الحرب الأهلية الإسبانية: كيف نقرأها، ولماذا الآن؟

الثلاثاء 01 آب 2017

«لن يمرّوا». في كلّ مرة أسمع فيها هذه الجملة فإن ذهني، ومن دون قرارٍ واعٍ منّي، يفكّر في أنها قيلت أولًا في حصار بيروت العام 1982. وأفكر أنه يمكن لي أن أقرأها اليوم على جدران مدرسة في شوارع الشجاعيّة في غزّة، أو على حائطٍ صامدٍ لمستشفى توقف عن العمل في حلب قبل دخول قوات النظام لها، أو على سور مسجدٍ نجا من تدمير قوات التحالف له في صنعاء.

لكنني اكتشفت لاحقًا أن العبارة التي تبدو اليوم عربيّةً، ومفرطة في عربيّتها، قد استُعْمِلتْ، قبل أن يستعملها فدائيون محاصرون في بيروت، من قِبل المدافعين عن مدريد في الحرب الأهلية الإسبانية. لن يمرّوا، أو «نو باساران» هكذا هتفت البرلمانية الإسبانية دولوريس إيباروري، يوم التاسع عشر من تموز 1936، في خطابٍ أمام الصحافة في مدريد معلنةً فيه موقف حزبها من إعلان الجنرال فرانكو الحرب على الجمهورية.

وبعد أسابيع على ذلك الخطاب التاريخي، تحرّكت القوات الفاشية باتجاه مدريد، وارتكبت في طريقها نحو عاصمة الجمهورية العديد من المجازر، ناشرة الرعب والذعر في صفوف أنصار الجمهورية.

لدى وصول هذه القوات إلى مدريد كان الوضع داخل المدينة المحاصرة على النحو التالي: الحكومة الشرعية تنقل العاصمة إلى فالنسيا خشية وقوع العاصمة بيد الفاشية، الذعر ينتاب الجميع، الصحافة العالمية تتحدّث عن سقوط العاصمة خلال ساعات، حكومات بعض دول العالم تهنئ الجنرال فرانكو بتحقيقه النصر، حتى قبل وصوله المدينة. لكن في مقابل كلّ هذا اجتاحت المدينة رغبة في الصمود. ربما لأن المدينة كانت قد أصبحت مكوّنة من خليط من اللاجئين الذين دمّر فرانكو مدنهم وقراهم فملّوا الفرار. وربما بسبب سلوك بعض القيادات التي كانت تنتقل من شارع إلى شارع تحث الناس على الدفاع عن مدينتهم. المهم أن قرارًا بالدفاع عن المدينة قد اتخذ، وتسلّح العمال والفلاحون ببنادق الصيد والعصي وكل ما أمكن تحويله سلاحًا. وباتت العبارات التي تحثّ على القتال منتشرة جدًا، وكان من بينها: في [مدينة] بطليوس قتل [الفاشيّون] ألفين، إن سقطت مدريد فسيقتلون نصف سكان المدينة»، وفي تلك الأيّام المجيدة استعاد الناس عبارتي دولوريس الشهيرتين: «أن تموت على قدميك خير من أن تعيش على ركبتيك»، ومقولتها الأثيرة التي كتبت على يافطات ملأت المدينة، وهي: «لن يمرّوا». لتصمد المدينة في وجه الغزاة.

بالطبع كان لعوامل أخرى دور حاسم، من بينها تأخر هجوم فرانكو على المدينة، وكذلك وصول الأسلحة السوفيتية إلى الجمهوريين، وكذلك وصول المتطوعين الدوليين، لكن بعض مؤرّخي الحرب يحلو لهم التركيز جدًا على مركزية دور سكان المدينة في الدفاع عنها، وهذا ما اخترت أن أقتنع به.

