كيف يمكن للعالم أن يكون نسويًا؟

الأحد 01 كانون الأول 2013

ترجمة دعاء علي

في السادس عشر من الشهر الماضي، قدمت جاياتري سبيفاك، البروفيسورة في جامعة كولومبيا، محاضرة في مركز جامعة كولومبيا الشرق أوسطي للأبحاث بعنوان “كيف يمكن للعالم أن يكون نسويًا؟”. سبيفاك قالت ذات مرة إن “البشرية ليست لطيفة تجاه النساء والمثليين والمثليات بطرق عدة تمتد من قتلهم إلى العدوانية السلبية تجاههم”. في نظري، لا شيء أصدق من ذلك، خاصة في بلد كالأردن، يسيطر فيها التمييز الممنهج والممأسس ضد النساء على فضاءاتنا الاجتماعية والأسرية والمهنية والقانونية. وليست قضايا كقبول الجنسانية والسلوك الجنسي، إلى جرائم “الشرف”، إلى الإقرار بالحقوق المدنية دون السياسية لأسر الأردنيات المتزوجات بأجانب، سوى أمثلة على ذلك.

تصف سبيفاك –المتحدثة المرحة ذات الحضور الآسر- عملها في حقل الإنسانيات بأنه “عمل صامت”؛ عملٌ يتطلب صياغة طويلة الأمد للحلول، عوضًا عن الحلول الآنية. تحقيق التغيير في العالم، في تصورها، مشروط بـ”تحويل الرغبات”: الانتقال من الاهتمام بالذات إلى الاهتمام بـ “الآخر”. من هنا، تؤكد سبيفاك أن “العنف بناءً على الجنس ورهاب المثلية والاغتصاب ليست قضايا نسوية حصرًا”، فما تحاول فعله هو نقل النسوية للعالم عبر مناظير مختلفة: نفسية، ناشطية، ومجتمعية/أخلاقية.

بلغة التحليل النفسي، تعرّف سبيفاك “إدراك الذات” على أنه فهم للذات بصفتها “كلًا مُسيّجًا”. في حالة الأطفال حديثي الولادة الذين لم يتشكل وعيهم بعد، فإن توافق إدراك الجسد مع إدراك مكامن ضعفه يخلق فهمًا للذات بصفتها “قابلة للاختراق” من العالم الخارجي، فضلًا عن كونها “مُسيّجة”. من فكرتَي “الأسيجة” و”الاختراق”، تنتقل سبيفاك لتصف الجندر (النوع الاجتماعي)  بأنه “أداة التجريد الأولى”، التي يصبح فيها الاختلاف الجنسي مُدركًا ثم “مجردًا” داخل تصور اجتماعي (ولغوي) نابع من الأنظمة الثقافية والمجتمعية التي تخلقها البشرية. يحيل ذلك إلى التفريق بين الجندر والجنس، إذ قد لا يتوافق الجندر كهوية وبنية اجتماعية مع الجنس البيولوجي للشخص، وهو ما ينطبق كذلك على القيم والصفات الاجتماعية والثقافية المجرّدة التي تُربط جندر ما.

توازن سبيفاك في حديثها حول الجندر بين الطروح النظرية حول الربط الرمزي للجندر (وبالتالي الهوية) بالجسد وبين الإدراك الفعلي للشخص بجسده والعنف قد يستخدمه تجاه ذاته المسيّجة. لعل من أبرز أقوال سبيفاك في حديثها إن “التخلي عن الأسيجة مرتبط بالمتعة على المدى البعيد”، وإن العمل على تغيير العالم هو “تدريب الخيال على تحويل الرغبات”. فكرة تحويل الرغبات التي تتكرر في محاضرة سبيفاك وعملها بعامّة تسلتزم إقامة توازن بين الاهتمام بأسيجة الجسد الأنثوي القابلة للاختراق واحترامها، وهو ما يحيل بوضوح إلى العنف ضد النساء، بالتحديد إلى العلاقة بين العنف والرغبة فيما يخص “القابلية للاختراق”. الفهم الدقيق الذي تقدمه سبيفاك حول هذه المسألة يساهم في تشكيل نموذج إيجابي لقبول الذات فيما يخص الرغبة الجنسية واحترام المرء ممارساته الجنسية الآمنة، مع الاعتراف بالعنف المبني على الجنس في الوقت نفسه. كان يمكن لهذه النقطة أن تستفيد من مزيد من الشرح والنقاش، خاصة في السياق الأردني (والعربي) المقيِّد للجسد والجنسانية الأنثويين. كذلك، تنتقد سبيفاك تعريف المجتمع المدني الدولي للعنف ضد النساء كفئة خاصة من العنف، إذ تقول إن العنف يحدث في “فضاءات لا يمكن حصرها” ويجب ألا يكون عرضة للتصنيف الذي يقولب المعاناة البشرية ويضعها في خانات مريحة.

