هل يساهم باص عمان في حل أزمة النقل العام في المدينة؟

هل يساهم باص عمان في حل أزمة النقل العام في المدينة؟

الجمعة 23 آب 2019

في الطريق إلى مجمع الشمال، أثناء ذهابي لمقابلة مدير النقل في أمانة عمّان، حدّثني سائق التكسي عن امتعاضه من باص عمّان الجديد: «زادوا الأزمة وأخذوا رزقة الباصات الثانية». هذه كانت إحدى الإشكاليات التي شغلت الناس في عمّان منذ الإعلان عن الباص الجديد، باعتباره جزءًا مما يبدو وأنه مشروع ضخم في مجال النقل من قِبل الأمانة.

تعدّ البنية التحتيّة المتطوّرة عاملًا مهمًّا مساهمًا في نشوء المدن وتطوّر اقتصادها في أي مكان في العالم، وجزء مهمّ من هذه البنية هو سهولة حركة المدنيّين، مما يعني ضرورة وجود منظومة نقل عام فعّالة.[1] إلّا أن النقل العام في الأردن عانى، وعلى مدار عقود، من عدّة مشاكل أثّرت في قدرته على نقل الناس بشكل فعّال، وفي مدى استخدام المواطنين لوسائل النقل تلك. من هذه المشاكل سوء إدارة مرافق النقل العام، وعدم وجود مواعيد انطلاق ووصول، وعشوائيّة المسارات، وغيرها.[2]

يأتي باص عمان اليوم في وقت لا تُستخدم فيه حافلات النقل العام في الأردن إلا بنسبة 14% من إجمالي الرحلات اليوميّ. فهل سيسهم باص عمّان في زيادة هذه النسبة؟

كيف وصلنا إلى باص عمّان؟

نهاية حزيران الماضي، أُطلقت الدفعة الأولى من المرحلة الأولى لباص عمّان الجديد. الفكرة التي كان يُعَدّ لها منذ فترة من قِبل الأمانة، بحسب مدير النقل فيها، خالد أبو عليم. عملية إطلاق الباص تأتي على مرحلتين، تغطي المرحلة الأولى 11 منطقة تابعة إداريًّا للأمانة، على امتداد 23 مسار، بما مقداره 135 حافلة. وتسعى الأمانة، في المرحلة الثانية نهاية 2020، إلى تشغيل 151 حافلة أخرى، ليكون المجموع 286 تغطّي كافة المناطق التابعة لها.

إداريًا، بدأ الأمر عندما أنشأت أمانة عمّان الكبرى بداية 2018 شركة تملكها بالكامل، باسم رؤية عمّان للاستثمار والتطوير، وقد أسّست هذه الشركة شركة رؤية عمّان الحديثة للنقل في شهر أيار من نفس العام، لكي تُعنى بمشروع باص عمّان.

وفي العام نفسه، طرحت أمانة عمّان عطاء لشراء 135 حافلة كبيرة ومتوسّطة، ورسا العطاء على شركة العاديات السريعة، الوكيل المحلي لحافلات أوتوكار التركيّة، بمبلغ إجمالي يقارب 16 مليون دينار. في حين سُجّلت ملكية هذه الحافلات باسم رؤية عمّان للنقل. بدورها، طرحت رؤية عمّان عطاء لتشغيل هذه الباصات التي تملكها، شريطة أن يكون التقدُّم من قبل شركة تمثّل ائتلافًا ما بين مشغّل دوليّ وآخر محليّ. وطرحت عطاء آخر لأنظمة الدفع الإلكتروني.

