فرانسيس فوكوياما وسياسات الهوية: حماية الوضع القائم والإصرار على تحريف مسار الإصلاح

الإثنين 15 حزيران 2020
الاقتصادي والمؤلّف والسياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما عام 2013. تصوير بوريس هورفات. أ ف ب. وإلى يساره غلاف كتابه الأخير.

 

كلنا نشعر شعورًا ذاتيًا بأعباء حياتنا الراهنة، نرى أن استمرار نظام هذه الحياة سيؤدي حتميًا إلى هلاكنا، ولكننا في الوقت ذاته، نريد من الظروف التي تنشأ من هذه الحياة (علمنا، فننا، حضارتنا وثقافتنا) أن تبقى كما هي حين تتغير حياتنا.

الأمر أشبه برجلٍ، يعيش في بيتٍ قديم، يعاني من الصقيع ومن مشاكل أخرى، ويعرف كذلك أن البيت على وشك الانهيار، فيوافق على إعادة بنائه ولكن فقط شرط ألا يضطر إلى الخروج منه – وهو شرطٌ في صميمه يساوي رفض إعادة بناء البيت على الإطلاق. «ماذا إن غادرتُ البيت وحرمتُ نفسي من كل راحاته ولم يُبن البيت الجديد أو بُنيَ بناءً مختلفًا وبقيتُ أنا دون الأشياء التي اعتدت عليها؟

ولكن مع وجود مواد البناء والبنائين فإن الاحتمالية هي أن البيت الجديد سيُبنى أفضل من السابق، ناهيك عن أن البيت القديم ليس فقط من المحتمل ولكن من الحتمي أنه سينهار ويسحق أولئك الذين يبقون فيه.

– ليو تولستوي، «ملكوت الله في داخلكم»،
 1894.[1]

في وقتٍ ما في منتصف 2019، أهديتُ صديقًا نسخةً من كتاب بانكاج ميشرا الرائع «عصر الغضب: تاريخٌ للحاضر».[2] مع نهاية 2019، أهداني نفس الصديق نسخةً من كتاب فرانسيس فوكوياما «الهوية: سياسات الهوية المعاصرة والصراع من أجل الاعتراف»،[3] مع إهداء: «الكاتب المثالي ليرافق بانكاج ميشرا!». فيما يخص الهدايا المستفزّة، عليّ الاعتراف أن هذا الكتاب كان مقلبًا رهيبًا من ذاك الصديق الذي، -يا للمفارقة!- كان محقًا جدًا. كان محقًا لأننا حتى نميّز الجيّد من الرديء فعلى الخطأ أن يرافق الصواب، على الظلام أن يرافق النور، وعلى الهراء المحض أن يرافق الفكر الصادق.

من نافلة القول إنني متحيزٌ ضد فوكوياما وسلالته كلها من دجّالي الوضع القائم وصراع الحضارات، مثل برنارد لويس،[4] وصامويل هنتنغتن،[5] المؤلَّه في عالم «الديمقراطية الليبرالية» الخاص بفوكوياما. ومع ذلك، كنت قد مررتُ على مقالات ومقابلات هنا وهناك يبدو فيها فوكوياما كما لو أنّه تراجع قليلًا عن نظرية نهاية التاريخ[6] والرأسمالية. فاعتقدت أن ربما في هذا الكتاب ما هو مفيد.

لكنني، للأسف، كنتُ متفائلًا أكثر مما يجب؛ فالكتاب خليطٌ من نظريات «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات» وعبادة الرأسمالية والعصبية للديمقراطية الليبرالية.

فوكوياما، الغائب (أو المُغيَّب بإخفاقاته) عن الساحة منذ زمنٍ طويل، يحاول العودة كما يبدو، لكن ليس بصفته مفكرًا سياسيًا عقلانيًا (وكأنه كان كذلك!)؛ بل متنكرًا بزي فيلسوف روحاني ومرشد اجتماعي نفسي: عالَمُ سياساتِ الهوية ليس عالمًا اجتماعيًا سياسيًا واقتصاديًا، بل هو عالم الفلسفة المجردة و«الوقائع النفسية» (التي لا أعلم ما هي).

في الفصول الأولى من الكتاب، يحاول فوكوياما التأريخ لمفهوم الهوية المعاصر، متنقّلًا بين أفلاطون ولوثر وكانط وروسو، وبالطبع هيغل. يقرّر الغوص في الروح، لأن التحليل الاقتصادي لدوافع الناس وحوافزهم أو لانعدام المساواة الاجتماعية تحليلٌ ساذج، يؤدي إلى نتائج معكوسة. حسب رأيه، فإن «النفسية الإنسانية أكثر تعقيدًا مما تزعم النظرية الاقتصادية الساذجة»؛ ما يحتاجه العالم، وفقًا له، ليس إصلاحًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا ولكن «نظرية أفضل عن الروح البشرية». وقد توضح الأمثلة التالية فكرته عن نظرية الروح البشرية.

وفقًا لفوكوياما، فإن الناس لا يرغبون بغير الكرامة والاعتراف: «أن تكون فقيرًا يعني أن تكون غيرَ مرئيّ»، و«مذلّة ألا تُرى هي في الغالب أسوأ من نقص الإمكانيّات». لكن، وقبل أن نظنّ جهلًا أن فوكوياما يتعاطف مع الفقراء، علينا أن نعرف أنه يزعم أنهم لا يسعون للثراء من أجل الاحتياجات الأساسية أو بسبب الحرمان المادّي، بل يرغبون في الثراء لأسباب مختلفة، هي الكرامة والاحترام. فوكوياما يحاول ترسيخ فكرته بالعودة إلى آدم سميث، إذ يقتبس منه قوله: «الغرور هو ما يهمّنا، وليس الراحة أو المتعة (…) الرجل الغنيّ يتباهى بثرواته (…) الرجل الفقير، على العكس، يخجل من فقره». الغرور بلغة سميث، أو الكرامة والاحترام بلغة فوكاياما، ليست مجرّد عوامل تحفِّز الناس للسعي نحو تحقيق حالة اقتصادية أفضل، بل هي العوامل المحفّزة الأهم، بأل التعريف.