تلخيص مخلّ للحرب الأهليّة الإسبانيّة

في أقل عدد ممكن من السطور سأقوم بتلخيص الحرب الأهليّة الإسبانيّة، ولكن بالطبع يمكن العودة إلى مصادر سهلة ومتاحة، للتعرّف على أحداث هذه الحرب التي سينتج عنها مقتل أكثر من نصف مليون إنسان خلال أقل من ثلاث سنوات. مع ضرورة التأكيد أن أي تلخيص لهذه الحرب إنما هو تلخيص مخلّ على اعتبار أنها كانت حربًا شديدة التعقيد.

في الرابع عشر من نيسان من العام 1931 تم إعلان الجمهورية في إسبانيا، ونفي الملك ألفونسو الثالث عشر إلى الخارج،  لتعرف إسبانيا ما سيسمّى الجمهورية الثانية، والتي ستكون نهايتها مع نهاية الحرب الأهلية.

عاشت الجمهورية الإسبانية الوليدة مصاعب عدّة، نتيجة الكثير من العوامل، من بينها الانقسام السياسي الحاد، واضطراب العلاقة بين الحكومة الشرعية والجيش، وكذلك العلاقة بينها وبين الكنيسة. على اعتبار أن هاتين الفئتين كانتا من الفئات التي تضرّرت من القوانين التي سنّتها الجمهورية الوليدة. وفي شباط من العام 1936 شهدت إسبانيا آخر انتخابات في حياتها القصيرة، ونجحت في هذه الانتخابات الجبهة الشعبيّة، وهي ائتلاف مكوّن من عدد من الأحزاب اليسارية والقوى الجمهورية، وهو الأمر الذي لم يعجب بالطبع القوى اليمينيّة في البلاد، فساد إثر الانتخابات العنف في البلاد، إضافةً إلى حالةٍ عامّةٍ من عدم الاستقرار. وفي آذار من العام نفسه سيجتمع عدد من ضباط الجيش المناهضين لليسار وسيتقرر في هذا الاجتماع أن تبدأ «انتفاضة لإعادة فرض النظام في المناطق الداخلية فضلًا عن إعادة إرساء هيبة إسبانيا الدوليّة»، وفي صباح الثامن عشر من تموز يعلن فرانكو الحرب، وينطلق بقوّاته التي كان عمادها الفيلق الأفريقي قادمًا من المغرب. حيث كان يقود الحامية الإسبانية هناك.

ومنذ ذلك اليوم ستكون الحرب أساسًا بين جهتين: الجمهوريين، وهم الموالون للحكومة الإسبانية الشرعية ويتكونون من قوى وميلشيات متعددةٍ، إضافةً إلى قوّاتٍ من الجيش الإسبانيّ، رفضت الحركة الانقلابية لفرانكو ورفاقه، وكذلك ما سيطلق عليه الفيلق الدولي وهم متطوّعون من أنحاء العالم قرّروا المشاركة في القتال إلى جوار الجمهوريين «دفاعًا عن الديمقراطية ورفضًا للفاشية». والمتمرّدون أو القوميّون، الذين سنطلق عليهم في هذا النص اسم الفاشيين، وكانوا عبارةً عن تحالف من العسكر الانقلابيين والأحزاب اليمينيّة الذين ستدعمهم مع بداية التمرّد العسكري الكنيسة الكاثوليكية. وسيدعم الاتحاد السوفيتي الجمهورية فيما سيتلقى الفاشيّون دعمًا غير محدود من ألمانيا النازية وإيطاليا موسوليني وكذلك من ديكتاتور البرتغال أنطونيو سالازار[1]، على شكل عشرات الآلاف من الجنود المدرّبين إضافةً إلى كميّةٍ هائلةٍ من العتاد. فيما ستلتزم كل من بريطانيا وفرنسا، مبدأ عدم التدخل تحت ذريعة عدم منح ألمانيا الهتلرية مبرّرات لإشعال فتيل حرب عالمية جديدة.

