غريب ألبير كامو بالدارجة التونسية: هل تصلح اللهجات المحكية للترجمة الأدبية؟

السبت 28 كانون الأول 2019
جزء من غلاف رواية الغريب بعد أن حوّلها الفنان جاك فرناندز إلى رواية مصوّرة.

في زيارتي الأخيرة إلى تونس دخلت كشكًا صغيرًا قرب محطة القطار، وفوجئت برواية ألبير كامو «الغريب» تطالعني بترجمتها إلى الدارجة التونسية. لم أستطع تمالك نفسي حين أدركت أن فرصتي في شراء الكتب من مكتبات تونس قد تضاءلت إذ أنني لا أجيد الفرنسية، ومع الترجمة إلى الدارجة التونسية، باتت هذه الكتب خارج متناولي. ومع ذلك اشتريت الكتاب فضولًا لأعرف هل غريب كامو الذي عرفته مترجمًا إلى الإنجليزية هو ذاك عينه المترجم إلى الدارجة التونسية؟

يستهل ضياء بوسالمي، الشاعر والمترجم التونسي الذي حاز على جائزة مؤسسة رامبورغ تونس عن ترجمته لرواية الغريب عام 2018، مقدّمة الكتاب بسؤال جريء: علاش؟ [لماذا؟]، ليجيب على سبب اختياره للترجمة إلى الدارجة، قائلًا إنَّ «الأدب في الدارجة ليس بدعة»، ويستشهد بكتّاب ومفكري «جماعة تحت السور»[1] مثل علي الدوعاجي ومصطفى وبشير خريّف وغيرهم ممن استخدموا الدارجة التونسية في أكثر ما كتبوه، مضيفًا أن محاولته ما هي «إلا ثنية باش نجربو الأدب والفكر بلغتنا وكلامنا إلّي نحكيو بيه في الشارع».[2]

لكن إن لم يكن الأدب باللهجات المحكية بدعة فهذا لا يخرجه من دائرة الانتقاد، فما زال هناك الكثيرون ممن يعتبرونه دخيلًا على الأدب ويسعى لتشويه مكانة اللغة العربية لا إلى تقريبها.

إن كان الأدب بالفصحى معقّدًا وينأى بالقارىء العادي عن لغة الواقع الذي يعيشه من وجهة نظر مؤيدي الكتابة باللهجات المحكية، فإن الترجمة إليها قد تنأى بالنص الأصلي عن واقعه وتقتل ما تبقى من روحه بعدها. فالمترجم دائمًا ما يكون واقعًا بين نارين لينجز مهمّته الصعبة في المقاربة بين تراكيب اللغة المصدر واللغة الهدف بأقل الخسائر وأكثرها أناقة. صحيح أن اللهجة المحكية أقرب وأكثر سهولة في التلقي، لكنها نادرًا ما تقوى على التعبير بشكل يفوق جمالية وبلاغة الفصحى، وإذا كانت اللهجة المحكية أقرب وأكثر سهولة في التلقي، فذلك يسهل على المترجم مهمته من جهة ويصعبها عليه من جهة أخرى. إذ باعتقادي يجب على المترجم أن يبتكر أكثر في ترجمته إلى المحكية وأن يكون قادرًا على خلق تعابير وتراكيب جمالية من بساطة اللهجة وعفويتها بدلًا من أن يحصر نفسه في نطاق عباراتها المحدودة والمستهلكة على المدى اليومي. 

في هذا الصدد يرى بوسالمي أن الترجمة من الفرنسية إلى الدارجة «بحر يبلع» فهو أمام معادلة غير موزونة من الجانبين: «خمس كلمات بالفرنسية تجد نفسك قادرًا أن تعبّر عنها بكلمتين خفيفتين ونظيفتين بالدارجة. والعكس صحيح أيضًا، فأحيانا تجد كلمة في النص الأصلي لا تستطيع أن تعبّر عنها إلا بكلمات كثيرة».[3] 

