هل تونس «حالة استثنائية» حقًا؟

الأحد 13 أيار 2018
مظاهرة في تونس العاصمة أثناء الثورة، مصدر الصورة: ويكيميديا.

(نُشرت هذه المراجعة في The Journal of North African Studies وهذه ترجمة مأذونة للمقال)

نال كتاب «تونس: استثناء عربي» اهتمامًا واسعًا في أوساط الصحافة السائدة منذ صدوره في أيلول/ سبتمبر الماضي. وانخرط مؤلفه، صفوان المصري، الذي يشغل مركز نائب الرئيس التنفيذي للمراكز العالمية والتنمية العالمية بجامعة كولومبيا، في جولة محاضرات للترويج للكتاب في الوقت الذي افتتحت فيه جامعة كولومبيا مركزًا عالميًا جديدًا لها في تونس. انصبّ تركيز الجانب الأكبر من الكتاب على تاريخ تونس والتغيّرات السياسية الأخيرة التي شهدتها، إلا أن المصري ليس عالِمًا سياسيًا ولا مؤرخًا، وهو يعترف بذلك في توطِئة كتابه. وفي حين تسعى الصحف ومراكز الدراسات اليوم وراء المصري باستمرار من أجل تقديم تحليل سياسي مُعاصر بشأن تونس، فهو في حقيقة الأمر مُهندس نظم، وهذا الكتاب في جوهره مشروع هندسي.

يَجمع المهندسون المواد معًا أو يرتبونها بُغية تشييد بناء ما أو إدخال تعديل عليه. هكذا بالضبط يتناول المصري حالة تونس، بحيث يعزل خيوط السياسة والثقافة والتعليم والدين والتاريخ التونسي في أجزاء مستقلة ومتميزة عن بعضها البعض، ومن ثم يجمع بين هذه العناصر في بنية واحدة -مع قدر كبير من الحشو- وصولاً إلى [فهم] التحول الديمقراطي التونسي. فالكتاب، كما يكتب المصري، «يفحص العوامل الاجتماعية والفكرية والسياسية التي ساهمت في جاهزية الشعب التونسي لتحقيق ديمقراطية ناجحة»1. وتبدو الديمقراطية، من هذا المنظور، كمعادلة؛ إذا جمعت مُدخَلات ما مع بعضها البعض بطريقة معينة ستحصل على نتيجة معينة. ينضوي المصري تحت لواء تقليد طويل من الكتابات المنشورة بالإنجليزية حول إشكالية الديمقراطية في الشرق الأوسط، والتي يحددها زميله بجامعة كولومبيا تيموثي ميتشل بأنها تتّسم «بفكرة أن الديمقراطية مشروع هندسي، يُعنَى بإنتاج ذوات سياسية جديدة وبإخضاع الناس لطرق جديدة من الحُكم»2.

يتمتع المهندسون بدرجة عالية من اليقين بأن المكونات التي يستخدمونها تحمل خصائص جوهرية، الحديد على سبيل المثال يحمل خصائص فيزيائية وكيميائية جوهرية نسبيًا. وبنفس الدرجة من اليقين تجاه الجوهر يتناول المصري مفاهيم مثل «العرب» و«الإسلام» و«الغرب». وبرغم تأكيداته بين حينٍ وآخر بأن العرب ليسوا وحدة متجانسة وموحدة، يتعامل الكتاب مع «العروبة» و«الإسلام» باعتبارهما صفتين جوهريتين -ويربط أولاهما بعوامل وراثية3– يمكن لهما أن يختلطا بالمفاهيم والقيم والأفكار الغربية من أجل إنتاج خليط هجين، يدّعي أن تونس ممثلة له. يُقدّم المصري حُججًا عديدة تفسر سبب نجاح تونس، ولا يُقر صراحة أبدًا أن ما يعنيه «بالنجاح» هو في حقيقة الأمر نموذج ديمقراطي ليبرالي غربي. برغم ذلك فإن قلب أطروحته [غير المعلن] يكمن في أن قدرة تونس على أن تصبح ديمقراطية ترتكز على كونها تاريخيًا وثقافيًا أقل «عربية» من جيرانها، خاصة في سياساتها التعليمية، ومن هنا تأتي «فرادتها العربية».

