على مذبح الحكم: الخلافة نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد

الأحد 06 تموز 2014

لا نكف عن العودة إلى بعض الكتب الرائدة في الثقافة العربية كلما استجد علينا خطب ما، كما هو الحال الآن مع ما وقع قبل أيام من إعلان “الدولة الاسلامية”، ومبايعة “خليفة” للمسلمين.

منذ إعلان كمال أتاتورك عام 1924 إنهاء الخلافة الاسلامية، لم ينقطع الجدل والمعارك الفكرية حول موضوعات علاقة الدين الإسلامي بالسياسة، وأصول الحكم في الإسلام.

وقد غذّى هذه المعارك الفكرية ظهور حركات الإسلام السياسي، وكذلك محاولات بعض هذه الحركات إحياء “الخلافة الاسلامية”، كما حصل عندما أعلنت حركة طالبان، عام 1996، إمارة أفغانستان الإسلامية ومبايعة الملا محمد عمر أميرا للمؤمنين، وطالبت عموم المسلمين مبايعته خليفة على السمع والطاعة. وها هو المشهد يتكرر الآن مع “تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام، داعش”، الذي أعلن قيام الدولة الاسلامية مطالبا الكافة مبايعة “ابو بكر البغدادي” خليفة عليهم.

ملاحظة ع الهامش:

ربما يكون الفارق الجوهري بين بيان حركة طالبان في إعلان الخلافة، وبيان داعش هو أن الثانية نسبت الخليفة الجديد “أبو بكر البغدادي” إلى قبيلة قريش، وكأنها بذلك تقول لمن عارض خلافة الملا محمد عمر لكونه لا يعود نسبا لقريش، ليس لكم حجة في عدم مبايعة الخليفة الجديد، اقتداءً ببيعة السقيفة، حيث أصر بعض الصحابة من قريش أن تكون الخلافة فيهم، طالما الرسول من قريش.

وهذه التطورات دفعت بمفكرين عرب ومسلمين إلى الخوض في علاقة الإسلام بالسياسة، وتحديدا في الإسلام وأصول الحكم.

وقد كان للمفكر المصري الشيخ علي عبدالرازق قصب السبق في معالجة أمر الإسلام وأصول الحكم من منظور مختلف في كتابه الرائد، “الإسلام واصول الحكم”، الذي صدر عام 1925، أي بعد عام على إعلان إنهاء الخلافة.

وقد أثار كتاب عبدالرازق الجدل، ولم يزل يثيره. ودارت حوله معارك فكرية كبيرة بين مؤيد ومعارض. ولا نزال نعود إلى كتابه هذا كلما ظهر تطور جديد بهذا الشأن. كذلك هي الكتب الرائدة مثل “طبائع الاستبداد”، أو “مقدمة” ابن خلدون، أو كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين وغيرها.

وكغيري فقد مسّني التطور الأخير، ورحت أبحث عن فهم أفضل لهذه التطورات، أو عن كتب تجعل العالم “أوضح”، فعدت إلى كتاب عبدالرازق، وكتب ومقالات أخرى، من بينها أيضا كتاب الطبيب المثقف جمال الخطيب “على مذبح الحكم: قراءة في نصوص إسلامية تاريخية”.

وبعد قراءتي لهذين الكتابين وجدت نفسي متحمسا للعرض لهما، علّ هذا العرض يفيد البعض، خاصة وأنهما يتناولان موضوع “الخلافة” الاسلامية من منظور مختلف، مع إدراكي بأن موضوعاً كهذا لا يكفيه قراءة كتاب أو اثنين أو ثلاثة، وأيضاً أن هذه الكتب “جدلية” الطابع، لكن هذا لا يمنع من عرضهما كجزء مهم من النقاش الدائر حاليا.

الإسلام وأصول الحكم

الإسلام وأصول الحكمكتاب صغير الحجم جدا، يقول صاحبه عنه في المقدمة: “وأساس كل حكم في الإسلام هو الخلافة أو الإمامة العظمى، على ما يقولون، فكان لا بد من بحثها. شرعت في ذلك كله منذ بضع سنين، ولا ازال بعد عند مراحل البحث الاولى، ولم أظفر بعد الجهد الا بهذه الورقات، أقدمها على استحياء، إلى من يعنيهم هذا الموضوع”.

إذا فان فكرة الكتاب هي البحث في أساس أو أصول الخلافة عند المسلمين، وعلى هذا الأساس ينطلق الشيخ عبد الرازق في تحليله بداية من تعريف “الخلافة” الاسلامية، كما هي عند المنادين بها.

بعد تعريف الخلافة لغة، يعرف الخلافة كـ”مفهوم” مرادفها الامامة، عند المسلمين وهي: “رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

أو بحسب ابن خلدون: “والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي، في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها، اذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الاخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”.