الأمر ذاته ينطبق على نشاط المجموعات والأقليات المختلفة؛ فالزواج المثلي و«Black Lives Matter» و«MeToo» كلها حراكات ليس لها سوى صلة ضعيفة بالحوافز والمؤثرات الاقتصادية وفق فوكوياما. الاعتراف الذي تريده تلك الحراكات من الأنظمة السياسية لا يعدو كونه اعترافًا يريد تحقيق تلك الكرامة وذاك الاحترام. اعترافٌ تشغله حاجة الظهور في المجتمع؛ حاجة أن تُرى.

إن المشكلة المتكررة عبر هذا الكتاب هي أن فوكوياما يقترب كثيرًا من المغزى ثم يحيدُ عنه حيادًا مدهشًا. فهو مثلًا ينجح في ملاحظته سعيَ تلك الأقليّات للحصول على اعترافٍ من النظام السياسي، إلا أنه يخفق في فهم أو تحليل مغزى هذا السعي وما يترتب عليه. إنّ نيلَ الاعتراف من الأنظمة السياسية (الحكومة بكل سلطاتها)، أمرٌ يترتب عليه توفير وحماية الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لتلك المجموعات. ولكنّ الكرامة الإنسانية في نظر فوكوياما لا تعدو كونها مسابقة في الشعبية: «كل حراك يمثّل فئات كانت إلى ذلك الحين غير مرئيّة ومقموعة، وكل منها كانت تمقت ذلك الاختفاء وتريد الاعتراف الشعبي بقيمتها الذاتية».

ثمة دلالة فاضحة في تركيز فوكوياما على استحضار تحدي لوثر للكنيسة وتحدي روسو للمجتمع، وذلك ضمن تأريخه السطحي لمفهوم الهوية؛ سياسات الهوية إشكالية في حدّ ذاتها من وجهة نظره ليس فقط لأنها تظهر القيمة الذاتية للأفراد، ولكن لأنها أيضًا تهاجم الأنظمة الهرمية القائمة (مثل الكنيسة والمجتمع). كان الناس يعرفون مكانتهم ومواقعهم في المجتمع، يعرفون أدوارهم في القوى العاملة، في البيت، يتزوجون وفقًا للمعايير الاجتماعية السائدة، يعيشون حيواتهم مرتاحين من أي تساؤلات مزعجة حول الهوية والقيمة الذاتية. فكرة الهوية الفردية، التي استذأبت بعد ذلك متحولةً إلى هويات جمعية وثقافية، كانت صدمة للنظام وساهمت في التغيير الذي اجتاح أوروبا.

هل سيكون مفاجئًا إذن أن أقول إن فكرة الدفاع عن النظام، أي نظام «الديمقراطية الليبرالية»، فكرة جوهريّة في كتاب فوكوياما هذا؟ إن جاز لي أن أُفكِّك هذا المصطلح سريعًا، فسأسمّيه: نظام الديمقراطية الليبرالية الحداثية الرأسمالية الأنغلو-بروتستانتية الغربيّة. هذا النظام، حسب فوكوياما، نظامٌ مثاليٌّ مثاليةً تتعالى على كل أشكال النقد.

في كل مناسبة، يحرص فوكوياما على تحريف مسار نقد النظام: انعدام المساواة أمرٌ طبيعيٌّ وضروري، والديمقراطيات الليبرالية ليس باستطاعتها أبدًا أن تحقق المساواة كاملةً؛ الفقراء لا يعانون من نظامٍ مُجحف وكل ما في الأمر أن لديهم رغبة غير عقلانية في نيل الاعتراف؛ الأزمة الاقتصادية العالمية في سنة 2008 والأزمات الاقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي لم تحدث بسبب النظام ولكن بسبب «سياسات النخبة»؛[7] كل السياسيين العنصريين الشموليين والمروّجين للمركزيّات والعصبيّات العرقيّة والقوميّة الذين انتُخبوا لمناصبهم القيادية انتخابًا ديمقراطيًا -في الديمقراطيات الليبرالية-، ليسوا نتيجة هذا النظام الفاسد في ذاته، ولكنهم وصلوا إلى مناصبهم بسبب الأحقاد الدينية والعرقية بين الشعوب.

من الطبيعي إذن أن يُخفق فوكوياما في النظر إلى نظام الديمقراطية الليبرالية بنفس مستوى التحليل التاريخي الناقد الذي نظر به إلى مفهوم الهوية.[8] تعاميه عن النظر في عيوب ذاك النظام يوقعه في تناقضات فجّة؛ إنه يرى بتهديد سياسات الهوية لنظام الديمقراطية الليبرالية الحديث الذي يعدّه نتاجًا عظيمًا للتنوير والحداثة الأوروبية، لكنّه يتجنّب الإقرار بأن مفهوم سياسات الهوية ذاك ما هو إلا نتاج تنويريّ آخر، وهو بهذا يتجاهل حقيقة أن الفكرتين ابنتا حداثة أوروبية واحدة، يستميتُ في الدفاع عنها.