في حين يُصر المصري على أن أطروحته الرئيسية هي أن نظام التعليم التونسي التقدمي هو العامل الرئيس وراء تحول تونس [الديمقراطي]، إلا أنه لا يكرس في حقيقة الأمر سوى بضعة فصول للحديث عن التعليم، بينما الأطروحة الرئيسية لكتابه والتي تربط جميع الفصول ببعضها وردت في صفحة رقم 6:

إن العوامل التي أفضت إلى تحول تونس الناجح كانت إما متأصلة في تونس أو في الأجيال العديدة التي لا تزال في طور التكوين. هناك أيضًا افتراض مُبسَط واختزالي يُعامِل تونس على أنها ذات هوية عربية وإسلامية بشكلٍ حصري، ويضعها بشكلٍ واضح ضمن نطاق العالم العربي.

يبدو أن هذا التجاور في وضعية تونس، ما بين امتلاكها لأكثر من مجرد هوية عربية، وفي الوقت نفسه امتلاكها لسمات فريدة قادتها إلى الديمقراطية، يعزز السردية الاستشراقية التي تذهب إلى وجود شيء ما في «العروبة» أو «الإسلام» يتنافى مع الديمقراطية، وأن أيًا ما كانت الهُويات الأخرى التي تتمتع بها تونس بخلاف العربية والإسلامية فإنها هي العوامل المتغيرة التي أنتجت إمكاناتها التقدُمية. وعلى مدار بقية الكتاب -من التاريخ القديم حتى التاريخ الثوري وسياسات التعليم التونسية والتغيُر الثقافي والديني- الموضوع الغالب هو أن تونس مختلفة بصورة أساسية عن الدول العربية الأخرى، وأنها تمتلك صفات بحر متوسطية أكثر مما تمتلك من الصفات العربية4، وأن هذا هو العامل الرئيس في قدرتها الأفضل على تحقيق الديمقراطية.

جاءت كراهية المصري الشديدة للعروبة والاشتراكية ومناهضة الاستعمار على هيئة نقد لاذع ومتعالٍ لم يصاحبه سوى أدلة قليلة.

يمكن للنزعة الجوهرانية التي ترتكز عليها حُجج المصري أن تُفضي إلى تعميمات صارخة. في إحدى الحالات، وفي فصل من الكتاب مُخصص لوصف السياسات التعليمية عبر دول «العالم العربي» بخلاف تونس، يُجادل المصري بأنه «بدلاً من أن يتعلم الطلاب أن يُحبوا، من خلال الفنون والأدب، أو أن يجادلوا ويفكروا بطريقة نقدية عبر دراسة الفلسفة، فإنهم غالباً ما يتعلمون الكراهية من خلال تلقينهم خطاب «نحنُ في مقابل هُم»». تردد تلك الصياغة الإشكالية على وجهٍ خاص [أصداء] عقود من الدعاية الرسمية الإسرائيلية، وهي واحدة من أمثلة لا حصر لها تعكس فيها تحيزات المصري الشخصية جوهر المشاكل المتأصلة في عملية إنتاج مسح هندسي لمسألة ينبغي -بدلاً من ذلك- أن نتناولها بحرصٍ أكبر عبر مقاربة سياسية علمية ومنظمة. وفي حالاتٍ أخرى، جاءت كراهية المصري الشديدة للعروبة والاشتراكية ومناهضة الاستعمار على هيئة نقد لاذع ومتعالٍ لم يصاحبه سوى أدلة قليلة -إن وجدت- على هذه الادّعاءات التعميمية.

من جانبٍ آخر، فإن تناول تونس كمسألة تتألف من أجزاء مكوِنة لمشروع هندسي هو أمر ينسجم مع مقاربات غائيّة وتنطوي على إسقاطات تاريخية، حيثُ يجري تسطيح الزمن من أجل طمأنة القارئ -بل وربما الكاتب كذلك- بأن كل ما يحدث اليوم قد حدث بالفعل من قبل بأشكالٍ مختلفة ولمراتٍ عديدة. من ذلك أن فصلًا من الكتاب عن تاريخ مدينة قرطاج يقدم قراءة في التاريخ القديم ليس بوصفه مجرد رمزٍ لتحول تونس السياسي نحو الديمقراطية بعد 2011، بل بوصفه عاملًا هامًا في التعريف بتاريخ قومي وهُوية قومية منفصلين وغير عربيين يتصلان بالسياسات البحر متوسطية أكثر من ارتباطهما بالسياسات «العربية»، ويدعمان، بالتالي، تحول تونس الديمقراطي. وفي مثالٍ آخر، يستعمل المصري صورة استشراقية شهيرة معاصرة عن أن العرب لا يتحملون مسؤولية انحطاطهم الحضاري ويسحبها على الماضي، إذ يمدح الطابع العملي للحبيب بورقيبة في سعيه وراء استقلال تونس عن فرنسا بدون اللجوء إلى «لعب دور الضحية»5؛ يتساءل المرء إلى أي درجة ينبغي على أمة وقعت ضحية للاستعمار أن «تلعب» ذلك الدور.