وفي الوقت الذي تمكّن فيه فرانكو من القضاء على خصومه ومنافسيه في القوات الفاشية، وتمكن كذلك من خلق حالةٍ من الانضباط داخل جيشه، فإن الجمهورية عجزت عن فعل أمر مشابه، نتيجة العديد من الأسباب التي يمكن عزو جزء منها إلى ضعف الحكومة الجمهورية، وانعدام الخبرة لدى الفلاحين والعمال الذين انتسبوا إلى قوّاتها والميليشيات المتحالفة معها، وربما يمكن القول أن الأجواء الثورية التي سادت المعسكر الجمهوري قد قادت بشكل أو بآخر للتقليل من مستوى الانضباط في قوات الجمهورية. وعن لحظة انفجار الحرب الأهلية يقول خوليان كازانوفا مؤلف كتاب «الحرب الأهلية الإسبانية»: «أصبحت حكومة الجمهورية التي كانت تسيطر من حيث المبدأ على أراضٍ أكبر وموارد اقتصادية أكثر، وسلطتها تغطي أهم المدن وأكثرها اكتظاظًا بالسكان، من دون قوات عسكرية وغير قادرة على فرض الانضباط على الميليشيات الثورية التي نشأت مكان الجيش. أما المتمردون العسكريون، من ناحية أخرى، فكان لديهم جيش أفريقيا الذي كان بوسعه الانتقال بسرعة إلى شبه الجزيرة، بفضل مساعدات ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وضمّ جنودًا محترفين يعرفون القواعد الأساسية للتقنية العسكرية».

وخلال الحرب الأهلية ستشهد المناطق الجمهوريّة حربًا أهلية مصغّرة بين الفصائل المسلّحة، إثر خلافاتٍ عديدةٍ أساسها الموقف من موسكو وستالين، وكذلك الموقف الدولة كنظام سلطوي قهري ترفضه القوى الأكثر راديكاليّة، رغم اتفاق جميع هذه القوى على أنه لكي تنجح الثورة فإنّه على الجمهوريّة أن تكسب الحرب الأهلية.

ستستمرّ الحرب إلى العام 1939، وستنتهي بفوز الفاشية، وبمقتل نصف مليون إنسان، وتهجير رقم شبيه، وبحكم فرانكو لإسبانيا بالنار والحديد لمدة ستة وثلاثين عامًا. وبندوبٍ لا زالت البلاد تحاول التعافي منها إلى الآن.

من المواضيع التي تستحق الدراسة والبحث في تاريخ الحرب الأهلية الإسبانية مسألة مشاركة المغربيين في الحرب، إذ يقدّر عدد المغاربة الذين شاركوا في الحرب ضمن جيش فرانكو، جيش أفريقيا، أو الفيلق الأفريقي بعشرات الآلاف. وفي الفيلم الوثائقي «المنسيّون المغاربة» في الحرب الأهلية الإسبانية حديث عن الوسائل التي نجح عبرها فرانكو في تجنيد آلاف المغاربة، ومن بينها البروباغاندا الدينية التي قالت للمغاربة أنهم سيذهبون لمحاربة الملاحدة الماركسيين الذين يمنعون الصلاة. وكذلك تم الإغراء بالمادة، إذ منح كل جندي راتب شهرين مقدّمًا، وكذلك منحوا أربعة كيلو سكّر وصفيحتي زيت. لكن الأهم هو أنه، وبحسب بعض المصادر فإن من رفض من المغاربة التجنيد ضمن جيش فرانكو كان يتم قتله أو تهديد بالقتل وأخذه عنوة.

في الجزء الثاني من هذا المقال سأقوم بعرض مجموعة من الكتب التي أرى أنها ربما تشكّل مدخلًا جيدًا للتعرف على الحرب الأهلية الإسبانية، مجرياتها، وآثارها. وقد حاولتُ، قدر الإمكان، أن تكون الكتب منوّعة، رغم صعوبة هذه المهمّة. إذ أن عدد الكتب التاريخية المعنية بالحرب الإسبانية، والمترجمة إلى العربية، قليلٌ جدًا. حسب علمي وبحثي المتواضع على الأقل.