فوكوياما مُخلصٌ لنفسه ولهويّته، ولذلك يفشل في الانتباه لهذا التناقض، أو يتعمّد التغاضي عنه. عوضًا عن إعادة تقييم النظام كاملًا وتحليل كل المفاهيم الناتجة عنه، يُركِّز على جانبٍ واحدٍ فقط: سياسات الهوية، غاضًّا الطرف عن كونها خرجت من ذات المنبع الذي يبجّله. يضعها خارج النظام، ثم يلقي اللوم على النفسية البشرية.

لا يتفادى فوكوياما إعادة تقييم التنوير والحداثة ونظام الديمقراطية الليبرالية فحسب، بل إنه يرفض إعادة تقييم نظريّته عن نهاية التاريخ وإخلاصه للرأسمالية. والطريف في الأمر أنه رغم إخلاصه ذاك -الذي لا يمكن إخطاؤه في الكتاب، يتجنب استخدام كلمة الرأسمالية ومشتقاتها في كتابه تجنّبًا فاضحًا، فلا ترد الكلمة إلا مرّة واحدة فقط.[9]

يستخدم فوكوياما دفاعًا مبتذلًا عن نظرية نهاية التاريخ في مقدّمة الكتاب، قائلًا إن «الناس لم يقرأوا كتابه»، أو فعلوا ذلك لكنهم «لم يفهموا كلامه». إلا أن عدم التراجع هذا عن نظريته لم يقتصر على المقدّمة، فكما ذكرتُ سابقًا: الكتاب كلّه دفاعٌ عن نظرية نهاية التاريخ، ذلك أنه لم يفعل غير أن يحوّر -بشكل مستمرّ- مسار الحديث عن مشاكل نظام الديمقراطية الليبرالية، بتوجيه اتهامه لعوامل خارجة عنه. النظام كامل، أمّا مشكلة الناس، فهي أنهم لا يعرفون كيف يصمتون ويحمدون الله على النعم المتوفرة لهم. الناس في الديمقراطيات الليبرالية الغربية يستهينون بما يمتلكونه، وأي شخص من دولة شمولية قمعية سيُقبِّل يده وجهًا وظهرًا ويمتلئ بالشكر والعرفان، لو تمتع ببعض منافع الديمقراطية الليبرالية!

إنّ النتيجة الحتمية لإخلاص فوكوياما لمفهوم «الديمقراطية الليبرالية» هي إخلاصٌ مطلق للحداثة الغربية بكل ما يكمن فيها من نزعات دفينة للرأسمالية والتمييز والشمولية.

لو شعر القارئ أن الجملة الأخيرة في الفقرة السابقة تبدو من ذلك الكلام المعتاد الذي تردّده على مسامعنا جماعة الحفاظ على الوضع القائم ومجادلات اليمين السياسي، فهذا لأن النتيجة الحتمية لإخلاص فوكوياما لمفهوم «الديمقراطية الليبرالية» هي إخلاصٌ مطلق للحداثة الغربية بكل ما يكمن فيها من نزعات دفينة للرأسمالية والتمييز والشمولية، التي عادةً ما تتجسد في سياسات اليمين. في الواقع، يتبنى فوكوياما الكثير من خطابات اليمين: سياسات الهوية تثير المشاكل في الجامعات؛ الحراك النسوي تقوده نساء ثريّات لا يكترثن لفارق المرتبّات مثلًا، وكل ما يُردنه هو الاحترام والقدرة على تولي مناصب كبرى بصفتهن نساء؛ تضمين أعمال أدبية وفكرية من نساء وأقليات في المناهج الجامعية غير مبني على أهمية وإبداع هذه الأعمال؛ القومية البيضاء في اليمين ظهرت بسبب استفزاز سياسات الهوية التي تمارسها الأقليات الملوّنة في اليسار؛ غزو ما بعد الحداثة للجامعات الأمريكية؛ إلخ. هذا الخطاب معتادٌ ورُدّ عليه ودُحِض بما يكفي، لدرجة أن المرء يتعجب كيف يمكن لأشخاص يزعمون أنهم مفكرون جادون الاستمرار في اجتراره إلى يومنا هذا.

بصفتي مسلمًا عربيًا من شمال أفريقيا، فإنني أجد نفسي مُلزمًا بالتطرق لاستشراق وإسلاموفوبيا فوكوياما. نعم، هذا صحيح، إنها سياسات الهويّة! فوكوياما يتحدث في كتابه عن «الربيع العربي»، وبالرغم من اقترابه الشديد من العبرة، حيث إنه يشير إلى الديكتاتوريات الفاسدة القمعية، إلا أنه -للمرة الألف!- يُخطئ الهدف بأميال ويزعم أن شعوب الربيع العربي كانت مشغولةً فقط بالرغبة النفسية في الكرامة.

الأمر الذي كان يجمع متظاهري الربيع العربي، كما يقول فوكوياما، ليس إلا «حقد سببه إذلالهم وإهمالهم من قِبل حكوماتهم». فوكوياما يقرر ببساطة عجيبة أن إخفاقات الربيع العربي سببها عناد العرب وحسب: «العالم العربي سقط بعد ذلك في الفوضى لأن العرب أنفسهم لم يستطيعوا الاتفاق على نوع نظام الحكم الذي سيحلّ محلّ الديكتاتوريات». الفوضى التي لحقت الربيع العربي لم يكن لأي عوامل أخرى أي أثر في إحداثها، ولا حتى عامل واحد صغير، لا تركة الديكتاتوريات والفساد، لا الأحوال الاقتصادية البائسة، لا التدخل الأجنبي، لا التطرف والإرهاب، لا شيء. كل ما في الأمر أن العرب لا يستطيعون الاتفاق والجلوس حول طاولة واحدة، إلا إن كان فوقها جملٌ مشوي كما يبدو.