في مناقشتها للنظرية الاجتماعية، تدعو سبيفاك إلى الانتقال من النظرة الهلنستية “للديمقراطية” إلى “البديهة الديمقراطية” التي تستلزم خلق فلسفة تعليمية. فالديمقراطية، وفقًا لسبيفاك، ليست الحكم الذاتي فحسب، ولا هي لأولئك “الذين عينوا أنفسهم قادة أخلاقيين للمجتمع المدني” (وهم غالبًا لا يساعدون إلا بفوقية ودون التعامل مع من هم أول المتأثرين بالقضية) بل على الديمقراطية أن تُبنى أساسًا على احتمالية وجود الأقليات؛ أن ترى الناس كمتساوين، لا متشابهين. ما تغفله عادة “نسوية المجتمع المدني الدولي” هو أن المسائل الحقوقية مرتبطة بالطبقة والجندر في الوقت ذاته. (حول هذه النسوية التي تحمل في باطنها أحيانًا عنصرية غير معترف بها، تضحك سبيفاك قائلة إن الصدقة الإقطاعية أفضل من الضغينة الإقطاعية، لكنها تظل إشكالية بأي حال). تتطرق سبيفاك أيضًا لمشكلة “الجندرة الداخلية” التي تنشأ داخل الجهود الحقوقية لدعم قضايا النساء، تحديدًا حين لا يرى “المحسنون” الناس الذين يعملون معهم.

تنتقد سبيفاك طرح “التوعية” الإشكالي فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، إذ تقول إن التوعية لا تساوي التعليم في قدرتها على التأثير

أبعد من ذلك، تنتقد سبيفاك طرح “التوعية” الإشكالي فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، إذ تقول إن التوعية لا تساوي التعليم في قدرتها على التأثير. حملة “اليوم البرتقالي” التي تلفت الانتباه لـ”العنف ضد النساء” مثال قريب ومحرج على حملات توعية كهذه: ضماد عقيم وسطحي على الشرخ الذي يشكله التمييز العنيف ضد النساء المتجذر في عقليتنا الأردنية الجمعية. فالعنف ضد النساء نابع من إرث التصور الممنهج لهن -في الوعي الأخلاقي والاجتماعي للبشرية بعامة- على أنهن أقل من الرجال، على الرغم من أن هذا التصور معقد ومتغير تبعًا للثقافة والسياقات. في حالة الأردن، التمييز بناءً على الجنس محمي كذلك بـ”تقاليد” لن تهزّها ملابس برتقالية (من الصدفة البحتة أن شركة الاتصالات “أورانج” أحد داعمي هذه الحملة)، وما يفاقم هذا التمييز في الأردن هو الإرث الاستعماري والبيئة السياسية الحالية التي تسمح للتدخلات الخارجية بـ”تشكيل” هوية أردنية. التمييز محمي أيضًا بهيئة قانونية معطلة ومتحيّزة جنسيًا لا تعترف بالمساواة بين النساء والرجال حتى في الدستور.

