في انتظار وزير الطاقة

الثلاثاء 06 كانون الثاني 2015
waiting-for-the-minister-of-energy

حاولت استخدام كل ما أسعفتني به اللغة. أكدت أن الموضوع بالغ الأهمية، شديد الخطورة، وفائق الحساسية، علينا حمله على محمل الجد لأن أرواح أبرياء على المحك. وبعد مدّ وجزر طويل حوّلني مأمور مقسم وزارة الطاقة إلى مكتب الوزير.

ما دفعني إلى الاتصال بوزارة الطاقة هو نيّة الحكومة الأردنية -من خلال شركة الكهرباء التي تدّعي بأنها «وطنية»- توقيع اتفاقية غاز مع دولة الاحتلال لغايات توليد الطاقة الكهربائية. يدّعي البعض، ومن باب «تلطيف الجو»، أن هذه الاتفاقية ستوقّع مع شركة أمريكية خاصة تستخرج الغاز من البحر المتوسط، لكن ما يعلمه الجميع يقينًا هو أن حوض الغاز هذا جزء من المياه الإقليمية الفلسطينية المحتلة، وأن عوائد قيمة الاتفاقية -والبالغة 15 مليار دولار أمريكي- ستذهب في جزء كبير منها (8,4 مليار دولار في أقل تقدير) إلى خزينة العدو على شكل ضرائب وامتيازات.

في بداية الأمر حاولت أن «أخزي الشيطان وأنسى» فذهبت الى النوم، لكني حلمت بنتنياهو يرسل إلينا مع بداية تدفّق الغاز رسالةً تقول: «مع تحيات آل لانيستر». استيقظت فزِعًا وبحثت عن رقم شركة الكهرباء «الوطنية» ثم اتّصلت بها كي أسجل شكوى ضد توقيع الاتفاقية.

كانت هذه بداية رحلتي في متاهات صنع القرار بالأردن، التي أخذتني إلى ثلاثة مؤسسات وثمانية أشخاص مختلفين. ألخّص لكم تاليًا ما حدث:

أولًا: شركة الكهرباء الوطنية

المكالمة الأولى: قسم شكاوى الكهرباء

أجابني شخص بنبرة جديّة. قلت له أنني أود تسجيل شكوى ضد اتفاقية الغاز مع «إسرائيل»، امتزجت عندها جدية صوته بنوع من التعاطف. غاب للحظة، ثم عاد قائلًا «بتقدر تعيد اللي حكيته؟ زميلي عم بسمعك الآن». أعدت لهم ما قلت وأيقنت أنهم لم يتوقّعوا ذلك، فقال -وأجزم أنني سمعت صوتًا خافتًا لابتسامته-: «والله مش عارف كيف بدي أساعدك، أنا معاك، بس هذا الموضوع عند مدير الشركة».

المكالمة الثانية: مكتب مدير الشركة

تعاطفت معي سكرتيرة المدير تعاطفًا شديًدا، لكنها –كالمغلوب على أمره- اعتذرت مني قائلة: «أن المدير مش موجود»، فقلت في سرّي: «هو عمره كان المدير موجود!»، ثم أكمَلَت: «بس بقدر أحولك لـ…».

المكالمة الثالثة: مساعد مدير الشركة

أبلغتُه أن الاتفاقية مرفوضة جملة وتفصيلًا، فوافقني الرأي ثم تابع: «والله يا أخي إنه هاظ الملف مش عندي، بس أنا بحيّي المواطنين الشرفاء اللي من أمثالك. خليني أحولك على المهندس المسؤول عن الملف، هو بقدر يفيدك أكثر منّي…».

المكالمة الرابعة: المنصب مجهول (المهندس المسؤول عن الملف)

وكأنني اتهمته بالقتل! نفى الرجل أي علاقة له من قريب أو بعيد بملف الاتفاقية! وأظهر عداءًا شديدًا للكيان، حتى أنه عاتبني قائلًا «ما حبيت منك كلمة إسرائيل، هاد اسمه العدو»، وأقسم الرجل بعدها أنه «عبد المأمور» و أن القرار «من فوق» ونصحني بالاتصال بهيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن أو بوزارة الطاقة لأن القرار بين أيديهم.

ثانيًا: هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن

المكالمة الخامسة: قسم الشكاوى.

تحدّثت مع المهندس المسؤول وقال لي بالحرف الواحد أن «هادي أحلى شكوى بسمعها بحياتي، بس صدقني إنه الهيئة ليس لها علاقة بالموضوع من قريب أو بعيد وأن المسؤول المباشر هم وزارة الطاقة، فعليك بهم».

ثالثًا: وزارة الطاقة

كما ذكرت سابقًا، بعد مد وجزر طويل حوّلني مأمور مقسم وزارة الطاقة إلى مكتب الوزير…

المكالمة السادسة: مكتب وزير الطاقة

– ألو، مكتب الوزير اتفضل.
– لو سمحتِ ممكن أحكي مع الوزير؟
– مين حضرتك؟
– أنا إبراهيم الطراونة.
– أهلًا وسهلًا، بس من وين أنت؟
– من الأردن.
– عارفة أخ إبراهيم، بس إنت من أي جهة؟ وين بتشتغل يعني؟
– أنا مش من أي جهة، أنا مواطن أردني وحابب أحكي مع وزير الطاقة بموضوع مهم.
– بخصوص إيش؟
– بخصوص الغاز الإسرائيلي.
– بس الوزير مسافر.
– مسافر على إسرائيل؟
– لأ! شو إسرائيل؟! أكيد لأ!
– عارف إنه مش بإسرائيل، بس حبيت أورجيكِ قديش الموضوع حساس، وهيهم بدهم يجيبولنا غاز من هناك!
– طيب شو رأيك أحولك على مكتب الأمين العام؟
– ماشي، بس يا ريت بس يرجع الوزير توصلي له الشكوى لو سمحتِ.
-أكيد أنا معكم والله.

المكالمة السابعة: مكتب أمين عام وزارة الطاقة

أخبرتني السكرتيرة أن الأمين في «اجتماع مغلق»، لكن إذا كان الموضوع مستعجل ممكن أن أكلّم…

المكالمة الثامنة: مساعد أمين عام وزارة الطاقة.

استمع إليّ الرجل بجديّة، ثم بدأ بالكلام شاكرًا إياي على حرصي على إيصال الرسالة للمسؤولين. قال بعدها: «الله يعين البلد!»، لأن ملف الطاقة في الأردن معقد وحساس ولأننا نمر بظروف صعبة للغاية، ونصحني بالاتصال بمكتب الوزير بعد عودته. قلت له أن المشكلة ليست في الوزير وحده وأن هذه الصفقة ليست القضية الأولى ولن تكون الأخيرة التي يغيّب عنها الشعب الأردني، هناك الكثير من الأمثلة، كوادي عربة وقانون الانتخاب وقانون المطبوعات والنشر، لكنني الآن لست بصدد البحث عن الديمقراطية أو الشفافية، ولست «طمعانًا» في إيجاد حلول سحرية لكل تلك القضايا، لأن كل ما نبحث عنه هو «شويّة كرامة بس»، وأنهيت قائلًا: «بدناش نكذب ع بعض»، لأن انتظار إجابة الوزير ستكون كانتظار جودو.

______

* الصورة أعلاه من موقع Shutterstock.