وبالطبع، لن ينسى أي مستشرق متعصب أن يتفلسف وينظّر ويذكّرنا مشكورًا أن كل الفوضى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سببها عدم قدرة كل الطوائف الدينية والأعراق المختلفة في المنطقة على التعايش، وأن الإسلام والثقافة الإسلامية يتعارضان تعارضًا داخليًا مع أي شكل من أشكال الديمقراطية. حديث كان سيفخر به برنارد لويس بلا شك!

أما فيما يخص إسلاموفوبيا فوكوياما فهي ليست سرًا، كما لا يحاول إخفاءها. فوكوياما يخلط المسلمين بالإرهابيين المسلمين، يستخدم كلمات مثل «عدد كبير» و«كثيرًا» و«مجموعة ضخمة» ليصف تطرف بعض المسلمين أو انضمامهم إلى جماعات إرهابية، دون أن يوضح ما هو العدد الذي تمثله كلمات «كبير» و«كثير» و«ضخم».

يلمّح فوكوياما مثلًا إلى أن التعاطف الإسلامي مع القضية الفلسطينية العادلة (التي يؤيدها مسلمون ومسيحيون ويهود)، هو بطريقةٍ ما بوابةٌ تقود صاحبها إلى إرهاب القاعدة وداعش وإلى معاداة السامية. يُعيد الكلام المبتذل ذاته حول عدم قدرة المسلمين على الانصهار في المجتمعات الغربية وعدم تطابق ثقافتهم مع القيم الغربية. وبالطبع لا بد أن يلمح هنا وهناك إلى مزاعم مفادها تأكيد احتواء الإسلام على مشاكل داخلية كامنة.

وبينما ينشغل بالإرهاب الإسلامي بصفته شكلًا من أشكال تغوّل سياسات الهوية، لا يذكر ولو مرةً واحدة الإرهاب القومي الأبيض. وهذه ليست مجرد مغالطة من نوع «ماذا عن…»، لأنّ الكتاب يُركّز على القومية والإسلاموية بصفتهما التطرف الأقصى لسياسات الهوية، وبالتالي فإن حذف الإرهاب القومي الأبيض أو التغاضي عنه، يأتي متّسقًا مع تعصبّه الإسلاموفوبيّ.

هذا التحيّز الإسلاموفوبيّ غير مخفي إلى درجة أنه حتى حين يريد نقد دونالد ترامب، يسرد آراءه المسيئة حول اللاتينيين والنساء وتعاطفه مع القوميين البيض، ويتجاهل الإشارة إلى تحيّزه ضدّ المسلمين، رغم أنه لا يضيع فرصة لنقد ترامب. فوكوياما، أيضًا، ينتقد بحدّة سياسة ترامب حول الجدار الحدودي مع المكسيك ويستنكر مواقفه من الهجرة اللاتينية، ولكن سياسته تجاه حظر دخول المسلمين لا تُذكر أبدًا بنفس النبرة الناقدة، بل إن تقييد هجرة المسلمين يشير إليه فقط بصفته مثالًا على نزعات حديثة للتحكم في الهجرة.

أما هجرة المسلمين لأوروبا، فيذكرها بنبرة تثير الخوف والترهيب من هذه الوحوش التي تغزو أوروبا؛ نبرة اعتدناها من اليمين. ولذلك، فإن عدم ذكر فوكوياما مثلًا للإرهاب القومي الأبيض أو عدم نقده لسياسات ترامب وآرائه المسيئة تجاه المسلمين لا يمكن اعتباره مجرد نسيان أو اختلاف في أولويات طرح الأفكار. إنه حذف متعمد في كتاب يدور حول المشكلات المفترضة لسياسات الهوية.

إسلاموفوبيا فوكوياما لا تتوافق مع الآراء اليمينية التي يستضيفها بكل كرم وحسب، بل تتسق أيضًا مع تقديس فوكوياما لصامويل هنتنغتن ونظريته عن صراع الحضارات. المشكلة في سياسات الهوية ليست مطالبتها بالاعتراف بالقيمة المتساوية لمختلف الأفراد والجماعات، وما قد تؤدي إليه من ظهور أفكار «فوقية» و«انغلاقية» تهدد «الديمقراطية الليبرالية»، المشكلة كما يراها فوكوياما هي أن سياسات الهوية تحافظ على الثقافات، الثقافات المختلفة عن الثقافة الوحيدة الحقيقية: الثقافة الغربية الأنغلو-بروتستانتية.

من المعروف أن هنتنغتن قد تخوَّف من التهديد اللاتيني لهذه الثقافة المتسامية في الولايات المتحدة، وانتُقدت عنصريته -نقدًا سليمًا في رأيي-.[10] فوكوياما دافع بالطبع عن معلّمه، ليس بتفكيك آرائه تفكيكًا يقود إلى معنى عقلاني قد ضاع عن بقية الناس، بل بكونه فشلَ في فهم السياق التاريخي وتجاهل متعمّدًا دلالات اللغة. إنه يقول نحن لا نحتاج للهويات العرقية أو الدينية في الثقافة الأنغلو-بروتستانتية، نحن نحتاج فقط لثقافتها هي (العرقية الدينية!)، متجاهلًا التناقض الواقع في لغته التي ترفض الهويات العرقية والدينية ثم تستثني الثقافة الأنغلو-بروتستانتية.