رسا عطاء التشغيل على الشركة الأردنية التركية لإدارة و تشغيل حافلات النقل العام، المكوّنة من ائتلاف الشركة التركية جورسل مع شركة المتكاملة للنقل المتعدد المملوكة بنسبة كبيرة من قِبل الحكومة، لكن حصّة المشغّل التركي من الائتلاف هي 51%، حسبما اشترطت رؤية عمّان للنقل في عطائها، بحسب المدير التنفيذي للأخيرة، حمزة الحاج حسن. تقدّم للحصول على العطاء ائتلاف واحد هو ائتلاف جورسل والمتكاملة، ولا شرط، بحسب المحامي نزار عبيدات، في قانون الشركات يشترط وجود عدّة متقدّمين لكي يُعتبَر العطاء مستوفيًا الشروط. ولأن قطاع النقل مقيّد، يمنع فيه امتلاك الشريك الأجنبي أكثر من 50% من أي شركة، احتاجت رؤية عمّان لاستثناء من رئاسة الوزراء يسمح لها بمخالفة هذا الشرط.

أمّا عطاء أنظمة الدفع الإلكتروني فقد رسا على الوكيل المحلّي لشركة كنت كارد التركية، شركة ميونخ لخدمات الاتصالات، المملوكة بالكامل من قِبل الشركة الأردنية للاستثمارات والاستشارات العامة المساهمة في ملكيّة المتكاملة.

صور من فعالية إطلاق وتشغيل باص عمان. عن موقع الحقيقة الدولية.

هل سيساهم الباص في خلق منظومة نقل فعّالة؟

يستطيع من يستخدم باص عمّان اليوم ويتنقّل في خطوطه المختلفة أن يعرف أن الباص لا يختلف، حاليًّا، عن أي وسيلة نقل عام أخرى، من حيث طريقة التشغيل: لا توجد مواعيد واضحة، ولا يقف الباص في المواقف المحددة على المسار، وجميعها تتمركز في مجمع المحطّة أو مجمع الشمال. الاختلاف الأساسي هو أن الباص نظيف، ويسهل الصعود إليه والنزول منه، ومكيَّف، وخلال الشهر الأول لتشغيله تقاضى قرشًا واحدًا مقابل الرحلة، أمّا الآن فتتراوح كلفة الرحلة بين 30 و63 قرشًا.

يتّبع العقد التشغيلي لباص عمّان مبدأ التكلفة الصافية (gross cost)، الذي يعتمد على وجود خطّة تشغيلية توضع بالشراكة ما بين المشغّل ومالك الباصات، حسب حاجة كل مسار، تتضمّن عدد الباصات المشغّلة على كلّ مسار وتردّد انطلاقها. ويتقاضى المشغّل أجرًا مقابل الكيلومترات التي تقطعها الباصات من قِبل المالك، بدلًا مما يجري في عقود تشغيليّة في بعض المناطق في أنحاء المملكة حيث المشغّل والمالك هو نفسه، ويجني أجر الركّاب المدعوم من قِبل الحكومة، حيث تكون الأجرة 50 قرشًا مثلًا، فتقرّر الحكومة أن تجعلها 35 قرشًا وتتفق مع المشغّل على مبلغ دعم سنويّ مقدَّر.

رغم أن هيئة تنظيم النقل البرّي تشترط عدّة شروط على طبيعة الخدمة التي يقدّمها المشغّل، إلا أن نموذج التكلفة الصافية، بحسب الاستشاري في النقل والمرور حازم زريقات، يُلزم المُشغّل بالالتزام بمعايير خدمة معيّنة. ويقول أنه ضمن هذا العقد: «الأجور اللي بدفعها الركّاب بتروح للحكومة، فبتصفّي هي بتتحمّل المخاطرة التجارية بموضوع الربح والخسارة إذا الباص طلع فاضي ولا مليان. إنت هيك بتغيّر الدافع عند المشغّل بدل ما إنه يعبّي الباص بصير بده يلتزم بمعايير خدمة».