إلا أنني -رغم مشاطرتي لسبيفاك ترددَها في تبني مقاربة التوعية بالقضايا النسوية بالكامل- أعتقد أن هذه العملية لا تزال ذات قيمة. لعل ما نحتاجه هو إعادة تصور لمعنى “التوعية العامة”، ولعل ما تسميه سبيفاك “تعليمًا” يجب أن يمتد إلى الوعي العام وكل المجالات الأخرى التي يتفاعل فيها المجتمع مع أفراده وجماعاته. إذا بُنيت حملات التوعية بحيث تراعي في خطابها عمق ودقة القضايا التي تعالجها وحساسية وتنوع الهويات في المجتمع وتبنت منطقًا منفتحًا وملتزمًا بأخلاقيات تمثيل الآخرين، فلا أرى أي سبب يجعلها غير مؤثرة.

IMG_8875واصفة نفسها بأنها “مدرّبة شخصية على إعادة ترتيب الرغبات” وداعية لـ”تدريب الخيال في أدائه الأبستمولوجي*”، توضح سبيفاك كيف ينبغي للتركيز على التعليم أن يتم عبر الوقت والمهارة، لا المال. كان تفسيرها للفرق بين الكمية والنوعية في التعليم لافتًا بشكل خاص فيما يخص حقوق الإنسان والنشاط النسوي. يظهر هذا الفرق جليًا عند النظر إلى تباهي الأردن بـ”انخفاض نسب الأمية” فيه؛ الانخفاض الذي لم يرافقه الإصلاح الضروري في النظم التعليمية وتصميم المناهج، علاوة على الفجوة الواضحة في نوعية التعليم بين الطبقات الاجتماعية والمحافظات. لست أقدّم بأي شكل من الأشكال نظرة طبقية معممة تجاه الأقل حظًا وتعليمًا، إلا أن الحقيقة الواضحة هي أن النوعية ليست أولوية لدى معظم (إن لم يكن جميع) المسؤولين عن توفير التعليم حين يتعلق الأمر بالمجموعات الفقيرة المعزولة والمهمشة اقتصاديًا. ما تركز عليه سبيفاك في هذا الشأن هو كيف تُعنى منظمات حقوق الإنسان في العادة بالكمية وتهمل بالكامل الحاجة لمعالجة حقيقية قد تساهم في إعادة تصور هوية “الآخر” وهوية الذات.

تناقش سبيفاك سياقات محددة تشعر فيها النساء بأنهن ملزمات برعاية الآخرين (أو تكنّ كذلك بالفعل)، ما يقود إلى استغلالهن في أماكن العمل كونهن لا يستطعن تصور أنفسهن خارج النموذج الذي يجعل الخدمة مهمة نسائية بالطبيعة. في حالات كهذه، ترى سبيفاك أن “تدريب الخيال في أدائه الإبستمولوجي” صعب من حيث أنه يدخل المرأة في عملية متناقضة تشمل إعادة تصور ذاتها وإعادة تصور ذوات الآخرين؛ عملية تشبّهها بالدعوة الماركسية للبروليتاريا لتصور نفسها على أنها “منتِجة” عوضًا عن “ضحية للرأسمالية”.

قد توضّح بعض أسئلة الحاضرين لسبيفاك المشاكل البلاغية ونقص المهارات النقدية التي تنطبق على النقاش العام في هذا المجتمع، إذ بالإمكان القول إن معظم الأسئلة كانت أمثلة جلية على “نقص الخيال” في الخطاب المتعلق بقضايا النساء والنسوية في الأردن. فأسئلة من قبيل كيف ولِمَ لم تتحدث سبيفاك عن التعليم بشكل خاص، أو عن “الذكور”، أو عن عدم كونها أمًا، إلى جانب الفهم الشمولي –المسلي- لـ”لاهتمام بالذات” في مقابل “الاهتمام بالآخر”، كل ذلك هيمن على جلسة النقاش التي تلت المحاضرة.

* الإبستمولوجيا هي حقل فلسفي يبحث في ماهية المعرفة وأسسها وكيفية تشكيلها ومدى صحتها.

لقراءة المقال بالغة الانجليزية زوروا هذا الرابط.