«الحرب الأهلية الإسبانية»، خوليان كازانوفا، ترجمة عمر التل

صدر هذا الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قبل فترة قصيرة، ويمتاز هذا الكتاب بأنه يشكّل مدخلًا مناسبًا جدًا للتعرّف على الحرب الأهلية الإسبانية إذ عبر صفحاته يروي لنا المؤلف قصّة الحرب، محاولًا قدر الإمكان أن يكون حياديًا، وإن كنت تشعر خلال القراءة، أحيانًا، أنه متحامل على الجمهوريين بعض الشيء، خاصة عند ذكر جرائمهم، لكن في أحيان أخرى تشعر بعدائه الأصيل للفاشيين.

جاء هذا الكتاب في ستة فصول ومقدّمة تتحدث عن جذور الصراع، إضافة إلى خاتمة، وببليوغرافيا مفيدة تساعد الباحث على التعرّف على الكتب التي من الممكن له أن يقرأها لمزيد من المعلومات عن الحرب.

ومن فصول هذا الكتاب سأحاول عرض الفصل الثاني، والذي حمل عنوان: «الحرب المقدّسة والكراهية المعادية لرجال الدين»، إذ أن هذا الفصل يكشف عن الأسباب التي دفعت إلى قتل الآلاف من رجال الدين خلال الحرب، وكذلك الأسباب التي كانت وراء وقوف الكنيسة الكاثوليكية إلى جانب الفاشية.

كانت إسبانيا بداية القرن العشرين مثالًا على المجتمع ذي «الدين الواحد المهيمن والمتماسك» الذي يوجهه ويتبعه الناس والأساقفة والرهبانيات والعامة. وقد شهد القرن التاسع عشر حركة مناهضة للكنيسة، أمّا مطلع القرن العشرين فقد شهد حركة أكثر راديكالية في معارضتها للكنيسة، وإن كانت حركة القرن التاسع عشر تسعى إلى الحد من نفوذ الكنيسة فإن الحركة الجديدة كانت تسعى إلى القضاء على الكنيسة بوصفها سلطة عامة وفرعًا من فروع الحكومة[2].

ولحظة إعلان الجمهورية، بحسب كازانوفا، كان عدد كبير من الشعب الإسباني يعيش في المنتصف، غير مكترث بالصراع بين عالم الكنيسة الكاثوليكية وعالم الحركة المناهضة للإكليروس. وبعد إعلان الجمهورية تم سن العديد من القوانين التي يمكن وصفها بالتقدمية، وهي قوانين إصلاحية، رأى العديد من الثوريين أنها إصلاحية أكثر مما يجب، فيما رأت الجهات على الطرف الآخر من الخط السياسي أنها قوانين راديكالية جدًا. من بين هذه القوانين قوانين أعلنت الطابع غير المذهبي للدولة، وألغت تمويل رجال الدين، وسنّت الزواج والطلاق المدنيين. أما الأسوأ من ذلك كله بالنسبة للكنيسة، فكان اقتلاع الرهبانيات من الفصول الدراسية، ومنعها من ممارسة أي نشاط تعليمي.

وبمجرّد اندلاع الحرب الأهلية ساند عدد كبير من رجال الدين المتمرّدين الفاشيين، وخلال أسابيع فقط سيتم استحضار مصطلح الحرب الصليبية لوصف حرب المتمرّدين على الجمهورية. ورغم أن الدين كان آخر هم فرانكو ورفاقه إلّا أنه كان يدرك «فوائد وصول المقدّس إلى المشهد». يقول رئيس أساقفة سانتياغو في 31 أغسطس\آب، أي، فقط، بعد شهر ونصف تقريبًا على بدء الحرب:  إن الحرب ضد أعداء إسبانيا حرب «قومية بالتأكيد، وغاية في القومية، لكنها في الأساس حرب صليبية دينية، من النوع ذاته الذي اتصفت به الحروب الصليبية في القرون الوسطى، لأن الصراع الآن، مثل الصراع آنذاك، هو من أجل عقيدة المسيح وحرية الشعب. إنها إرادة الله! من أجل القديس يعقوب [راعي إيبيريا]، وإسبانيا ذات الصفوف الموحدة».