يعتقد المهندس حاج حسن، المدير التنفيذي لرؤية عمّان للنقل، أن هذا العقد يتّبع «أفضل الممارسات العالمية، ووظيفتنا هي المتابعة والتقييم». ويقول أن الباصات وابتداء من 10 آب الحالي سوف تلتزم بالمواقف، وتجهَّز المواقف بالشاشات التي تُظهر الوقت المتوقَّع لوصول الباص. هذا الالتزام بالمواعيد المحددة والمواقف هو الضمان الوحيد لنجاح المشروع بحسب رأي عبد الرزاق الخشمان، نقيب أصحاب الحافلات، ويضيف أنه يمكن لأي مستثمر أن يشتري باصات حديثة بمواصفات عالية، لكن الاختبار الحقيقي يقع على عاتق طريقة التشغيل، وإلا لن يترك أحد سيّارته الخاصة ويستخدم النقل العام.

حاليًا، وبعد انقضاء حوالي أسبوعين على الموعد الذي تم إعلانه لتركيب الشاشات والالتزام بالمواقف، يقول الحاج حسن أن شاشات التتبّع قد ركّبت في جميع الباصات، وتم البدء بتركيب المواقف المظللة التي يصل عددها إلى 60 موقفًا على امتداد مسارات الباص.

باص عمّان في مواجهة القطاع الخاص

على يمين سائق باص عمّان، أو يساره، تمرّ وسائل نقل عام عديدة؛ كوسترات، سرافيس، حافلات كبيرة. وحده باص عمّان الذي يعمل بعقد تشغيليّ مختلف، مدعوم، كما يقول نقيب أصحاب الحافلات عبد الرزاق الخشمان. وبحسبه لن يوجد نقل عام فعّال يخدم الناس بجدّ دون دعم حكوميّ.

أمّا القطاع الخاص في مجال النقل فلا زال يعاني، بحسب الخشمان، حيث أن أسعار المحروقات والمخالفات والضرائب تضطّر المشغّلين للإصرار على امتلاء الباصات قبل التحرّك، مما يؤدي إلى التردّدات المتباعدة بين الباصات، والمنافسة على تحميل الركّاب من على الطريق.

ويؤكد الخشمان أن العاملين في القطاع الخاص يعلمون أن الممارسة التي تقوم فيها الأمانة في باص عمّان هي الأمثل، لكن يجب تعميمها، وبالأخصّ، حتى لا تتضرّر أرزاق بقيّة عناصر الطريق من وسائل النقل العام. لكنّ بحسب الخشمان فالأمانة لم تتشاور مع نقابة أصحاب الحافلات أو مع أحد من القطاع الخاص أثناء التخطيط لمسارات باص عمّان. 

في حين يقول الحاج حسن أن الأمانة لم تدخل على الخطوط التي تعمل عليها الكوسترات إلا لسوء الخدمة التي توفّرها الأخيرة والشكاوى التي يقدّمها الناس. ويتفق أبو عليم مع ذلك حيث يرى أن العديد من هذه الباصات يخالف شروط عقود التشغيل والتراخيص التي يحملها. وبرأي أبو عليم، أرادت الأمانة، من خلال باص عمّان، أن تقدّم نموذجًا تحتذي به وسائل النقل العام الأخرى في جودة الخدمة.

إلا أن هذا التنافس، بين الأمانة صاحبة الموارد الضخمة، والقطاع الخاص في مجال النقل، الذي يشكّل المُلّاك الأفراد أغلبيّته بحسب الخشمان غير متكافئ. ويرى أن العقد الذي يعمل باص عمّان وفقًا له يخوّله أن يتحرّك دون أن يكترث بامتلاء الباص أو التحميل على الطريق، فهو يأخذ أجرًا مقابل الكيلومترات المقطوعة، مما يجعل المنافسة مع من ينتظرون الامتلاء ويتنافسون على ركّاب الطريق مستحيلة.