كم غريبًا أنجبت الغريب؟

بعد أن نشر ألبير كامو روايته عام 1942 بالفرنسية في باريس، أمسى غريبه مشروعًا مغريًا ومُحيّرًا في مجال الترجمة. ففي عام 1946 ترجم ستيورات غيلبرت الرواية إلى الإنجليزية في بريطانيا تحت عنوان الدخيل (The Outsider) بينما نشرت الرواية في الوقت ذاته تحت مسمى الغريب (The Stranger) في الولايات المتحدة.[4] بدا أمر ترجمة العنوان منذ البداية جدليّا؛ إذ ارتأى البعض أن «ميرسو» بطل الرواية ليس مجرد أجنبي أو غريب في البلد الذي يعيش فيه (لكونه مواطنًا فرنسيًا يقيم في الجزائر المستعمرة آنذاك)، بل هو شخص دخيل على أي مجتمع، مستثنىً، يشعر باللا انتماء ويعيش في عزلة واغتراب حتى عن ذاته. لا يتعلق الجدل بترجمة العنوان فحسب، إذ إن أسلوب كامو في الكتابة وجمله المقتضبة والمتشظية تحدٍ آخر كان على المترجم أن يواجهه عند الدخول إلى عوالم الرواية. في مقال نشر عام 1947 عن رواية الغريب، يتحدث سارتر عن لغة كامو ويصف الجمل التي يستخدمها في الرواية على أنها «حادة، مبهمة، ومستقلة بحد ذاتها»، وبذلك فهو يعتقد أن لغة كامو وأسلوبه يعكسان العدمية والعبث عينه الذي يشعر به مارسو، «فالعالم يُهدم ويبنى من جملة لأخرى (..) الجمل في رواية الغريب كالجزر، نثب من جملة إلى أخرى، من فراغ إلى فراغ».[5]

إن الرواية بأكملها متاهة متداخلة، قد توحي للقارىء في البداية أن حبكتها وأسلوبها عاديان وبسيطان، إلا أن كل جزء منها مشغول بعناية ليدخل القارىء في حالة من الاغتراب والعبثية، وعليه فإن من مهمة المترجم ههنا أن يحافظ قدر الإمكان على الشبكة هذه ليمكّن القارىء من فهم الرسالة. يرى جوناثان كابلانسكي في مقاله الذي يناقش به عدة نماذج أعيدت فيها ترجمة الرواية إلى الإنجليزية أن ترجمة غيلبرت قد جعلت من «ميرسو» بطلًا إنجليزيًا بامتياز، وذلك من خلال لغة المترجم الأنيقة والشاعرية التي أضفت نكهة بريطانية على الرواية، ناهيك عن إعادة ترتيبه للفقرات والجمل لتناسب ذوقه الخاص. ليس هذا فحسب، ولكن غيلبرت أيضًا لعب في علامات الترقيم وأضاف علامات اقتباس كثيرة، الأمر الذي غيّر في أسلوب السرد غير التقليدي الذي تميزت رواية كامو باستخدامه. ومن هنا يعتقد كابلانسكي أن ما فعله غيلبرت هو محاولة لتدجين الرواية وتسهيلها للقارىء الإنجليزي. في النهاية، يبدو أن كل هذه التغييرات كانت على حساب شخصية وأسلوب البطل في الرواية، فميرسو الذي يجب أن يكون مقلًا في كلامه؛ محض مراقب سلبي لما يجري في هذا العالم، يظهر مطنبًا في الكلام أكثر من اللازم.

عند قراءتي لترجمة بوسالمي لم يغادرني هذا الشعور الغريب بأن ميرسو هو بطل تونسي بامتياز، خاصة وأنني كنت أقرأ الرواية خلال فترة إقامتي في تونس ووقتي ينقضي في التجول وتدوين الانطباعات اللغوية والفكرية والثقافية. أعتقد أن بوسالمي -على خلاف غيلبرت- كان ناجحًا في الإبقاء على الطابع العام لميرسو وإظهار عدميته وسلبيته. قد يكون السبب في ذلك أن هناك مميزات في طبيعة الدارجة نفسها كانت من صالحه؛ فالدارجة التونسية، في اعتقادي، تتميّز بالسخرية اللاذعة والأسلوب الجاف في الحوارات اليومية، مما أبقى على بعض من تقنيات كامو في الرواية، خاصة تلك المتأثرة بطريقة كتابة الرواية الأمريكية والتي ساعدته، كما قال، على أن «يصف رجلًا بلا ضمير حي».[6] 

استطاع بوسالمي أن يخرج ميرسو بالدارجة التونسية وقحًا فظًا كما يجب، بشكل يدفع القارىء للشك وعدم الثقة به على الرغم من ظروف حياته البائسة وشعوره بالوحدة واغترابه الدائم عن نفسه. قد يحاكي هذا واقع بعض التونسيين بعد الثورة؛ أولئك الذين ضاق بهم تردي الوضع الاقتصادي وجعل منهم لامبالين بهذه الحياة التي لا يرون لها أي معنى:
«إيمانه هكة هو، وقت يشك حياتو تولي ما عندها معنى. بدا يصيح (تحب حياتي تولي ما عندها معنى؟) الحكاية ما تهمنيش. كيف قتلو هكاكة كمّّل يصيح ويقرب في الصليب قدام وجهي: (أنا مومن نطلب من ربي يغفرلك. كيفاش تنجم ما تمّنش بسيدنا عيسى إلي تعذب على خاطرك؟) بدا يطيّح معايا في القدر وفدّيت منو».
[7]

