مخيم الزعتري zataari camp

الزعتري بعد الكهرباء: ما زال اللجوء مظلمًا

الزعتري بعد الكهرباء: ما زال اللجوء مظلمًا

الأحد 17 تموز 2016

تقرير دانة جبريل، صور خالد البشير

«بإمكان الجدة الآن أن تحكي قصصًا لأحفادها في النور، لا في الظلام. بإمكان الأطفال الدراسة في المساء.. شكرًا للاجئين على سعيهم لجعل الحياة أفضل». هكذا دشن منسق مخيم الزعتري للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين هوفيك آت يمزيان شبكة الكهرباء الجديدة في المخيم، التي يفترض أن توفر للاجئين تيارًا ثابتًا خلال ساعات الليل.

هذه الشبكة الكهربائية الجديدة التي احتفلت المفوضية بها الخميس الماضي ستعمل على توفير الطاقة داخل كرفانات ساكني الزعتري البالغ عددهم 80 ألفًا بشكل منتظم وآمن لتسع ساعات يوميًا، بين السابعة مساءً والرابعة فجرًا.

لكن قدرة الجدة على قراءة القصص لم تشكل تغييرًا كافيًا بالنسبة لعدد من السوريين في المخيم. «بدناش أدوية الأولاد تخرب، بدنا مروحة نعرف نتنفس.. بدي أضب أولادي من الشارع»، يقول اللاجئ إبراهيم الذي اشتكى من قلة ساعات التيار الكهربائي واقتصارها على المساء. اللاجئون لم يكونوا في العتمة، بحسب ما أكد عدد منهم لحبر، فقد كانت تصلهم الكهرباء بطرق عديدة أبرزها الوسائل غير النظامية، لكنها الآن أصبحت متوفرة بشكل قانوني منظم، وإن بقيت غير كافية.

IMG_9444

قبل الشبكة وبعدها: كيف يعيش اللاجئون؟

قبل تمديد شبكة الكهرباء، كان العديد من اللاجئين في الزعتري يمدون أسلاكًا من أعمدة إنارة الشارع إلى كرفاناتهم، ما أدى إلى ضعف التيار الكهربائي العام، وتسبب في عدة حوادث نتيجة التماسات الكهربائية. لاجئون آخرون تمكنوا من شراء مولّدات كهربائية من المفرق، تعبأ بالبنزين، فأوصلوا التيار الكهربائي لأسرهم ومحلاتهم طوال اليوم، وإن كان ذلك خيارًا مكلفًا.

إبراهيم القادم من درعا، استفاد من خبرته المهنية في سوريا، حيث كان يعمل كهربائيًا، وبنى «بحرة» في الكرفان الخاص به، وهي نافورة تتكون من رأس أرجيلة، وماتور يعمل في الماء، وأسلاك أوصلها من تحت الأرض بالمولد الذي اشتراه، أو بعامود إنارة قريب من كرفانه، ليضمن التبريد خلال النهار لأبنائه كي يقضوا وقتهم داخلها. الشبكة الجديدة لن تيسر عمل هذه البحرة في التخفيف من الحر، إذ ما زال التيار الكهربائي خلال النهار مقتصرًا على ما يوفره المولد، بينما تُشغّل الشبكة في ساعات الليل.

IMG_9532.jpeg

نافورة، أو بحرة، أنشأها إبراهيم للتبريد على أولاده، من رأس أرجيلة وماتور مائي وأسلاك. البحرة فارغة الآن لأنه يعمل على تلوينها.
IMG_9534

إبراهيم وثلاثة من أبنائه الأربعة.
IMG_9549

أدوية في ثلاجة إبراهيم وعائلته.

لا يلمس اللاجئون فرقًا من حيث عدد ساعات إمداد الكهرباء، بين الشبكة الرسمية التي أعلن عنها وبين طرقهم المختلفة للتزود بالكهرباء، سوى أنها أصبحت أقوى ولا تنقطع، بحسب إبراهيم، الآتي من درعا.

حتى ميزة قوة التيار، يصفها أبو عهد بأنها نزلت كالصدمة على أجهزتهم الكهربائية البسيطة، التي لم تحتمل المفاجأة وتعطل العديد منها.