لا تهدف الأمانة للمنافسة، يقول أبو عليم، مدير النقل في الأمانة، وإنما لخلق نموذج جديد للنقل يُحتذى به من قِبل الآخرين، يقول أبو عليم: «شركة رؤية عمّان هي شركة خاصة، مش مطلوب منا نجيب كل المشغّلين الموجودين في كل عمان وأتفق معهم». أمّا الحاج حسن فيرى أنه من الممكن التعامل مع الشركات الخاصة الأخرى العاملة في النقل العام في عمّان عن طريق عقود تكلفة صافية خاصة فيها، وأن ينضموا لمظلّة باص عمّان، حيث يقول: «ممكن يندرس هذا الموضوع ولكن الأساس إنه يكون في نية عندهم لتطوير عملهم».

بينما يشير حازم زريقات إلى ضرورة تفعيل صندوق دعم نقل الركّاب الواجب إنشاؤه بموجب قانون تنظيم نقل الركّاب لعام 2017، والذي سوف يساهم، من خلال الدعم الذي سوف يقدّمه، برفع سويّة خدمات النقل لتضاهي طبيعة العقد التشغيليّ الخاص بباص عمّان. حيث يتمتّع الصندوق باستقلالية مالية وإدارية، ويهدف، وفقًا للقانون، إلى تطوير مرافق النقل الركاب، ودعم وتطوير خدمات النقل والعاملين فيها، والاستثمار في خدمات النقل، وتوفير المنح والقروض لدعم المرخَّص لهم في مجالات نقل الركّاب. ومن أجل توفير مصدر دعم للصندوق، أقرّ القانون اقتطاع مبلغ عشرين فلسًا لحساب الصندوق عن كل لتر بنزين وسولار من التي تنتجها وتستوردها مصفاة البترول الأردنية أو أي جهة أخرى، لكن إلى الآن لم يتم إنشاء هذا الصندوق، ولا تم البدء بالاقتطاع.

وبرغم نموذج العمل الجديد الذي يقدّمه باص عمّان، إلا أنه تبقى عدّة مشاكل عالقة في منظومة النقل الحالية ككلّ. فمثلًا، يرى عبد الرحيم وريكات، استشاري النقل والمدير السابق للنقل في أمانة عمّان الكبرى، أن شبكة المواصلات الحالية في العاصمة تأخذ شكلًا شعاعيًّا؛ تتمركز في مجموعة نقاط وتنطلق في خطوط نحو وجهات معيّنة، وهذا الشكل الخطّي لا يخدم أولئك الذين لا يقعون على تلك الخطوط، ويرى أننا نحتاج لتصوّر آخر. برأيه، علينا أن «نعيد دراسة، ووضع مخطط شمولي للمواصلات العامة، حديث، يغطي حاجة ثلاثة عقود قادمة من النقل. السرافيس والكوستر الأصل تكون في مناطق مغذيّة للمحاور الرئيسية».

ويشير الوريكات إلى تجربة خدمة الأحياء السكنية الناجحة من قِبل الأمانة، حيث قامت بتشغيل سرافيس تعمل داخل مناطق محدّدة فقط، مثل ما جرى في منطقة تلاع العلي التي تحتوي على سرافيس تجوب المنطقة وتخدم من يريد التنقّل داخلها، وتربط من يريد الانتقال من تلاع العلي إلى منطقة أخرى بخطوط الحافلات الأخرى.

من جانبه، يقول حازم زريقات أن على الأمانة التفكير بالشبكة ككلّ، لا أن تفكّر بباص عمّان كجزيرة منفصلة وإنما باعتباره جزءًا من شبكة يجب أن تنقل الناس من مكان إلى آخر، بوسيلة مريحة ودون تغيير وسيلة النقل أكثر من مرة. «لازم نعيد هيكلة الخطوط عشان تكون بشكل هرمي؛ يعني عندك السرفيس بغذي الأحياء وبعدين الخدمات اللي بتكون سعة المركبة أكبر وهكذا [تصاعديًّا]». ويشير زريقات إلى أننا يجب أن نغيّر من مركزيّة المجمّعات ونهتمّ بمسار الباصات حتى يستطيع الراكب أن ينتقل من أي مكان إلى آخر في عمّان دون اضطراره قطع مسافات طويلة أو استخدام الكثير من وسائل النقل.