إن واقع التونسي بعد الثورة يعكس الاغتراب والتشتت ذاته الذي يعيشه ميرسو على المدى اليومي، ولذلك فإن تحويل ميرسو من بطل فرنسي يعيش في الجزائر المستعمرة آنذاك إلى بطل تونسي يتكلم دارجة ما بعد الاستعمار ليس مجرد مشروع ترجمة وإنما قضية يجدر النظر بها. فالتونسي كجاره من بلدان المغرب العربي يعيش مغتربًا عن اللغة العربية – التي أمست حكرًا على فئة نخبوية من المثقفين أو الشيوخ المتدينين- وينظر إلى الدارجة على أنها لغة أخرى، أما إذا نظرنا إلى ارتباط اللغة العربية بالدين -على اعتبارها لغة القرآن والخطاب الديني- فإن مشروع إعطاء رواية عدمية صبغة تونسية قد يمثل موقفًا سياسيًا وفكريا من جهة بوسالمي، كما صرّح لعمار المأمون في صحيفة العرب قائلًا إنّ «محاولات الترجمة التي أنجزها هي نبش في جبل التطرف الديني/ اللغويّ ولو بإبرة دقيقة».

أما عن إشكاليات الترجمة إلى الدارجة، فإن التهجئة غير الموحدة ومشكلة اعتماد لهجة العاصمة وتمييزها دونًا عن باقي اللهجات المحلية الأخرى -نظرًا لكونها محايدة ومفهومة للجميع- قد لا يكون الإشكالية الكبرى. إنّ ما خسرته الرواية من معان وصور وانسيابية لغوية على حساب الترجمة إلى الدارجة في نظري لا يمكن تعويضه، فمثلًا على الرغم من أن الطابع الغالب على لغة ميرسو هو الفظاظة واللامبالاة فإنه يملك جانبًا بريئًا ورومانسيًا دائمًا ما يحاول إخفاءه، وهذا واحد من الإشكاليات التي تعجز الدارجة عن إيصالها، خاصة حينما يتعلق الأمر بسلاسة وانسيابية اللغة عند كامو:

«عاونتها وهي تعوم وهكاكة مسّيت صدرها. أنا ما زلت في الماء وهي تعوم على كرشها. تلفتتلي والشعر مغطي عينيها وهي تضحك. مشيت من جهتها. الطقس مزيان. سيبت راسي لتالي وحطيتو على كرشها. هي ما قالت شي وأنا بقيت هكاكة. السماء الكل في عيني كان لونها أزرق ومذهب. تحت رقبتي كنت نحس بكرش ماري. بقينا برشا هكاكة ونحنا محسوب راقدين».[8]

بعد مقارنة المقطع هذا مع ترجمة الجزء الأصلي إلى العربية، شعرت بأن الدارجة اختصرت الكثير من العبارات ولم تعجز عن إيصال الصورة الفنية فقط بل أربكتها: «أعنتها على اعتلاء طوافة، وبتلك الحركة، لامست نهديها. وكنت ما أزال في الماء حين كانت قد استلقت على بطنها فوق الطوافة. استدارت نحوي. كان شعرها يغشي عينيها، وكانت تضحك. صعدت بجانبها على الطوافة. كان الجو جميلًا، وبشيء من المزاح، أرخيت رأسي إلى الوراء ووضعته على بطنها. لم تعترض، وبقيت على تلك الحال. كانت السماء كلها مشرعة أمام نظري، زرقاء مذهبة. وأسفل رقبتي كنت أحس ببطن ماري ينبض برفق. بقينا مدة طويلة فوق الطوافة، نصف غافيين».[9]

فكلمة «كرش» مثلًا يقصد فيها بطن بالدارجة ولكنها بالعربية توحي ببطن سمين ومنتفخ حركته بليدة وتتناقض تمامًا مع الكلمة التي استخدمها كامو بالفرنسية «doucement» والتي تعني برفق ونعومة، وهو يصف حركة بطن ماري تحت الماء، فجملة «تحت رقبتي نحس بكرش ماري» خالية من أي تصوير شاعري أو رومانسي. هناك الكثير من الأجزاء الأخرى في الرواية تختصر الكثير وتعكس المحدودية وعدم الراحة في التعبير، خالية من أي جمالية ووظيفتها سرد ما حدث لا أكثر.

