العاملون في شركات الأمن والحماية: «دوامة رعب ملهاش نهاية»

الخميس 31 أيار 2018

أكثر من عشرة آلاف شخصٍ يعملون في شركات الأمن والحمايّة وفقًا لنقيب العاملين في الخدمات العامة والمهن الحُرة خالد أبو مرجوب. يتعرّض معظم هؤلاء العاملين والعاملات لانتهاكات عديدة، ويعملون في مهنة مضنية تسلب منهم قدرتهم على التفاعل مع المجتمع المُحيط بهم، وتشعرهم أن لم يُخلقوا لشيءٍ إلا للعمل.

يحكي لنا مجموعة من العاملين في هذا القطاع قصصهم لنتعرف من خلالها على أبرز الانتهاكات العمالية التي يتعرّضون لها.

مشاكل بالجملة

«بظلمونا وباخذوا أبسط حقوقنا، وما حدا سامعنا»، بهذه الكلمات استهلّ محمد* حديثه عن عمله موظّفًا للأمن والحماية. يقول محمّد إنه اضطرّ للعمل في هذا القطاع بعد أن سبق وعمل في عدد من محطّات الوقود والمطاعم، فوجد أن هذا العمل، رغم ما فيه من مشاكل، يعينه على الاستمرار في دراسته الجامعية.

عملَ محمّد في هذه المهنة لثلاث سنوات، حُرم خلالها من الحصول على العطل القانونية، كعطل الأعياد مثلًا. كما فقد القدرة على خلق حياة اجتماعية مقبولة، إذ أنه يعمل من الساعة السابعة مساءً وحتى السابعة صباحًا، وبذا لا يستطيع المشاركة في المناسبات العائلية: «بروّح هلكان بحط راسي وبنام. لا بشوف أهلي ولا بقعد معهم، لو بدي أتعالج فش مجال أتعالج، فش مجال أعمل معاملة حكومية، فش وقت، محروم من الحياة الاجتماعية».

دفعت هذه المهنة محمد للعزوف عن الإنجاب، فأعلى راتب تقاضاه خلال سنوات عمله في هذا المجال كان 240 دينارًا. ولحسن حظّه، كما يقول، أنه وُظّف في مكان قريب من مدينته، حيث يسكن ويعمل في مدينة الزرقاء نفسها، إذ أن الكثير من زملائه ينفقون مبالغ كبيرة من دخلهم على المواصلات.

فضلًا عن ذلك، تعرّض محمد لحادثةٍ تخلت فيها الشركة عن مسؤولياتها تجاهه، وتهرّبت من تقديم الدعم والحماية اللازمتين له في موقع العمل، إذ كانَ مسؤولًا عن حراسة إحدى البواباتِ ويتوجب عليه منع مرور من لا يحملون تصريحًا، إلا أن أحدهم تشاجر معه محاولًا إجباره على منحه الإذن بالدخول رغم عدم اقتنائه للتصريح، فما كان منه إلا أن اتصل بشركته ليُفاجئ بردّهم بأن هذه مُشكلته وعليه أن يحلها وحده، ليجد نفسه في موضع حرجٍ لأنه لو حاول تقديمَ شكوىً للمركز الأمني فإنه سيُعرضُ نفسه للفصلِ من العمل لأن الشركات ترفضُ هذا وتعده إساءةً لسمعتها.

أمّا سبب بقائه في هذا العمل فيردّه إلى أنه «في كثير بطالة عنا بالبلد، بقدرش أترك فرصة الشغل هاي، إذا اعترضت صاحب الشغل رايح يقلي في مية غيري بدهم شغل».

افتقار للحماية

«كثير من الناس بلوموني على هالشغل، بفتح الفيسبوك بلاقي كثير تعليقات علينا، كيف كنا بالجيش وهسا بنشتغل هيك، هذول نفسهم لو رحت أطلب منهم 50 دينار مصروف جامعة لبنتي بقبلوا يعطوني؟ فش حدا بروح للأمن والحماية إلا لأنه محتاج».

بعد إحالته للتقاعد العسكري لم يجد الأربعيني أبو سعد* خيارًا أمامه سوى قطاع الأمن والحماية طلبًا لعملٍ يؤّمن لأسرته قوتها.