في حين يؤكد خالد أبو عليم على أهميّة المجمّع الذي يعدّ مركزًا يستطيع المواطن الانطلاق منه إلى أي وجهةٍ يريد. ويضيف، أنه عندما تنتهي جميع المشاريع، وعلى رأسها الباص السريع وباص عمّان، ستكون لدينا منظومة نقل عام، وهذه المنظومة يجب أن تكون «متكاملة ومترابطة. يعني أنا إذا بدّي أشغّل الباص السريع في شارع الجامعة الأردنية، لازم أكون دارس كيف بدي أجيب الراكب اللي في ماركا إلى الباص السريع». وتعمل أمانة عمّان، بحسب أبو عليم، على دراسة هذه المنظومة لتكون جاهزة بانتهاء جميع المشاريع.

من جانب آخر، ألزم قانون 2017 لتنظيم نقل الركّاب مُلّاك وسائل النقل العام الأفراد (سرافيس وحافلات) والحائزين على تصاريح فرديّة تصويب أوضاعهم في مدة لا تتجاوز خمس سنوات من نفاذ القانون على نحو تنمدج فيه كلّ مجموعة منهم في شركة تُوزَّع نسب الملكية فيها مع مراعاة حقوق المرخَّص لهم. أو من خلال الاشتراك في شركة إدارة لخطوط النقل يكون لها مهام إدارية دون تخلّي كل صاحب ملك عن ملكه.

يرى نقيب أصحاب الحافلات أن قطاع النقل العام فوضويّ، ومن أسباب تلك الفوضى هم المُلّاك الأفراد الذين يصعب إلزامهم بشروط معيّنة، لكن يفترض أن تحل هذه المشكلة من خلال قانون النقل الذي ألزمهم بأحد الحلَّيْن.

تاريخ المتكاملة

عام 1962 حصل اتحاد باصات العاصمة على امتياز نقل الركّاب من الحكومة ضمن حدود أمانة عمّان.[3] واستمرّ الأمر على حاله في عمّان وصولًا إلى عام 1975، حين قرّرت الحكومة إصدار قانون مؤقت يقضي بتأميم اتحاد باصات العاصمة وتسميته مؤسسة النقل العام، وانتقلت إلى الأخيرة جميع موجودات وممتلكات وموظفي الأولى.[4] استمرّ النقل العام على هذا الحال إلى حين بدأ توجّه الدولة نحو خصخصة خدماتها، حيث أُصدر قانون النقل العام للركّاب لعام 2006، الذي أُسّست بموجبه هيئة تنظيم النقل العام، وأنيطت إليها مسؤولية تنظيم النقل العام وتنفيذ سياسات وزارة النقل، ومُنعَت من تملّك أي وسيلة نقل. ونصّ القانون على «وجوب نقل ملكية وسائط النقل العام المسجّلة باسم المؤسسة لأسماء أصحابها من المشغّلين».[5]

ولاستكمال هذا التحوّل، أُزيلت كلمة «العام» من اسم الهيئة ليصير إلى هيئة تنظيم قطاع النقل البري في قانون عام 2010 المؤقت، وثُبّتَ ذلك في قانون عام 2011.[6] وصولًا إلى قانون نقل الركاب عام 2017.

وفي عام 2007 مُنحت أمانة عمّان صلاحية تنظيم النقل العام في العاصمة بموجب قانون مؤقت، ثُبّت ضمن قانون 2011. وفي 2017، سمح القانون لهيئة تنظيم قطاع النقل البري بتسليم صلاحيّاتها للجهات المختصّة التي عرّفها القانون بأنها الأمانة والبلديّات وأي سلطة محليّة تمارس صلاحيّات بلديّة في منطقتها.