وهكذا، فهو لا يظن أن رأي هنتنغتن، الممجد للثقافة الأنغلو-بروتستانتية، هو رأي عنصريّ، إقصائيّ وإشكاليّ تاريخيًا، أو يتضمن أبعادًا عرقية ودينية. رأي هنتنغتن عند فوكوياما «لا يمكن إنكار حقيقته».

فشل فوكوياما في فهم السياق التاريخي ووقوعه في تناقضات لغوية مشكلةٌ بين عدّة مشكلات متكرّرة في هذا الكتاب. حين ناقش تطور مفهوم سياسات الهوية، ذكر ألمانيا وإيرلندا وأفريقيا الجنوبية بصفتها أمثلةً على بلدان تبنّت مفاهيم دستورية تحفظ الكرامة الإنسانية (وبالتالي أدت إلى ترسيخ وباء سياسات الهوية المشغولة بحب الذات!)، وبالطبع أخفق تمامًا في رؤية السياقات التاريخية للاستعمار والفصل العنصري ومعاداة السامية والإبادة العرقية المرتبطة بتاريخ هذه البلدان، وكيف أن الحماية الدستورية تمثل حمايةً قانونية ضرورية وملزمة لمواجهة هذه الشرور. تأملات فوكوياما التحليلية النفسيّة والفلسفيّة حول الكرامة الإنسانية تتجاهل كليًا النتائج المترتبة على الضمانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لحفظ الكرامة الإنسانية، أي تتجاهل الحقوق والواجبات القانونية الواقعية التي تمثلها مفاهيم الكرامة الإنسانية والحقوق الإنسانية.

هذا الفشل في فهم الواقع هو فشلٌ حتمي حين نتذكر فشله في التعامل مع اللغة. في أول صفحات الكتاب، يحاول فوكوياما الدفاع عن نظريته «نهاية التاريخ»، فيذكر أنها لم تكن عن «انتهاء» التاريخ، وإنما كانت عن تحديد «هدف»، ويخفق في رؤية أن الأمرين يعنيان الشيء نفسه: إذا وضعت هدفًا للمجتمع المثالي كما تراه فهذا يعني أنك فعليًا قد أنهيت أي محاولة أخرى لتحديد المجتمع المثالي.

فلنأخذ مثالًا آخر يوضح تناقضات استخدام اللغة عند فوكوياما. سياسات الهوية قد تؤدي إلى أفكار متطرفة مثل القومية، إذن، الحل هو خلق هوية قومية. نعم، لقد قرأت ذلك قراءةً سليمة، حل فوكوياما للقومية هو القومية، وحلّه لسياسات الهوية هو سياسات الهوية. قد تقولون إن هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، من غير المعقول أن يكون لديه تناقضٌ متهافت مثل هذا! ربما أنتم مُحقون، ربما أنا أختلق كل هذا. دعونا نُلقي نظرةً على أهداف فوكوياما، نرى ما يريده، ربما يمكننا التوصل إلى نظرية أفضل لفهمه.

يريد فوكوياما حماية وترويج نظام الديمقراطية الليبرالية. هذا يعني أنه لا يريد حكومات مُحتالة تعدُ المواطنين وعودًا فارغة فلا يحظَون «باحترامٍ متساوٍ لا من قِبل حكوماتهم ولا مِن قِبل المواطنين الآخرين». فوكوياما لا يريد بلادًا سلطوية تستخدم «السياسات العامة لتفرض الانخراط في المجتمع على القادمين الجدد فرضًا متعمدًا». لا يريد بلادًا لديها عقدة فوقية ترى أن ثقافتها القومية «يجب أن تكون لها مكانة أعلى [من غيرها]». لا يريد بلادًا شمولية لديها «نظام من المدارس العامة التي تُدرِّس منهجًا واحدًا معتمدًا». لا يريد بلادًا فيها إنسانية عالمية مزيفة، تعترف على مضض أن الحقوق الإنسانية الأساسية عالمية، ولكنها تعتبر نيل هذه الحقوق حقًا خاصًا و«مكافأةً على العضوية في مجتمعٍ قومي». لا يريد مجتمعًا يكون فيه التعاطف والإحسان ودعم اللاجئين «مقيد بالاعتبارات السياسية». فوكوياما لا يريد… أوه، آسف، يبدو أنني خلطتُ ملاحظاتي، فوكوياما يريد كل ما سبق. في الواقع، الكلام المقتبس أعلاه يأتي من الفصل الأخير الذي يصف فيه نسخته الشخصية من اليوتوبيا ويقترح حلولًا لمشاكل العالم، فصل يأتي تحت العنوان المفزع: «ما الذي يجب فعله؟».