أفضل الخيانات أكثرها أناقة

عندما يقف المترجم أمام نص في محاولة لتهذيب الخيانة، على اعتبار أن الترجمة خيانة، لا يملك إلا أن يبذل ما في وسعه للإبقاء على روح النص، مطوّعًا اللغة في طريقة جمالية وطبيعية حينًا، وفي طريقة حياديّة حينًا أخر.
أما بالنسبة لنا كمتلقين للنص المترجم فلنا الحرية ألا نعترف بالنص المترجم رافضين خيانته للأصل، وهكذا إمّا أن نفوّت على أنفسنا قراءة روائع الأدب العالمي أو أن نرضخ للأمر الواقع باحثين عن أفضل الخيانات وأكثرها أناقة. وعليه فإننا نتعامل مع الترجمة على أنها عملية ولادة لنصوص أخرى، بغض النظر عن شرعية النسل ومدى تطابقه مع النص الأصلي، وسنحتفي بالنص الوليد ونستمتع به قدر الإمكان، على أمل أن نتعلم اللغة التي كتب بها النص ونقرأ النص الأصلي يومًا ما.

ما زلت أذكر ترجمة جبرا إبراهيم جبرا لمآسي شكسبير الكبرى، لم أشعر حينها بأن هاملت المترجَم إلى الفصحى هو بطل عربي تراجيدي، على الرغم من قوة وفصاحة لغة الترجمة بالعربية. وعندما كبرت وقرأت هاملت بالإنجليزية، شعرت بالألفة؛ بأنني قابلت هاملت في حياة سابقة، لكن متعة قراءته بالإنجليزية كانت أجمل وأكثر وقعًا علي مهما كنت متعلقة بتجربتي اللا مألوفة الأولى عند قراءة ترجمة جبرا. في النهاية، ما يهمني من النص الأدبي المترجم كقارئة هو ذاك عينه الذي يهمني من قراءة الأدب بشكل عام؛ أن أدخل عوالم أخرى بروح الغرابة والشعور باللا مألوف. فسرّ الأدب بالنسبة لي يكمن في مفهوم «التغريب» كما يعرّفه الأديب والناقد الروسي فيكتور شكلوفسكي (أحد مؤسسي نظرية الشكلية الروسية) في مقاله الشهير «الفن بوصفه تكنيكًا» (1917): «التغريب هو تقنية أو أسلوب أدبي تحوّل اللغة بواسطته الأشياء العادية والمألوفة إلى أشياء مختلفة. إنه عملية من التحولات التي تؤثر اللغة من خلالها على طريقة إدراكنا للأشياء».[10] وعليه فإن نزع الألفة من الأشياء يضفي عليها شعورًا غريبًا ومختلفًا يحفز القارىء ويخرجه من عالمه التلقائي والرتيب، فإذا كانت مهمة اللغة أن تخلق حالة التغريب هذه، فكيف سيكون الحال حينما تكون اللغة المستخدمة أصلًا خارج المألوف والمعتاد؟

أستطيع أن أقول أن تجربة قراءتي للغريب بالدارجة التونسية هي تجربة غريبة وممتعة؛ فقراءة رواية فرنسية بلهجة جديدة على مسمعي بعد أن كنت قد قرأتها بالإنجليزية نزعت عني كل الألفة والتلقائية المعتادة. لكن هل كان من الممكن أن يكون شعوري باللامألوف مضاعفًا إذا ما قرأت هاملت في البداية مترجمًا إلى اللهجة الأردنية مثلًا؟

  • الهوامش

    [1] جماعة تحت السور: عدد من المثقفين في مختلف التخصصات كانوا يجتمعون في مقهى «تحت السور» في منطقة باب سويقة في العاصمة تونس خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، ويناقشون قضايا اجتماعية وفكرية مختلفة.

    [2]ما هي إلا طريقة لنجرب من خلالها الأدب والفكر بلغتنا وكلامنا الذي نحكيه في الشارع. مقدمة المترجم/رواية الغريب ص8

    [3] مقدمة المترجم/ رواية الغريب، ص9-10

    [4] Kaplansky, Jonathan. «Outside The Stranger? English Retranslations of Camus’L’Étranger».

    [5] Sarte, Jean-Paul. «An Explication of The Stranger».

    [6] Louis Rey (Cited in Kaplansky).

    [7] تنجّم: تستطيع، يطيّح معايا في القدر: يقلّل من احترامي، فدّيت: تعبت. رواية الغريب ص 78، ترجمة ضياء بوسالمي.

    [8] نفس المصدر ص32.

    [9] رواية الغريب، ص26 ترجمة محمد آيت حنّا

    [10] See Russian Formalism