أبو عهد الذي يملك محلًا لبيع للقهوة في شارع السوق بالزعتري -الذي بات اسم «الشانزلزيه» الذي أطلق عليه تهكمًا الاسم الدارج له- اشترى مولدًا كهربائيًا لمحله، ومدّ كرفان أسرته بالتيار من المولد، الذي يستهلك لترًا  من البنزين كل ساعتين، بقيمة 60 قرشًا.

IMG_9473.jpeg

أبو عهد وابنته ليلى أمام محله في السوق التجاري.
IMG_9484.jpeg

صورة لمولد كهربائي تستخدمه العديد من الأسر في الزعتري لكرفاناتها أو محلاتها في السوق.

لا يزال أبو عهد يستخدم المولد بعد تركيب الشبكة الكهربائية، كون الشبكة لا تخدم المحلات والسوق التجاري، لكن حاله أفضل من آخرين لا يملكون مولدات كهربائية، مثل أبو حسين الآتي من الغوطة، الذي احترق المولد الذي اشتراه من المفرق منذ مدة ولا إمكانيات مادية لديه لإصلاحه الذي سيكلفه 70 دينارًا.

يمسح أبو حسين عرقه، وتشعل زوجته أم حسين سيجارة وهي تتحدث بلامبالاة عن حال العائلة مع الكهرباء. «إحنا تسع أشخاص بالبيت، زي ما إنتي شايفة، بالنهار شوب، بالليل بس بنفتح التلفزيون لما تيجي الكهربا».

IMG_9403

أبو حسين أمام كرفانه في الزعتري.
IMG_9384.jpeg

أحد أبناء أبي حسين في كرفانه. تلفاز وثلاجة ووصلة كهرباء لأغراض شحن الهواتف، هو كل ما تملك أسرة أبو حسين من كهربائيات لا تعمل سوى ليلًا.
IMG_9389.jpeg

صديق لأبي حسين أعاره في السابق مصباحًا يعمل بالشحن الشمسي، كي يساعدهم على الإنارة في الليل قبل أن يتم مد شبكة الكهرباء، لكنه تعطّل هو الآخر.

تقول اللاجئة أم يوسف أنه حين وصلت المخيم عام 2013، كانت الكهرباء تعمل طوال النهار وبقي الحال كذلك فترة من الزمن، قبل أن يصبح وصول التيار الكهربائي لساعات محدودة؛ من الرابعة مساءً وحتى الثانية عشرة ليلًا، ليصبح الآن من السابعة للرابعة فجرًا.

لا تعرف أم يوسف كيف كانت الكهرباء تصلهم ليوم كامل، ولا ما حصل حتى يتم تقنين استخدامها، لكنها تشتكي صعوبة النهار بدون كهرباء، أي بدون مروحة تخفف صيف الزعتري الحار.

«بكب مي عالأرض عشان الولاد يبوردوا، وبعبي لهم عشان يسبحوا. والله مش عارفين نتنفس بدون مروحة»، تقول أم يوسف.

IMG_9515

مدخل كرفان عائلة أم يوسف المضاء ليلًا.
IMG_9524.jpeg

يوسف، ستة أعوام، يشاهد التلفاز، مع مروحة يحظى بها ليلًا فقط.

يستبعد إبراهيم أن تتوقف محاولات مد التيار الكهربائي بشكل غير نظامي من أعمدة الإنارة، بسبب ما يصفه بأنه خللٌ في تنظيم العملية، التي عينت المفوضية بحسبها عمودًا لكل مجموعة من الكرفانات، وتركت مد الإسلاك منه على عاتق اللاجئين. «إحنا بندفع [ثمن] الأسلاك عشان نمد من العواميد. بحطونا مربوطين بعواميد بعيدة عنا مع إنه في عامود أقرب. ليش أمد من العامود البعيد اللي عليه ضغط كبير وبده أسلاك أطول وكلفة أكثر إذا في عامود قريب ما عليه ضغط وكلفة الأسلاك أقل؟».

تبلغ كلفة سلك بقيمة 100 متر نحو 15 دينارًا في المخيم. وقد اضطر إبراهيم لدفع 30 دينارًا قيمة الأسلاك لتوصيل الكهرباء من عامود بعيد عن كرفانه.