واجه أبو سعد صعوبات ومشاكل عديدة خلال السنوات التي عمل فيها في هذا القطاع، في إحدى المرّات اضطّر لجلب «واسطة» لصاحب العمل حتى يمنحه يوميْ إجازة بعد وفاة شقيقته، وهي إجازةٌ لم يحصل عليها عندما سبق وتوفيت جدّته.

وفي حادثة أخرى، تكشف حجم الإهمال الذي يتعرّض له الكثير من العاملين في هذا المجال أثناء أداء عملهم، هجمت عصابة على المصنع الذي يحرسه أبو سعد، وبعد الحادثة طلب أن تزوده الشركة بسلاح، إلّا أن الشركة رفضت ذلك كي لا تدفع مبلغ 40 دينارًا بشكل شهري لمؤسسة المتقاعدين العسكريين ثمنًا للسلاح. ومرةً وُجّه له إنذار لأن المدفأة التي جلبها، كي تقيه برد الشتاء، تصرف الكثير من الكهرباء.
خلال خمس سنوات عمل خلالها في الأمن والحماية، ارتفع راتب أبو سعد من 170 دينارًا إلى 207 دنانير، بعد اقتطاع اشتراك الضمان الاجتماعي، والذي اكتشف أبو سعد عند مراجعتهم أن اسمه ليس مدرجًا في السجلات.

شكاوى من عشر شركات خلال نهاية العام الماضي وبداية السنة الحاليّة

يقول خالد أبو مرجوب، نقيب العاملين في الخدمات العامة، إن الانتهاكات العماليّة في هذا القطاع تتضمن انخفاض الرواتب دون الحد الأدنى للأجور، وطول فترات ساعات العَمَل، وعدم حصول العمّال على مكاسب ومميزات أُخرى غير الراتب، إضافة إلى كونهم عُرضة لإنهاء خدماتهم بشكل مفاجئ، والتنقل كثيرًا من مكان عملٍ لآخر.

كما يعاني العاملون في هذا القطاع من التأخر في صرف الرواتب، وعدم شمول الكثير منهم في مظلّة التأمين الصحي، رغم الفارق الكبير بين ما تتقاضاه شركات الأمن والحماية لقاء خدماتها وبين ما يتقاضاه العامل من أجر.

يقول أبو مرجوب إن النقابة قد تلقت شكاوى من عمال في عشر شركات بين أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي، وتتعلّق الشكاوى بانخفاض الرواتب دون الحد الأدنى للأجور، إضافة إلى عدم منح العمال تأمينًا صحيًّا: «أودعنا عند وزارة العمل مطالب عُماليّة لعاملين في أربع شركات، وأودعنا تسعة نزاعات من بداية السنة».

وعن سبل حل هذه المشكلات، يقول أبو مرجوب إنه لا توجد مظلة قطاعيّة تجمع شركات الأمن والحمايّة سواءً أكانت نقابة أو جمعيّة، لذا فإن نقابة العاملين في الخدمات العامة مضطرة للتعامل مع كل واحدةٍ من هذه المشكلات على حدة، حيث تسعى لحل المشاكل من خلال مخاطبة أصحاب العمل بشكل وديّ، وإذا لم يستجيبوا تحيل الموضوع إلى نزاع عُمالي تخاطب من خلاله وزارة العمل التي تقوم بدورها بالإجراءات القانونية، وتجمع الطرفين على طاولة واحدة؛ النقابة (بوصفها ممثلة للعمال) وأصحاب العمل، وغالبًا ما تحل المشكلة بإصدار اتفاق عمل جماعيّ. مثال ذلك اتفاقية وقعتها النقابة مع واحدة من كبرى شركات الأمن والحماية، واستفاد منها نحو 1100 عامل، بتكلفة قدرها حوالي 610 آلاف دينار، بحسب تقرير للمرصد العمّالي.

و قد نصت الاتفاقية، وفقًا لأبو مرجوب، على التزام الشركة بدفع الحد الأدنى للأجور البالغ 220 دينارًا، وأن يتم الالتزام بنصوص قانون العمل في ما يتعلق بالعطل الرسمية والإجازات السنوية وساعات العمل اليومية.