ويأخذ عبدالرازق على الفكر الاسلامي أنه أهمل البحث في مصادر القوة التي يستمد منها الخليفة، لكن استقراء بعض أقوال القوم في هذا يستنتج منه أن المسلمين ذهبوا في طريقين:

الاول: أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله “خليفة الله على الأرض”.

وأما الثاني: فهو أن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة، فهي مصدر قوته، وهي التي تختاره لهذا المقام.

مستخدما المنهج التاريخي قي قراءة الأحداث والنصوص يصل عبدالرزاق إلى فكرته الاساسية، التي يمكنني عرضها أو تلخيصها بالتالي:

أولاً: الخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام؛

ثانيا: إنما هي مسألة دنيوية سياسية “اختراع بشري”، أكثر منها دينية؛

ثالثا: لم يرد لا في القران ولا في الحديث النبوي، لا من قريب ولا من بعيد، كيفية تنصيب الخليفة او تعينه.

رابعا: ذلك لأن هذا التنصيب هو محض “اختراع بشري” و/أو اجتهاد من قبل الصحابة لجأوا إليه ليحافظوا على تماسك الجماعة المسلمة بعد وفاة النبي، كما قال بذلك أيضا ابن خلدون.

ويُرى في ذلك أن الرسول لم يمارس نوعا واضح المعالم من الحكم أو السلطة خلال حياته. فمثلا لم يقم الرسول بتعيين ولاة على المناطق التي تم فتحها، إنما قام بتعيين قادة جيوش أو عاملا على المال أو معلما للقرآن لم يكن مطردا، ثابتا.

بعد ذلك يحلل عبدالرازق كيف تحولت الخلافة إلى “ملك” في العصر الأموي، ويقول أن الخلافة إذا كانت في الأصل راجعة الى اختيار اهل الحل والعقد والبيعة الاختيارية، فإن المُلك يقوم على الغلب والقهر.

والخلافة الاسلامية إذن هبطت في تاريخ المسلمين إلى المُلك لأنها لم “ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وإن تلك القوة، إلا في النادر، قوة مادية مسلحة”.

وهذا الغلب والقهر يتنافى مع جوهر الإسلام الذي يؤمن بالمساواة بين سائر البشر ويمنع عبوديتهم لغير الله، و”من الطبيعي في أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل يطلب منهم او من غيرهم ذلك الخضوع للقوة، ونزولا عند على حكم السيف القاهر”.

“لا يوجد صيغة للحكم في الإسلام، والخلافة ليست نظاما دينيا، وليست نيابة عن صاحب الشريعة، و.. ما قيل في هذا الاتجاه لم يكن سوى ترويج واضح لمسألة خاطئة بما يحقق مصالح السلاطين”.

ويؤكد عبدالرازق بأنه: “لا يوجد صيغة للحكم في الإسلام، والخلافة ليست نظاما دينيا، وليست نيابة عن صاحب الشريعة، و.. ما قيل في هذا الاتجاه لم يكن سوى ترويج واضح لمسألة خاطئة بما يحقق مصالح السلاطين”.

ويرى أن الخلافة لم تحمِ الدين لا في وجودها، ولا في غيابها بعد سقوط الخلافة العباسية وبغداد في يد التتار، اذ استمر الاسلام واستمر المسلمون. بل ربما ان الصراعات والخلافات والثورات اضرت بالدين والدنيا. لذا يصل إلى القول بأنه: “ليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد”.

وعليه فإن على الفقهاء أن يكونوا واضحين في مسألة الخلافة، فإن هم “أرادوا بالإمامة أو الخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحا ما يقولون، أما إذا أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفونه فدليلهم أقصر في دعواهم، وحجتهم غير ناهضة”.

على مذبح الحكم

في كتابه “على مذبح الحكم: قراءة في نصوص إسلامية تاريخية”، يعمد الدكتور جمال الخطيب إلى البحث أو الحفر في مئات النصوص الإسلامية، منذ بيعة السقيفة، حيث بويع أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين، إلى خطبة أبي جعفر المنصور بعد توليه الخلافة. وهو لا يكتفي بالنصوص المؤيدة لرأيه الذي ذهب مذهب الشيخ عبدالرازق في موضوع الخلافة، بل يضع الرواية والرواية المضادة.