أجرى المصري ضمن عمله البحثي لهذا الكتاب، بصحبة ثلاثة باحثين مساعدين آخرين قدّم لهم الشُكر، مقابلاتٍ عدة غالبيتها مع نخبٍ تونسية ومسؤولين سابقين وقيادات حزبية. ويجعل غياب قائمة مراجع من قراءة الكتاب صعبة، كما يبدو من المنفّر استخدام مصادر ثانوية للاقتباس المباشر على لسان رموز سياسية. كما يكاد يتجاهل المصري أو يغفل بشكل كامل الإنتاج البحثي النقدي للعلوم السياسية في مصادره. وينال بعض ممَن أجرى معهم مقابلات كمصادر أولية مصداقية أعلى من آخرين، خاصة المتحدثين الليبراليين والعلمانيين والتكنوقراط، وهو ما يكشف مرة أخرى عن التحيزات الشخصية القوية للمؤلف. يستند المصري كذلك بدرجة كبيرة على خطابات بورقيبة، بحيث يُعامِل الرئيس الأول للبلاد باعتباره محللًا سياسيًا وتاريخيًا واجتماعيًا وثقافيًا لها، فينجرف بين حينٍ وآخر إلى [نمط من الكتابة يشبه] سيَر القديسين. ويصبح جليًا كيف يؤكد هذا الكتاب في الواقع على تحيزات المؤلف وأفكاره المسبقة عندما يكتب المصري قائلًا: «لقد عكفتُ على كتابة هذا الكتاب طيلة حياتي (..) فقد تبلور بداخلي من معتقدات حملتها وأفكار كوّنتها على مدار سنواتٍ عدة»6.

إذا نظرنا لمسألة السياسة التعليمية في تونس، التي يوردها المصري باعتبارها محور اهتمام الكتاب7 والتي يُشير إليها الآخرون باعتبارها نقطة قوة كتابه، سنجد أنها لقيت نصيبها من التحيُز بدرجة لا تقل عن المسائل الأخرى في الكتاب. فالمصري من المؤمنين بفكرة أن الأسواق ينبغي أن تحدد سياسة التعليم العام8، وهو افتراض لا يُقرّه أو يدافع عنه صراحةً، ويُفضي إلى استنتاجات خاصة بشأن سياسات من قبيل أن «فتح أبواب التعليم الثانوي على مصراعيها» يُعد ضربًا من «الشعبوية»9، وأن النمو السكاني يمثل عقبة اقتصادية وتعليمية بدلًا من كونه موردًا، وأن تونس بحاجة لمزيد من طلاب التعليم المهني وعدد أقل من خريجي المدارس الثانوية.

يُثير المصري نقاطًا تنم عن ذكاء واطلاع جيد بشأن التاريخ والثقافة والسياسة التونسية، جاءت مرتبة في خيوط تخدم أطروحته. إلا أنه بنفس القدر يُثير مسائل إشكالية أو مفتقرة للدقة أو مُغرِقة في أيديولوجيتها من دون مساحة أو أدلة كافية للدفاع عنها. يَسهُل توقع هذا التباين الواسع من منهج غير منتظم وبعيد عن العلوم الاجتماعية. علاوة على ذلك، يفرض تعليم المصري الهندسي بشكلٍ واضح إطارًا على تونس يجعلها كيانًا يتكون من هياكل، بحيث تُهمَل وتُستَبعَد تلك العناصر غير النافعة أو غير اللازمة في المشروع النهائي دون النظر جديًا في معناها وأهميتها. إن المرء ليأمل ألا تسلك الدراسات المستقبلية عن سياسات تونس ما بعد 2011 الدرب الذي سلكه المصري، وأن تسعى بدلًا من ذلك للتحلي بمزيد من التواضع في نطاق الدراسة فيما تشتبك بصورة أكثر نقدية مع افتراضاتها الخاصة وخطابها السائد.

  • الهوامش

    1- Safwan M. Masri, Tunisia: an Arab anomaly, New York, Columbia University Press, 2017. p. xx

    2- Mitchell, T. 2011. Carbon Democracy: Political Power in the Age of Oil. Brooklyn, NY: Verso. p. 3

    3- Masri, p. 6.

    4- Masri, p. 7.

    5- Masri, p. 179.

    6- Masri, p. xx.

    7- Masri, p. xxxiv.

    8- Masri, p. 282, 287.

    9- Masri, p. 282.