بعيدًا عن كلفة الأسلاك، يتحدث إبراهيم عن السلامة العامة، التي شددت المفوضية بأنها ضمنتها للاجئين بتمديد الشبكة بشكل منظم وآمن. لكن إبراهيم يؤكد أن اللاجئين بحثوا عن أرخص أسلاكٍ ممكنة لمدّ الكهرباء، حتى وإن كانت معرّاة وغير آمنة وغير محمية من الماء، ما تسبب بحرق جزء من الشادر الخاص به قبل فترة، نتيجة ماسٍ كهربائي، وهو ما حدث مع إحدى جيرانه أيضًا. كلا الحادثين نتجا عن أسلاك غير آمنة مدداها بعد تمديد شبكة الكهرباء من المفوضية.

يقول محمد الحواري، مسؤول الإعلام والاتصال في مفوضية شؤون اللاجئين، لحبر «إن المفوضية تسعى اليوم لإيجاد تمويل يمكّن اللاجئ من شراء التوصيلات الكهربائية اللازمة لمنزله والمستلزمات الأخرى. كل ذلك مناط بالتمويل».

IMG_9422.jpeg

أعمدة كهرباء توزع أسلاكا على الكرفانات بحسب التنظيم الجديد للكهرباء.

ترشيد الاستهلاك يزيد ساعات التيار الكهربائي

تقول المفوضية أن عدد ساعات التزويد بالتيار الكهربائي أصبح الآن بيد اللاجئ، هو من يتحكم بعدد الساعات التي سيتمتع بها بالكهرباء، فهي حددت سقفًا ماليًا للاستهلاك الشهري بقيمة 500 ألف دولار، وهو ما يفترض أن يوفر تسع ساعات من التيار، وكلما قل الاستهلاك تزيد الساعات.

يوضح ينال مدانات، مهندس الكهرباء في المفوضية، لحبر أن «شركة الكهرباء تحاسب المفوضية وفق تعرفة المنزلي غير الاعتيادي، وهي أعلى تعرفة، ما يشكل عبئًا ماليًا»، مشيرًا إلى أن كلفة الكيلو واط الواحد على المفوضية تبلغ 26.6 قرشًا.

كي يتحكم اللاجئ باستهلاكه، وزعت المفوضية على كل قاطع سكني (مجموعة كرفانات) في المخيم محوّلًا خاصًا به، يحسب استهلاك الكهرباء لساكني ذلك القاطع، وبذلك يحصل القاطع الذي يقل استهلاكه عن المقدار المحدد له على ساعات كهرباء أعلى، والعكس صحيح، بحسب ما يشرح مدانات لحبر.

بالنسبة لكثير من اللاجئين، فإن آلية ترشيد الاستهلاك التي توضحها المفوضية غير عملية. يؤكد بعضهم بأنه لم يفهمها ولم يعرف عنها أكثر من كونها ورقة تعليمات.

«حكولنا إنه نستخدم التلفزيون ساعة، والثلاجة ساعة، وكلشي ساعة، طيب كيف بدي أستخدم الثلاجة ساعة بالنهار عشان أوفر الاستهلاك والأدوية اللي بالثلاجة قاعدة بتخرب؟ لا الأولاد بطيبوا ولا أنا مستفيد منها. عالفاضي»، يقول أبو عماد.

تترقب المفوضية حلًا آخر لمشكلة الطاقة في المخيم. «مشروع الطاقة الشمسية قد يشكّل حلًا جيدًا حال استكماله»، يقول يميزيان لحبر. «عند استكمال مشروع الطاقة الشمسية سيتم إيصال الشبكة الكهربائية الجديدة التي نحتفل بها اليوم بشبكة الطاقة الشمسية، وسيكون ذلك إنجازًا جديدًا، يخفض فاتورة الكهرباء على المفوضية ويوفر الكهرباء بشكل أفضل للاجئين».

الشبكة الجديدة دعت المفوضية للاحتفال مع شركائها من السلطات الرسمية وغيرها من المنظمات، لكن هذه البنية التحتية قد تعني طول أمد الإقامة بالنسبة لساكني الزعتري، الذين لوّنوا كرفاناتهم، ووضعوا حدودًا من طوب لمساحاتهم، وزرعوا بعض النباتات على الأبواب، وحفظوا أسماء الشوارع التي يقيمون بحدودها، والآن، توفرت لهم مقومات عيشٍ قد يطول في المخيم.

«نحن نريد الحفاظ على معايير الرعاية الكريمة لحياة اللاجئين»، يقول يميزيان. «لكن يجب أن نتذكر أن ما نفعله غير كافٍ. أملنا أن تنتهي الحرب ويعود السوريون لديارهم».