وعبر تحليل هذه النصوص يصل إلى ما وصل به الشيخ عبدالرازق، مع بعض الإضافات:

أولا: ابتدأ أمر الإسلام في بيئة اجتماعية قبلية معقدة، ومع ظهور الإسلام ظهر شيء جديد يدعوة إلى عصبية الإيمان والتوحيد، ومع ذلك نشأت علاقة معقدة بين الإسلام والدولة والقبيلة. واذ لم تكن هذه العلاقة على مستوى واحد إلا أنها بقيت تحكم ثلاثية الاسلام والدولة والقبيلة حتى الآن. هذا تحليل ليس بعيداً طبعا عن تحليل ابن خلدون للعصبية القبلية بوصفها محركا للتاريخ العربي.

ثانيا: لا تداول للسلطة في التاريخ الإسلامي بل حكم حتى الموت أو الخلع.

ثالثا: لم تختلف طبيعة الدولة في الإسلام على مر العصور وما اختلف كان نوعية العصبية أموية أو عباسية أو فاطمية أو تركية، تختلف باختلاف الزمان والمكان.

رابعا: بدأت السلطة العربية ببيعة لصاحب السبق والأفضلية يستخلف من يليه وانتهت تغلبا لصاحب الشوكة والعصبية يورثها لذريته من بعده، وفي الحالتين لم يكن لها مدى زمني ولا تنتهي إلا بالوفاة أو القتل.

خامسا: مع الزمن تراجعت التعاقدية والمحاسبة لصالح الطغيان والأذعان وتحول الخليفة من ممثل للناس إلى ممثل لله.

وقد تراجع شعار أبو بكر الصديق من “أطيعوني ما أطعت الله”، إلى شعار أبي جعفرالمنصور: “إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده وحارسه على ماله اعمل فيه بمشيئته”.

سادسا: هذا الانتقال لم يمر بدون ثورات وصراعات بالفكر أحيانا وبالقوة أحيانا اخرى.

سابعا: في البداية حاربت القبيلة الإسلام ثم استسلمت له ووالته وجعلت منه سلاحا للسيطرة على قبائل أخرى، ثم بعد ذلك تحدّت فكرة الدولة في حروب الردة حتى هزمت. ثم اندمجت القبائل في الدولة وصبغتها بصبغتها فصار اسم الدولة على اسم القبيلة كان يقال دولة بني أمية أو بني العباس أو بني حمدان. ويوالي أبناء القبيلة الدولة ما دامت قوية ويتربصون ضعفها.

ثامنا: أما الدولة أو السلطة فقد ظهرت في الإسلام لحراسة الدين وسوس الدنيا به، وانتهت باستعمال الدين لحراسة السلطة والتشريع لها.

تاسعا: إننا نكاد نعيش نفس الصراعات والمواجهات التي حدثت بداية تشكل الأمة في القرن الأول الهجري، ومرد ذلك بحسب علم النفس التطوري أننا لم نحل تلك المشاكل في وقتها لذلك فهي تطل برأسها عند المنعطفات الصعبة. تماما كما يحصل مع مراحل تطور الفرد إذا لم يحل تناقضاً ما في مرحلته العمرية الخاصة، يرحل إلى فترة لاحقة ويحمله الانسان الفرد معه على شكل توترات عصبية ونفسية وعاطفية أو عقلية وسلوكية، تظهر وتكشف عن نفسها في اللحظات الحرجة.

أما الدولة أو السلطة فقد ظهرت في الإسلام لحراسة الدين وسوس الدنيا به، وانتهت باستعمال الدين لحراسة السلطة والتشريع لها.

ما هي علاقة الدين بالدولة؟ الإسلام بالحكم؟ العروبة والإسلام؟ من يحكم؟ كيف تختار من يحكم؟ لمن الثروة؟ من يتصرف بها؟.

كل هذه التناقضات والأسئلة وغيرها من العقد التي لم تحل في سياق تطور الأمة العربية تعاود الظهور عند كل منعطف حرج على شكل انفجارات وصدامات دموية رهيبة بين الإسلام والدولة حينا وبين الدولة والقبيلة حينا وبين العشائرية والإسلام أحيانا اخرى. تتبدل فيها المواقف بحسب المصالح.

اختم ملخصا مجمل الرأيين السابقين بما قال به من ايام الكاتب ابراهيم غرايبة في مقال له بعنوان “الخلافة مؤسسة بشرية وليست دينية”: “الخليفة هو الحاكم، وليس له صفة دينية. ولم يكن للأمة الإسلامية خليفة واحد إلا في فترات ضئيلة جدا، لا تساوي شيئا بالنسبة للألف وأربعمائة سنة في مسار الأمة. ولم يكن هذا الخليفة على الدوام سوى حاكم وصل إلى السلطة بالغلبة!

“هي سلطة إذن، قامت بالغلبة والقوة. ولا يغير من حقيقتها وجوهرها أن تسمى خلافة، أو أن تُنسب إلى الرسول أحاديث عن الخلافة!”.