حبر تراجع البوكر

«عُطارد»: نزهة في الجحيم

الثلاثاء 26 نيسان 2016
محمد ربيع عطارد

(تنشر حبر تباعًا مراجعات للروايات الست التي وصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، والتي سيعلن عن الفائز بها في ٢٦ نيسان).

«ربما سنرى العالم مختلفًا إذا تأكدنا أننا خالدون في الجحيم»
– القديس، عُطارد.

كابوسٌ لا تُريد له أن ينتهي حتى مع آخر صفحات الرواية، يعيش معك ويُطاردك. هذا هو الوصف الذي تملّكني وأنا أقرأ رواية «عُطارد» للروائي المصري محمد ربيع، والتي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة «البوكر». اليوم، وبعد قراءتي لبعض الروايات التي وصلت للقائمة القصيرة، ومروري السريع على ما تبقى منها، أستطيع القول أن هذا العمل كان يستحق دون شك أن يصل إلى القائمة القصيرة ولعله يتجاوزها للفوز بالجائزة أيضًا.

الرواية لا ينقصها الإبداع في أي وجه من أوجهها؛ السرد السلس على الرغم من دموية الأحداث التي تصل إلى حد القرف أحيانًا، والشخوص المتماسكة، والتنقل بين الأزمنة بصورة شيّقة وغير تقليدية، والتنقل بين الأصوات في فصول الرواية بشكلٍ معتنى به ومقصود.

تسير الراوية في زمنين مختلفين، تبدأ في العام 2025، ثم تقفز دون سابق إنذار إلى مصر الثورة في العام 2011، ويظل الكاتب يراوح بين الزمنين، ينتقل من واحدٍ لآخر حتى يربط الأحداث وتتباعها في عقل القارئ بتسلسل وهمي لا يُدركه إلا من قرأ الرواية واستطاع صبرًا أن يكملها مع كل الألم الذي تزرعه فينا.

في الرواية، لا يوجد ضحية وجلاد، فكلاهما جلادٌ وضحية، يتشابهان بالصفات ويتبادلان الأدوار.

يطرأ زمن ثالث قديم في منتصف الراوية، يظهر في فصلٍ واحد فقط ثم يختفي، فيبدو مُقحمًا لا داعي له. لكن ما أن تمضي أكثر في القراءة حتى تكتشف أن الانتقال إلى العام عام 455 هـ  لسرد قصة موت «صخر الخزرجي» وقيامته ما هو إلا نافذة القارئ لربط الأفكار الرئيسية في الرواية: «القيامة»، و«الغيب»، و«الجحيم» و«الجنة».

تدفعك أحداث الرواية رغمًا عنك لطرح تساؤلات لا إجابة لها لكنها حاضرة بعنف: هل ما نعيشه اليوم هو الجحيم؟ ما هي القيامة والجنة والنار؟ أينهم كلهم؟ ومَن هو المسؤول عن إرسال الناس إلى الجنة أو إبقائهم في هذا الجحيم؟ مَن هو الذي يُقرر من يستحق ومن لا يستحق؟

ينقل لنا محمد ربيع تداعيات الثورة المصرية وينقلنا إليها، وعلى الرغم من أنه يباشر روايته من «الغيب» ليروي ما يحدث في القاهرة في العام 2025، إلا أن الخراب الذي تشهده مصر اليوم نراه حاضرًا بصورة مضخمة ومؤلمة. يبدو وكأنه يعيش من كابوس إلى آخر، وراوي الكابوس وصاحبه هو «عُطارد»، ضابط الشرطة وصاحب التحولات في الرواية، ومُختزل فكرة «الخلاص» فيها.

يُبدع ربيع في استخدام صوت الراوي (المتكلم)، إلا أنه ينتقل في أحيانٍ أخرى ليستخدم صوت الراوي العليم (الواصف)، وفي كلتا الحالتين ينجح في الإمساك بالقارئ والاحتفاظ به حتى النهاية رغم ضآلة الحوارات. أما الوصف؛ فيبحر فيه ربيع بإغراقٍ لا غنى عنه ولا ملل فيه. يصف الحيّز الذي تدور فيه الأحداث باختلاف الأزمنة، ويصف الأبطال من الداخل والخارج، وكأنه يُخيط أبطال روايته بشكل مُحكم.

«عُطارد» ليس الشخصية المحوريّة الوحيدة في الرواية، على الرغم من أنه بطلها. فهناك أيضًا «زهرة» التي تربط الأحداث بين الزمنين وتنتقل عبرهما لتكمل لعُطارد خيوط الحكاية. هي خطٌ وهميٌ آخر يملأ الفراغ بين الزمنين؛ طفلة يتيمة مصابة بمرض نادرٍ لا يقلُّ غرابة عن كل أحداث الرواية، تبحث في البُعد الزمني الأول عن والدها في ثلاجات الموتى، ثم تختفي ملامحها لتصبح كتلة لحميةً لا شكل لها ولا حواس. وتستمر في البُعد الزمني الثاني؛ شابة بذات الملامح المنصهرة، لكنها حتمًا تعلم ما لا يعلمه كثيرون، فتصبح عين عُطارد: «الحياة الحقيقية غائبة، لكننا ما نزال في هذا العالم» كما يقول الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفانس.

«القديس» و«فريدة» هما أيضًا من الشخصيات المحورية، وإن كانت بشكل أكثر ثانوية، لكنهما أحد الخطوط التي تصل بين الزمنين. أما باقي الشخصيات الثانوية، فلم تكن فائضة؛ كل شخصيّة كان لها دورها المؤثر والمهم، ولا يمكنك تخيّل الرواية دون وجود أي منها.

في آخر صفحة للرواية، يقول محمد ربيع أنه من بين ما تأثر به من كتبٍ أثناء كتابته الرواية كان «من عاش بعد الموت» لابن أبي الدنيا. وهو كتابٌ يروي قصصًا عن أشخاص بُعثوا بعد الموت، إما لحكمة ما أو بسبب دعاء مليء باليقين. لكنني لم أتمالك نفسي أن أعود بالذاكرة إلى كتابٍ كنت قرأته منذ مدة لإيمانويل ليفانس هو «الزمان والآخر»، يقول فيه «تنبعث الحياة اليومية البعيدة كل البعد عن أن تكون سقوطًا أو خيانةً لمصيرنا الميتافيزيقي من عزلتنا، وتشكل اكتمالًا لها ومحاولةً يائسة للنهوض من بؤسنا الدفين. إنّ الحياة اليومية انهمامٌ بالخلاص». وهذه الرواية هي حتمًا انهمامٌ بالخلاص من جحيم ما.

في الرواية، لا يوجد ضحية وجلاد، فكلاهما جلادٌ وضحية، يتشابهان بالصفات ويتبادلان الأدوار. ويتلذذان بالألم والقتل وجلد الذات والآخر، فيصبح كلاهما سادة العالم وعبيده في نفس الوقت، وتعيش كل شخصية في عزلتها الخاصة، المليئة بالكوابيس الدامية والمنحرفة أيضًا. فكل ألم يقود إلى كابوس جديد، وكل كابوس يقود إلى جريمة وحشيّة، وكل جريمة تتحول إلى لذّة، وكل لذة تسيطر على صاحبها لتصبح إدمانًا؛ يقوده في نهاية المطاف إلى الجحيم.