وبمجرّد إدراك فرانكو لأهمية التحالف مع الكنيسة، وبعد تكريسه قديسًا ومخلّصًا لإسبانيا والمسيحية، بات يستعمل الدين بشكل أكبر من ذي قبل، وصار يستخدم نصوصًا دينية في خطبه، وكذلك بات يحرص على الظهور دومًا في الكنيسة.

أمّا على الطرف الآخر فقد شهدت المناطق التي فشل فيها الانقلاب عنفًا منفلت العقال ضد رجال الدين، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد رجال الدين الذين قتلوا في الحرب يبلغ أكثر من سبعة آلاف، وشهدت الكنائس حرقًا وتخريبًا دائمين، وحوّلت إلى مراكز ثقافية أو منازل للمليشيات، أو حتى اسطبلات. وعن هذا العنف ضد رجال الدين يقول المؤلف: «لم يكن هذا العنف المعادي لرجال الدين يمثل هجومًا ضد الدين بقدر ما كان هجومًا ضد مؤسسة دينية معينة، هي الكنيسة الكاثوليكية التي كان يُعتقد أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأغنياء والأقوياء. ولا يعني ذلك أن معظم هؤلاء الآلاف من رجال الكنيسة والكهنة والرهبان المقتولين كان ثريًا، فهم لم يكونوا كذلك، ولم يكن هذا من الأمور المهمة. المهم أنهم دعوا إلى الفقر بينما كانوا يطمحون إلى الثروة. وكانوا يتحدثون عن الجنة في حين أنهم لم يكونوا معنيين في الواقع إلا بالقيم الدنيوية. كانوا، بحسب تعبير الصحافة الجمهورية والعمالية، وباءً وعارًا وطنيًا حالَ بين الناس وتحقيق التقدم».

في إسبانيا، حسم الصراع بين تيارات العلمنة والكنيسة بقوّة السلاح لصالح الكنيسة. أمّا في العالم العربي، فإنه ومنذ نكوص الربيع العربي، وصعود ظاهرة داعش، بات النقاش حول دور الدين في المجتمع أمرًا منتشرًا للغاية، لكن ما يلاحظ في هذا «النقاش» أنه يتحوّل في كثير من الأحيان إلى استقطاب حاد، وربما عنيف، بين تنويريين ودواعش، أو بين مستغربين ومحافظين. يذكّر بالصراع بين الكنيسة والقوى المناهضة للإكليروس، لكنّ هذا النقاش على عيوبه لا زال مهمًّا داخل «حفلة التعارف» التي أجبر الربيع العربي المجتمعات العربية على حضورها. تقول إحدى شخصيات رواية «لمن تقرع الأجراس»: «إسبانيا البلد الوحيد التي لم يصلها الإصلاح [الديني]، وها هو الشعب الإسباني يدفع الثمن غاليًا، لما قامت به محاكم التفتيش».

«الحنين إلى كاتالونيا»، جورج أورويل، ترجمة عبد الحميد الحسن

في السادس والعشرين من كانون الأول من عام 1936 وصل الكاتب الإنجليزي جورج أورويل إلى برشلونة، وقد كانت الحجّة التي دخل بها إلى إسبانيا أنه كان مراسلًا حربيًا لواحدة من الصحف الإنجليزية، لكن، سواء أكان هذا الكلام صحيحًا أم أنها كانت مجرّد حجّة للدخول إلى إسبانيا الحرب الأهلية، فقد انضم أورويل بمجرّد وصوله إلى ميليشيات حزب العمّال للتوحيد الماركسي (poum). وقتها، كانت الساحة الثورية الإسبانية تعجّ بالأحزاب السياسية والمليشيات، وقد انضمّ أورويل لهذا الحزب بمحض الصدفة، إلّا أن هذه الخطوة ستكون حدثًا فارقًا في حياة أورويل، وستدمغه بدمغتها التي سنرى أثرها في رواياته القادمة.