في خضمّ ذلك التحوّل نحو الخصخصة، تأسست عام 2006 الشركة المتكاملة للنقل المتعدد المساهمة المحدودة، ووقّعت الشركة بداية عام 2007 عقدًا مع هيئة تنظيم النقل العام لتولّي النقل في العاصمة. مع وعود بتوفير حافلات ذات تردّدات ومواعيد محدّدة ومزوّدة بأنظمة تتبّع بحسب تصريحات لوزير النقل وقتها سعود نصيرات، لكنّ النتيجة كانت مجرّد إضافة باصات جديدة على الخطوط. وحتى هذه الباصات الجديدة هرمت سريعًا بسبب سوء الصيانة والإدارة وكثرة حوادثها.

دعمت الأمانة المتكاملة، حيث تلقّت منها في عام 2010 مبلغ 4.8 مليون دينار من صندوق عوائد النقل العام. إلا أنه في العام التالي، استُدعيت مجموعة من كوادر الأمانة، بمن فيهم أمين عمّان حينها، عمر المعاني، ورئيس مجلس إدارة المتكاملة جورج أبو خضر، للمثول أمام المدّعي العام للتحقيق في تهم بالإخلال بالواجبات الوظيفيّة، وعقود شراء الخدمات والاستقدام.

وبعدها توقّف الدعم الحكومي للمتكاملة بحسب تصريحات الأخيرة في الإعلام. وفي عام 2011، وتحديدًا في شهر تموز قرّرت الشركة توقيف أسطولها كاملًا وفصل جميع موظّفيها والسائقين احتجاجًا على ذلك. إلا أن ردّ الأمانة كان أنها تخطّط لدعم المتكاملة بمبلغ 17 مليون دينار على امتداد الأعوام 2010 – 2013.

وجّهت الحكومة إنذارًا مدّته ثلاثة أيام لتعود المتكاملة عن قرارها، لكن دون فائدة. واعتصم موظّفو الشركة احتجاجًا على فصلهم، لكن كلّ ذلك لم يغيّر من قرار الشركة، مما اضطّر وزير الصناعة والتجارة لتشكيل لجنة مؤقتة تدير الشركة استنادًا لقانون الشركات، المادة 168، نتيجة توقّف الشركة فجأة عن تقديم الخدمة. تم تمديد فترة الخدمة لهذه اللجنة أكثر من مرة، وصولًا إلى عام 2013.

عام 2013، قامت الحكومة بشراء حصة المستثمر الكويتي في المتكاملة (الذي استثمر في الأخيرة عام 2010)، سيتي جروب، والبالغة 51% بما مقداره 10 مليون دينار، مقابل أن تتنازل سيتي جروب عن ذمة الدائنة التي تستحقّها، ومقدارها 667 ألف دينار، والتنازل عن أي قضية مرفوعة ضد الشركة وإبراء ذمّتها إبراءً تامًّا، حرصًا على تعزيز العلاقات الكويتية الأردنية وتعزيز الاستثمار الكويتي في المملكة.

وبعد أن أنقذت الحكومة الشركة التي كانت تخسر بشكل دائم منذ تأسيسها، تذبذب وضع الأرباح، وكان الثابت الوحيد في العهدين سوء الخدمة وتردي حالة الباصات.

كلّ ذلك يثير تساؤلات حول إعادة الكَرّة وتسليم المتكاملة، وإن كانت مساهمتها في الشركة المشغّلة لباص عمّان بمقدار 49%، مشروع نقل جديد في عمّان. يستغرب نقيب أصحاب الحافلات، عبد الرزاق الخشمان ذلك أيضًا، إذ يقول إننا يجب ألا نكافئ المقصّر على تقصيره.