كما تضمنت أن لا تقل علاوة غلاء المعيشة عن 10% من إجمالي الراتب الشهري لكافة العاملين، وزيادة رواتبهم عند تجديد العقود مع العملاء، مع الأخذ بعين الاعتبار نسب التضخم الصادرة من الجهات الرسمية أو نسبة الزيادة على عقود العملاء عند إقرار الزيادة.

يدافع مسؤولو الشركات، الذين قابلتهم، عن سلوكيّات شركاتهم بالقول إن هنالك العديد من المشاكل في القطاع، أهمها أن عدد الشركات الموجود أكبر من حاجة السوق، وهذا يدفع الشركات إلى تقديم عطاءات بأسعار منخفضة جدًا، وهو ما يضرّ بمصالح العمّال.

يقول علي الزبون، مدير إحدى شركات الأمن والحماية: «العطاءات بتطلب سعر مُعين إلا إنه طالب الخدمة بخبرك انو بدو يوخذ بسعر أقل من واحد ثاني، طيب إذا كان الحد الأدنى للأجور 220 وبعض الشركات بتقدم عطاء بقيمة 260 فقديش حيقتطعوا للضمان وكم حيكون راتب العامل بهالحال؟!»

العمال بين الضمان ووزارة العمل

يشير منوِّر أبو الغنم، مدير التفتيش بوزارة العمل، إلى أن لمفتش العمل الحق بالاطلاع على كافة السجلات والعقود للشركات والمؤسسات، وتوجيه إنذار للشركات المخالفة لتصويب وضعها خلال 48 ساعة، وإذا لم يتم ذلك فإن القضية تُحال إلى المحكمة. ويتم التأكد من أجور العُمال من خلال مُطابقة المبلغ المكتوب في العقد مع سجلات الضمان الاجتماعي. مضيفًا أن «العامل بوقع على سِجل تسليم الراتب وإحنا بنشوف مدى تطابقه مع الحد الأدنى للأجور، أما بالنسبة للعمل الإضافي فهو بموجب القانون ساعتين وضمن شروط وظروف مُعيّنة بتشترط موافقة العامل بحيث لا يمكن إجباره، وإذا اكتشفنا إنه مجبر بتعتبر الشركة مخالفة، وبنتأكد من هالإشي من خلال سؤال العامل نفسه».

وبما يتعلق بالاستغناء عن خدمات العُمال بشكل مفاجئ فيقول إن البت في هذا الأمر يعود للقضاء، فإذا كان هناك عقدٌ مبرم بين العامل ورب العمل فإنه يتوجب على الأخير تعويض العامل عن بقيّة السنة العقديّة، أمّا إذا لم يكن هناك عقدٌ، وبتطبيق قانون العمل، فإن على رب العمل تعويض العامل أمام القضاء.

من جانب آخر، يقول موسى الصبيحي، الناطق الإعلامي باسم موسسة الضمان الاجتماعي، إن الأمن والحماية من القطاعات التي تكثُر فيها الشكاوى حول بعض الحقوق العُماليّة: «وصلتنا كثير شكاوي بتتعلق بعدم إشراكهم بالضمان، وصور عدم الاشتراك كثيرة».

ومن هذه الانتهاكات امتناع كامل عن شمول بعض العامل بالضمان، بحيث تسجل بعض الشركات بعضًا من عمالها فقط، أو تشملهم في الضمان لكن ليسَ على أساس أجره الحقيقي، إذ لا تلتزم بعض الشركات بالحد الأدنى للأجور المُحدد وفقًا لقانون العمل، أو تشغّل العمال لساعات إضافية دون منحهم حقوقهم بحسب الصبيحي.

وعن العقوبات التي قد تطال صاحب العمل غير الملتزم بتسجيل العاملين في الضمان، يقول الصبيحي: «بتم شمول العامل بأثر رجعي من تاريخ عمله، وتحميل المسؤول الفوائد القانونيّة والغرامات عن الفترة اللي ما التزم فيها».


*تم تغيير الأسماء بناء على طلب أصحابها حفاظًا على خصوصيتهم.

تم إعداد هذا التقرير بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).