وسيستمرّ أورويل مقاتلًا على الجبهات الإسبانية المختلفة، وحتى داخل الحرب الأهلية الصغيرة، حتى شهر حزيران 1937، حيث أجبر على الاختيار بين الاعتقال وربما الإعدام وبين النجاة بنفسه. وخلال هذه الشهور، وفي الأوقات المقتطعة من قتاله على الجبهة، كان أورويل يسجّل الملاحظات، ويراقب الوضع وينخرط في الثورة إلى أقصى درجة ممكنة. وسيصاب على الجبهة برصاصة قنّاص كادت تودي بحياته، وسيشترك في القتال بين رفاق السلاح، إثر شن الحزب الشيوعي، المدعوم من ستالين، حربًا على حزب أورويل المعادي للستالينية، وسيهرب أورويل وزوجته من إسبانيا نحو فرنسا ومن ثم نحو بريطانيا. وفي العام 1938 سيصدر هذا الكتاب. وبعدها بسنوات سيضاف إليه ملحق بعنوان «نظرة إلى الحرب الإسبانية» (1943).

في كتابه «الحرب الأهلية الإسبانية» يخصص كازانوفا فصلًا مهمًا من الكتاب ليحمل عنوان: «حرب دولية على الأرض الإسبانية» وفي هذا الفصل يتحدث كازانوفا عن المتطوعين الأجانب الذين شاركوا في هذه الحرب والذين بلغ عددهم عشرات الآلاف. وكذلك عن تدخل دول العالم في الحرب. وربما يكون السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن القارئ يتعلّق بالسبب الذي جعل أورويل وغيره من المعادين للفاشية يتوجهون نحو إسبانيا للمشاركة في الحرب.

ويجيب أورويل على هذا السؤال قائلًا: «حين اندلعت المعارك في 18 يوليو يحتمل أن يكون كل معاد للفاشية في أوروبا شعر بالأمل ينتعش فيه. إذ ها هي أخيرًا إحدى الديمقراطيات تجابه الفاشية في أوروبا. فخلال السنين الطويلة الماضية ظل ما يدعى بالبلاد الديمقراطية يتهاوى أمام المد الفاشي  في كل خطوة».

في «الحنين لكاتالونيا» مزايا عديدة من بينها جودة الوصف التي تميّز أعمال أورويل عادة. ويمكن القول أنه إن كان كتاب الحرب الأهلية الإسبانيًا دليلًا نظريًا للحرب، فإن هذا الكتاب يشكّل دليلًا تصويريًا للحرب، فعندما يحدثك كازانوفا عن سوء تسليح الميليشيات الثورية، فإن أورويل وبمزيج من الصحفي والروائي يجعلك تقف إلى جواره في التدريب العسكري وتضحك بأسى على مشاريع المقاتلين الذين تبلغ أقصى معرفتهم بالبندقية هي معرفة الثقب الذي تخرج منه الطلقات.

قراءة هذا الكتاب مفيدة جدًا للمهتمين بجوروج أورويل، وبإعادة قراءة أعماله. شخصيًا لطالما كانت لدي رغبة في معرفة المزيد حول أسباب كتابة أورويل لروايتيه العظيمتين «مزرعة الحيوان» و«1984». وكذلك كانت لدي رغبة في التعرّف على سبب حقده الشخصي على جوزيف ستالين. في «الحنين إلى كاتالونيا»، والكتاب الملحق به تعرف السبب. تعرف حجم الخيبة التي شعر بها أورويل لدى هدم حلم الثورة الذي كان يؤمن به. وهدم الثورة هذا سيتحمّل مسؤوليته العديد من الجهات، وعلى رأسها الفاشية، لكن كذلك سيتحمله الحزب الشيوعي، الألعوبة في يد ستالين، وكذلك ستتحمّله بريطانيا ووسائل إعلامها وطبقتها العاملة التي تجاهلت ما يعانيه رفاقها في إسبانيا.