إلا أن مدير النقل في الأمانة، خالد أبو عليم، يؤكد على عراقة الشركة المتكاملة، وضرورة وجودها لإرشاد الشريك الدولي في السوق المحلّي. لكن لمنع التقصير ومن أجل الاستفادة من تجربة مشغّلين في دول تجربتها أكبر في مجال النقل العام، جاء قرار الأمانة ورؤية عمّان للنقل بأن تكون حصّة المشغّل الدولي 51% حتى يتسلّم الأخير رئاسة مجلس الإدارة. وبدوره، يرى المدير التنفيذي لرؤية عمّان للنقل، حمزة الحاج الحسن، أن العقد التشغيلي هو الذي يحكم العلاقة مع أي مشغّل، وأنّ المتكاملة أو غيرها عندما يلتزمون بعقد التشغيل سيقدّمون خدمات ممتازة للمواطنين.

أخيرًا

يعتمد نظام التكلفة الصافية على تمويل المشغّلين مقابل عدد الكيلومترات التي تقطعها الباصات، لكن هذا التمويل يأتي من موازنة أمانة عمّان التي تمتلك، وبالتالي تموّل، شركة رؤية عمان للاستثمار والتطوير، التي تمتلك بدورها رؤية عمان الحديثة للنقل، مما يثير تساؤلات حول توفّر الميزانية اللازمة لذلك التمويل الموجَّه للمشغِّل، وتغيُّر الأولويات مع تغيّر المسؤولين، حيث من الممكن أن يتغيّر أمين عمان في أي لحظة.

يرد على هذه التساؤلات أبو عليم، فيقول إن الأمانة بصدد تدشين منظومة نقل عام جديدة، لن يؤثر فيها تغيير الأشخاص. والتمويل الذي على الأمانة دفعه للمشغّل كانت تدفعه من قبل على شكل دعم للتعرفة، لكنها قامت بتغيير شكل الدعم لكي يصل إلى مستحقّيه ويكون ذا أثر أنجع في تطوير منظومة النقل العام.

برأي حازم زريقات، أن نموذج صندوق دعم نقل الركّاب الذي طُرح في قانون 2017 يعد مصدرًا مستدامًا أكثر من الاعتماد على موازنة الأمانة، لكن يجب أن تكون هناك إرادة لتفعيله. في حين يرى عبد الرحيم الوريكات أن المسألة تكمن في بناء ثقة لدى المواطن بباص عمّان، «إذا صار ثقة والناس صارت تعرف إنها بتركب وسيلة نقل متوفّرة دائمًا، وأرخص من التكاسي، إلها ساعات محددة ومواصفة محترمة. إذا أعطينا الثقة للأنثى والكبار في السن والطفل، رح يزيد عدد المستخدمين. فلذلك أتوقع عندها إحنا مش بحاجة لا لدعم ولا إنه نوفّر موازنات، رح يفيض المبلغ ولا ينقص».

ساهم في إعداد هذا التقرير الزميلان شاكر جرّار ورنا البساتينا.

  • الهوامش

    [1] Optimum Transportation System For The City Of Amman, Technical Report, p. 1, 2018, Al-Habahbeh O. M., Al-Sous H., Al-Omari M.

    [2] Bus Ridership Analysis In Amman City, Conference Paper, Mohammed Taleb Obaidat, Randa Oqab Mujalli, 2016, p. 1.

    [3] اتفاقية امتياز بين حكومة المملكة الاردنية الهاشمية وشركة اتحاد باصات العاصمة المساهمة المحدودة لسنة 1962، قسطاس.

    [4] قانون مؤقت رقم 21 لسنة 1975 (قانون مؤسسة النقل العام لسنة 1975) وتعديلاته، قسطاس.

    [5] قانون النقل العام للركاب لسنة 2006، قسطاس.

    [6] قانون هيئة تنظيم قطاع النقل البري المؤقت لعام 2010، قسطاس. وقانون هيئة تنظيم قطاع النقل البري لعام 2011، قسطاس.