ليس مبالغة أن نقول إنّ حلّ فوكوياما لسياسات الهوية والقومية هو سياسات الهوية والقومية. المشكلة، من وجهة نظر فوكوياما، هي أن ثمة الكثير من الهويات في المجتمع ولذلك علينا خلق هوية قومية أكبر. الإشكال هنا أن فشل فوكوياما في رؤية عيوب نظامه، يعني أن هذه الهوية القومية المقترحة سوف تتضمن كل شيء سيئ يتغافل عنه فوكوياما في نظام الديمقراطية الليبرالية: الفوقية الغربية، الثقافة الأنغلو-بروتستانتية العرقية الدينية، إقصاء أي ثقافة أخرى لا تتلاءم مع نظام «الديمقراطية الليبرالية» الفوكويامي، استبعاد صراعات الأقلية بصفتها مجرد عدم رضا ورغبات شخصية في الاعتراف، الانتقاص من الحراكات الاجتماعية العادلة ودعوات التغيير (مثل توهمه بأن مارتن لوثر كينغ جونيور وحراك الحقوق المدنية في الولايات المتحدة المناهض للعنصرية لم يرغب فعلًا في أي تغييرات دستورية)، تقييد المساواة الذي يكاد يكون نفيًا لها، العنصرية، الإسلاموفوبيا، الاستشراق، معادة السامية، كره النساء، التعامي المتعمد عن التاريخ واللغة، التساهل مع القومية البيضاء والانبطاح التام والخضوع للنظام لأن الحرية الفردية خطيرة، ففي النهاية «أدولف هتلر [انتهى به الأمر] وهو لم يفعل شيئًا سوى أنه اتبع نجمه الداخلي، مثلما يُشجَّع الكثير من طلاب الجامعات على أن يفعلوا». (نعم، هذا اقتباس حقيقي، من الصفحة 98 طبعة 2019 إصدار Profile Books، الحرية الفردية هي هتلر!).

علاوةً على كلّ شيء، فإنّ أهم رسالة في الكتاب هي: الحرص على تحريف مسار أي إصلاح حقيقي سياسي واجتماعي واقتصادي وإبعاده عن النظام والوضع القائم.

أود أن أنهي مناقشتي لآراء فوكوياما في هذا الكتاب باقتباسٍ أظنه يُلخص الكتاب تلخيصًا ممتازًا: «من الأسهل لنا أن نتحدث عن الاحترام والكرامة، من أن نأتي بمخططات قد تكون مُكلفة ولكن من شأنها أن تُخفف عدم المساواة تخفيفًا ملموسًا». لم أخلط ملاحظاتي هذه المرة، هذا اقتباسٌ من فوكوياما نفسه وهو ينتقد سياسات الهوية، دون أن ينتبه للمفارقة الساخرة العظيمة في كتابته لهذه الجملة في هذا الكتاب، الذي هو درسٌ في كيفية تفادي الحديث عن الإصلاح الحقيقي عن طريق الحديث عن الاحترام والكرامة، «درس» طبعًا إن اعتبرنا أن الفكر الزائف بمقدوره أن يعلمنا شيئًا ما.

فوكوياما، بهذه الأفكار التي تبرر وترسخ الوضع القائم، هو أحد المسؤولين مسؤوليةً مباشرة عن وضع العالم اليوم، وكعادة الصدمات العالمية القوية في فضح العيوب والفساد الداخلي، نرى اليوم كيف فضحت جائحة الكورونا كل الفساد والتعفن الداخلي في نظام الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية الأجوف. ولم يأتِ هذا الانهيار والانغلاق العالمي بسبب مشاعر الناس والرغبة في الكرامة، أو بسبب أحقاد نفسية ومشاكل حضارية ورغبة في الظهور، لقد جاء بسبب إصرار المفكرين الزائفين أمثال فوكوياما على تلميع وتلوين هذا النظام العالمي الرأسمالي الليبرالي من الخارج، لإخفاء كل التعفن والخواء في الداخل. إن إصرارهم على تفادي أي حديث عن إصلاح حقيقي، هو إصرار ما زال مستمرًا إلى اليوم، في خطابات مثل تلك التي تلقي بالمسؤولية الأساسية على المواطنين، أو حتى الخطابات التي تمجد تضحيات العاملين والعاملات في القطاع الصحي، وتتجاهل واقع أن هذه التضحيات لا داعي لها لو كانت سياسات دول الديمقراطية الليبرالية أكثر عناية بالقطاع الصحي.

فوكوياما، وجوقة الوضع القائم، يستمرون في التغني بأمجاد هذه الأنظمة، يغنون لتشتيت انتباهنا عن الاهتراء والفساد، يغنّون لإقناعنا بأن المشكلة تكمن فينا نحن لا في النظام، المشكلة في نفسياتنا، مشاعرنا، ثقافاتنا، دياناتنا، أعراقنا، في كل شيء فينا. أما الوضع القائم، فهو في غاية الكمال، وليس علينا سوى التضرع بالحمد والعرفان.

بعد تنهيدةٍ عميقة، أقول إنني قد أكون انتهيت من مناقشتي لنظرية فوكوياما حول سياسات الهوية في الكتاب (أي نظريته حول نهاية التاريخ، لكن بعد إعادة تدويرها!)، ولكنني لم أنتهِ منه هو.

فوكوياما خادمٌ مُطيعٌ للنظام، حارسٌ حجري للوضع القائم، بوابٌ قديم للمؤسسة، مُشجعٌ متعصب للحضارة الغربية، موظف تسويق وفيّ، يعمل أكثر من ساعات الدوام وفي عطلات نهاية الأسبوع لتلميع الرأسمالية الليبرالية.

طوال قراءتي لهذا الكتاب، كنت أغلقه عدة مرات لأقرأ المدح المكتوب على الغلاف مندهشًا؛ كتاب من الأفضل مبيعًا عالميًا، الكتاب السياسي للعام، «واسعٌ وطموح»، «هذا ليس كتابًا يمكن تجاهله»، «ذكي»، كتاب العام لصحيفة فاينانشال تايمز. في الواقع، أظن أن هذا المدح الأخير ربما يفسر الأمر: فوكوياما خادمٌ مُطيعٌ للنظام، حارسٌ حجري للوضع القائم، بوابٌ قديم للمؤسسة، مُشجعٌ متعصب للحضارة الغربية، موظف تسويق وفيّ، يعمل أكثر من ساعات الدوام وفي عطلات نهاية الأسبوع لتلميع الرأسمالية الليبرالية. يمكنني المتابعة في هذه الأوصاف (بمتعة بالغة!) ولكن أعود وأقول إن هذا قد يفسر سبب رسوخ فوكوياما في ثغور النظام بصفته جنديًا مفكرًا. إن هذا الرسوخ الفكري يحتاج جدًا لتفسير.