لم يسبق لي أن قرأت نصًا لأورويل أكثر غضبًا من هذا. هنا هو غاضب على الجميع، على ستالين شخصيًا، وعلى الإعلام، وعلى الأسلحة التي علاها الصدأ. لكن هذا الغضب محبّذ جدًا، على الأقل بالنسبة لي، والأهم أنه متفهم. تمامًا كما يتفهم حجم الخيبة الموجودة عند شباب دفع عمره دمًا في الربيع العربي ليرى في النهاية بشار الأسد وعبد الفتّاح السيسي والباجي قائد السبسي قابضين على أعناق الخلق.

«رسالة إلى الجنرال فرانكو»، فرناندو أرّابال، ترجمة عمّار الأتاسي

عندما تقرأ هذا الكتاب ستعرف شكل الحياة في سوريا الأسد في السنوات الأربعين القادمات.

فرناندو أرّابال كاتب وروائي إسباني، كان عمره أربع سنوات عندما اندلعت الحرب الإسبانية العظمى، قتل فرانكو والده. في العام 1971، أي بعد 32 عامًا على بدء حكم الحديد والنار للجنرال فرانكو بعث أرّابال رسالة لفرانكو يخبره فيها عن الحرب الأهلية وعن المجتمع الإسباني في ظل حكمه، وبحسب مترجم النص فقد حظيت الرسالة بانتشار كبير في العديد من دول العالم.

ورغم أن موضوع هذا المقال هو الحرب الأهلية إلّا أنني أعتقد أن هذا الكتاب مناسب هنا، لأنه يخبرنا عن الحياة في ظل الفاشية، تحت حكم الثورة المضادة. يخبرنا عن زيف وعود التصالح والعفو التي سيطلقها الديكتاتور ليدفع محاربيه للاستسلام.

هذا كتاب خفيف لطيف، وليس لدي الكثير لأقوله حول هذا الكتاب، ولذا سأكتفي بالاقتباس التالي: خلال حديثه عن التمرّد\الانقلاب الذي قاده فرانكو لم أستطع إلّا التفكير بالمحاولة الانقلابية في تركيا العام الماضي، يقول الكاتب: «أذكر جيدًا كيف كان والدي محبوسًا من قبل أصدقائه في ثكنة في مليلية وكيف بعد ذلك بيوم وفي 17 تموز 1936 اندلعت الحرب الأهلية رسميًا، حينها نقلوه إلى زنزانة ليفكّر ويقرّر، وأعلموه بأنه سيتم إعدامه بتهمة التمرّد العسكري إن لم يعلن ولاءه (للانقلاب). بعدها بساعة واحدة نادى الملازم الشاب زملاءه ليقول لهم أن الأمر حسم». لقد رفض الانضمام للانقلاب وظل وفيًا للجمهورية، فحكم عليه بالإعدام لكن الحكم خفّض ليسجن ثلاثين عامًا».

أمّا الحياة في ظل فرانكو فتكفي قراءة هذا الجزء للتعرّف عليها:

«مصارع ثيران شاب، حكم بالسجن ستة أعوام  بتهمة الإساءة للأمة لأنه بعد حادث سير، قال وهو غاضب: جميع الإسبان أوغاد.

عامل آخر أمضى عشرين سنة في السجن لأنه كان حاول في عام 1947 تأسيس نقابة.

طالب تقدّمي حكم لثلاثة أعوام بسبب حيازته على نسخ من مجلّة يسارية».

«لمن تقرع الأجراس»، أرنست همنجواي، ترجمة خيري حمّاد

هذه هي تجربتي الأولى مع همنجواي، وأظن أنني سأعود للقراءة له مرّة أخرى رغم أنني لم أعجب جدًا بهذه الرواية. والتي زاد من صعوبة قراءتها رداءة الترجمة التي انتقصت كثيرًا من العمل.

