات الذي يرفض تبني خدمات مبتكرة جديدة لإنقاذ أرباحه، علينا أن نضحي بمبدأ الإنترنت المفتوح للاعبين جدد؟