إخفاقات فوكوياما بصفته مفكرًا كثيرة كثرة إخفاقاته بصفته إنسانيًّا أو منظرًا سياسيًا. لقد ذكرتُ أعلاه بعض تناقضاته وفشله في فهم دلالات اللغة وعماه عن الواقع وعن السياق التاريخي، وتطرقتُ كذلك إلى بعض أمثلة لتزويره الواقع. هذا التزوير يبدو أحيانًا نابعًا من الجهل ومن موهبته الكبيرة في إخطاء الهدف (وهي خطايا فكرية، مهما رأيناها أخطاءً بريئة)، ولكن في أحيان أخرى نجده أبعد ما يكون عن الجهل. إنه تزوير فكري مع سبق الإصرار والترصد (مثل استبعاده للدوافع الاقتصادية، وتفاديه لعيوب نظام الديمقراطية الليبرالية، ونزعاته الإسلاموفوبية، إلخ).

يرتكب فوكوياما كذلك خطيئتين فكريتين أمقتهما جدًا. الخطيئة الأولى هي تفادي الالتزام بآراءٍ معينة. إنه يحاول أن يُخفي آراءه الحقيقية بالاستشهاد بآراء وحجج الآخرين، فيصيبنا بالحنق ونحن نحاول التمييز بين ما يقوله هو وما ينقله عن آخرين. في النهاية، يفضح قناعاته الحقيقية، إما بتبني بعض الآراء مباشرةً أو بالتساهل معها وتبرير رأي على حساب آخر. الأمر ليس مجرد ترجيح بين عدة آراء عقلانية، ولسوق مثال على ذلك؛ نجد هذا الأمر في إصراره على نقد القومية البيضاء، بينما يتبنى في ذات الوقت الكثير من الآراء اليمنية التي تدعم سرديات القومية البيضاء؛ مثل الحديث عن ظهور التطرف القومي الأبيض كردة فعل من ضحايا مساكين اضطهدتهم واستفزتهم سياسات هوية الأقليات، واقتراح خلق هوية قومية مبنية على نفس القيم الأنغلو-بروتستانتية التي تتبناها القومية البيضاء!

الخطيئة الثانية هي التنبيهات، القيود والشروط، أشياء مثل: لقد قلت إن هذا الأمر مقيد وفق كذا وكذا، لقد أشرت إلى أنه لا يمكن إنكار كذا، لقد اعترفت بأن ثمة حقيقة في كذا؛ تنبيهات لانهائية منثورة عبر الكتاب، تنبيهات غير مُقْنِعة، مجرد «مخارج طوارئ» تسمح له بالهرب سريعًا من أي نقد. هذا تكتيك يستخدمه مفكرون زائفون كثيرون، وهو لا يعدو كونه جُبنًا فكريًا. القيود والتنبيهات ضرورية فعلًا (على سبيل المثال، هذا قيد وظيفته تفادي التعميم على كل التنبيهات)، ولكن هناك فرقٌ كبير بين القيود والشروط الحقيقية، التي تهدف إلى تعريف وتأطير مسائل مختلفة والالتزام بسياق معين، وبين الشروط والتنبيهات الزائفة التي تهدف فقط إلى تقليل المسؤولية وتفادي المحاسبة. النوع الأول من الشروط يمثل تحليلًا فكريًا نزيهًا لمسألة معينة يأخذ بعين الاعتبار ضرورة الفصل بين المسائل المتشابهة وتحديد مقدمات الكلام والنتائج التي تترتب عليها، بينما النوع الثاني هو مجرد جملة إضافية يضعها جبانٌ ما في نهاية فقرة أو فكرة ليتهرّب من المسؤولية. هذا الجُبن الفكري ينطبق كذلك على الخطيئة الأولى المذكورة آنفًا، ويجب أن أكرر: إنني أمقت هذا الجُبن بكل روحي غير العقلانية الراغبة في الكرامة.

هذه بالفعل أوقات مظلمة إن كان الفكر الفاشل المحتال الجبان يُرى على أنه ذكي وحكيم وطموح. رؤيا ديستوبية لعالمٍ تكون فيه «الكتب الأفضل مبيعًا» و«كتب العام» قد ألفها شخص مثل فوكوياما، مفكر زائف أفكاره ونظرياته الميتة (التي لا زال يحاول إعادة بعثها) لا مضمون حقيقي فيها؛ رؤيا تهيمن عليها الطاعة العمياء لنظام الوضع القائم.

قراءة هذا الكتاب جعلتني أدرك أن ثمة خطرًا حقيقيًا يهدد بالفعل هويةً ثقافية، الهوية الثقافية لمجموعة حراس الوضع القائم الذين يعانون من نقص حاد في التعاطف والشجاعة والنزاهة، والذين لا يريدون مغادرة البيت الذي ينهار فوق رؤوسهم ولا يريدون لأحد أن يغادره.

فوكوياما ينتمي لهذه المجموعة، وهذا الكتاب محاولة منه لنيل الاعتراف بمجموعته وجعلها عظيمة من جديد، ولكن لعل ما يحدث في العالم اليوم يُسقط البيت فوق رؤوسهم جميعًا وأظن أننا لن نحزن أو نتردد في سحب أنفسنا من تحت الأنقاض وتركهم تحتها.