تحكي «لمن تقرع الأجراس» قصة الشاب الأمريكي روبرت جوردان والذي كان قبل الحرب الأهلية الإسبانية يعمل أستاذًا جامعيًا للغة الإسبانية، وعندما تشتعل الحرب ينضم جوردان إلى المتطوعين الدوليين، الذين يشاركون في القتال إلى جوار القوّات الجمهورية، ويعمل جوردان خلال الحرب كخبير تفجير، والذي يطلب منه تفجير أحد الجسور، وتجري أحداث الرواية خلال عدّة أيّام، إلّا أن فيها، خلال القصّ، استحضارًا لأوقات أخرى، ومن أهمها رواية قصة سيطرة بعض شخصيات الرواية على قريتهم و«تطهيرها» من الفاشيين. وهو المشهد الذي يوصف بدقة شديدة تقشعّر لها الأبدان، وتذكر بجرائم التطهير المرتكبة في الحروب المحيطة.

وإن كانت النصوص السابقة تتحدث في العموميات، وتتحدث عن أحداث الحرب، فإن ميزة هذا العمل هو أنه يجلب مجهرًا ويسلّطه على أفكار الأشخاص العاديين المشاركين في الحرب، حياتهم اليومية، فكرة الموت الحاضرة في كل لحظة من لحظات حياتهم، والحب.

لماذا الحرب الأهلية الإسبانية؟

لدينا في تاريخنا العربي من الحروب الأهلية ما يجعلنا، نظريًا، في غنىً عن دراسة الحروب الأهلية للآخرين، ولديّ من الكراهية للمركزيّة الغربية ما يدفعني للقراءة والنبش في تاريخ رواندا أو في الجزائر أو لبنان للتعرّف على معنى الحرب الأهلية بدلًا من القراءة عمّا جرى في إسبانيا خلال ثلاثينات القرن الفائت.

لكنني عندما قرأت كتابًا مختصرًا عن الحرب الأهلية الإسبانية، وجدتُ أنه لا يسعني إلّا عقد مقارنات كثيرة بين تلك الحرب والحرب الأهلية العربية الدائرة حاليًا في أكثر من مكان. التشابهات بين الحربين كثيرة، يأتي على رأسها حجم التدخلات الخارجية في الثورة\الحرب، والدور الكبير الذي لعبه الدين في المعركة، إضافة إلى الموقف السلبي للإعلام الدولي الذي ساهم في تأزيم الوضع. كما دفعني سلوك القوّات المسلحة الإسبانية إلى تذكر المحاولة الانقلابية الأخيرة في تركيا. هذه الأسباب، وغيرها، دفعتني إلى قراءة المزيد عن الحرب التي ستوصف بعدها على أنها «بروفة» للحروب الأهلية التي سيشهدها العالم لاحقًا.

تركت الحرب الأهلية الإسبانية أثرًا هائلًا على كل شيء في البلاد، ولا زال هذا الأثر واضحًا وجليًا حتى في نقاشاتنا حول كرة القدم وفرقنا المفضلة في الدوري الإسباني. لكنها كذلك كانت الحرب التي ربما يمكن القول أنها ستمهد للحرب العالمية الثانية، إذ تركت أثرها على كل بيت، قائم أو مدمّر، في هذا العالم، وربما إلى الآن. ويمكن كذلك القول أن هذه الحرب، وما تبعها من حكم فرانكو المطلق، وتجربة الانتقال الديمقراطي التي عرفتها إسبانيا بعد سنوات فرانكو، كلّها أشياء من الممكن للقارئ العربي أن يدرسها ويستفيد منها.

ملاحظات هامشية

[1] بحسب ما قاله أدولف هتلر إلى غالياتسو تشانو، وزير الشؤون الخارجية الإيطالي وصهر بنيتو موسوليني، في أيلول (سبتمبر) 1940: «عملت إيطاليا وألمانيا الكثير لإسبانيا في عام 1936 … فلولا العون المقدم من كلا البلدين، لما كان هناك فرانكو اليوم».

[2] الحرب الأهلية الإسبانية، صفحة 68.