  • الهوامش

    * كل الاقتباسات بين علامات تنصيص مأخوذة من كتاب فوكوياما، بما في ذلك اقتباس آدم سميث الذي نقله فوكوياما، وهي من ترجمة كاتب المقال.

    [1] Tolstoy, L. (1960), The Kingdom of God and Peace Essays, Tr: Aylmer Maude. Oxford University Press: London.

    [2] Mishra, P. (2018), Age of Anger: A History of The Present, Penguin: London.

    [3] Fukuyama, F. (2019), Identity: Contemporary Identity Politics and the Struggle for Recognition: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment. Profile Books: London.

    [4]  برنارد لويس (1916 – 2018) مستشرق بريطاني-أمريكي ساهم في ترسيخ العديد من الصور النمطية السلبية (الإسلاموفوبية) عن الإسلام والمسلمين. خطورة أعماله وأفكاره (التي انتُقدت كثيرًا) لم تتمثل فقط في عمله الأكاديمي، ولكن أيضًا في عمله مستشارًا لعدة حكومات وتأثيره على سياسات الدول في كيفية التعامل مع الشرق الأوسط والعالم الإسلامي (مثل دعمه لحكومة بوش الأمريكية في حرب العراق).

    [5]  صامويل هنتنغتن (1927 – 2008) عالم سياسي أمريكي، تعتبر نظريته «صراع الحضارات» أشهر أعماله، وهي نظرية تقول إن الصراعات المستقبلية (بعد الحرب الباردة) ستكون بين ثقافات وليس بين دول، وقد جعل «التطرف الإسلامي» الخطر الأكبر الذي يهدد السلام العالمي. هو الآخر تمثلت خطورة أفكاره ونظرياته في واقع أنه كان أيضًا يعمل مستشارًا للحكومات ويؤثر في سياسات الدول.

    [6] نهاية التاريخ عند فوكوياما فكرة فلسفية سياسية تقول إن المنظومة الديمقراطية الليبرالية الغربية -التي وصل لها العالم الغربي بعد الحرب الباردة- تمثّل نهاية التطور الأيديولوجي البشري والشكل النهائي لنظام الحياة. نظام الديمقراطية الليبرالية الذي يقصده فوكوياما هو النظام الغربي: اليميني المحافظ (سياسيًا) الرأسمالي (اقتصاديًا) الليبرالي (اجتماعيًا). ولذلك دعا لتعميم هذا النظام ونشره في دول العالم ولو كان ذلك بالحرب (مثل فكرة تصدير الولايات المتحدة للديمقراطية للعراق وأفغانستان). جدير بالذكر أن هنتنغتن كتب نظريته عن «صراع الحضارات» متجاوبًا مع كلام فوكوياما عن نهاية التاريخ، حيث يتفق هنتنغتن مع فوكوياما في أن الصراع الأيديولوجي حول الأنظمة العالمية قد انتهى (بلغ نهاية التطور البشري!) ولكن الصراع العالمي سوف يستمر ثقافيًا بسبب الثقافات التي ترفض هذا «التطور».

    [7]  فكرة «سياسات النخبة» فكرة تقول بسيطرة نخبة قليلة (في الأغلب نخبة اقتصادية ثرية) على مقادير الحكم، وسيطرتهم هذه مستقلة عن المؤثرات الاجتماعية والعملية الديمقراطية (فكرة شبيهة بفكرة سيطرة اللوبيات على الانتخابات، أو توجيه الإعلام، إلخ). الإشكالية المضحكة هنا، في استخدام فوكوياما لهذه الفكرة، هي عدم إدراكه لواقع دعمه لسياسات نخبوية لفئة ليبرالية يمينية رأسمالية.

    [8] وعلى سبيل الإشارة لمجهود تحليلي ممتاز للعيوب الكامنة في الأنظمة الحديثة التي نتجت من التنوير والحداثة الأوروبية يُنصح (وبشدة!) بقراءة كتاب بانكاج ميشرا «عصر الغضب»، فهو مثالٌ رائع على الفكر الواقعي الصريح، وليس مجرد هراء غير نزيه ومتهافت يُسمى باطلًا: فكرًا.

    [9] «مع انهيار الاتحاد السوفييتي في سنة 1991 وتحوّل الصين إلى اقتصاد السوق بعد 1978، تهاوى اليسار الماركسي على نحوٍ كبير، وأُرغِم الديمقراطيون الاشتراكيون على التصالح مع الرأسمالية». الفصل 11.

    [10] للاطلاع على كلام هنتنغتن انظر/ي كتابه الأخير Who Are We? The Challenges to America’s National Identity (2004). هنتنغتن اعتبر في كتابه أن تعدد اللغات والثقافات والديانات تهديدٌ للهوية القومية الأمريكية (التي يرى أنها ناشئة من الثقافة الأنغلو-بروتستانتية)، وهاجم الهجرة والمهاجرين كثيرًا، جاعلًا الهجرة اللاتينية (من المكسيك) الخطر الأكبر على الهوية القومية الأمريكية. للاطلاع على نقد لكلام هنتنغتن انظر/ي مقالة Culture Clash? Contesting Notions of American Identity and the Effects of Latin American Immigration. Luis R. Fraga and Gary M. Segura المقالة ناقشت افتراضات ومزاعم هنتنغتن حول تحديد الهوية القومية الأمريكية وانتقدت نتائجه حول المخاطر والتهديدات لهذه الهوية (مع التركيز على انتقاد آرائه المتعصبة ضد الهجرة اللاتينية/المكسيكية).