كيف هيمنت المدارس الخاصة على «سوق» التعليم

تصميم ندى جفّال.

كيف هيمنت المدارس الخاصة على «سوق» التعليم

السبت 31 تشرين الأول 2020

بعد قرار الحكومة تعليق دوام المدارس يوم 15 آذار الماضي للتعامل مع انتشار فيروس كورونا المستجدّ، وإدخال نظام التعليم عن بعد، تجددت خلافات في قطاع التعليم المدرسي الخاص بين أصحاب المدارس من جهةٍ، وأولياء أمور الطلبة والمعلمين في هذه المدارس من جهةٍ أخرى، تدور حول الأقساط التي تدفعها العائلات لهذه المدارس الخاصة بعد توقف التعليم الوجاهي، ونوعية التعليم الذي يتلقاه الطلبة فيها، آخذةً حيزًا كبيرًا من النقاش العام.

ومع غياب تطبيق بعض التشريعات الناظمة لهذا القطاع، اضطر أولياء أمور الطلبة في هذه المدارس والمعلمون فيها، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى تأسيس حملات أهليّة لمواجهة هذه الانتهاكات، فيما تقول وزارة التربية والتعليم إنها تعمل على إعادة النظر في منظومة التشريعات التي تعالج وضع المؤسسات التعليمية الخاصّة.

خلال نصف قرن، تغيّرت الأسباب التي تدفع العائلات إلى إلحاق أبنائها في المدارس الخاصّة، وتغيّر معها حجم الإنفاق على هذا النوع من التعليم الذي صار يشكّل عبئًا على مداخيل هذه العائلات التي تصرّ عليه لأسباب اجتماعيّة، ولتدنيّ جودة التعليم في القطاع الحكوميّ. فيما يتوسع الاستثمار في قطاع المدارس الخاصة سنة بعد أخرى، حتى تجاوز عددُ المدارس الخاصّة عددَ المدارس الحكوميّة في اثنتين من أكبر محافظات المملكة؛ الزرقاء وعمّان، وتقترب أعداد المدارس الخاصة في محافظات أخرى من تجاوز عدد المدارس الحكوميّة. لتبلغ نسبة المدارس الخاصة من مجموع مدارس المملكة العام الماضي 45%، مقابل 53% للمدارس الحكومية، ونسبة الطلبة في المدارس الخاصة 26% من مجموع طلبة المملكة مقابل 68% في المدارس الحكومية. فيما تراجع إنفاق الحكومات المتعاقبة على التعليم الحكوميّ كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح دون الحدّ الأدنى الموصى به من قبل اليونسكو.[1]

يرى محللون اقتصاديون أن تبعات هذا التوسع ستحدث شرخًا اجتماعيًّا في المجتمع نتيجة لوجود نوعين من التعليم للطلبة، وأن هذا النوع من التعليم صار ينحى منحى التجارة، فيما يرى خبراء تربويون أن هذا التوسع ناتج عن تخلي الدولة عن التعليم الحكوميّ. لكن وزارة التربية والتعليم ترى في هذا التوسع شراكةً استراتيجيّة مع القطاع الخاص.

تغيّر المشهد التعليمي على مدى خمسين عامًا

يتذكّر الدكتور والخبير التربوي حسني عايش (87 عامًا) حين كان يعمل مدرسًا في خمسينيّات القرن الماضي أن الأسباب التي كانت تدفع بعض العائلات في كل من الأردن والضفة الغربيّة (التي كانت وقتها جزءًا منه) لإلحاق الطلاب بالمدارس الخاصّة شملت مستوى الطالب الضعيف في المدارس الحكوميّة، واعتماد هذه المدارس نظام المناهج الدوليّة والرغبة في تعليم الطالب لغةً أجنبيّة تساعده على الالتحاق بجامعات أجنبيّة، فيما دفعت فئة ثالثةٌ بأبنائها لهذا النوع من التعليم لأسباب تخص الطائفة، في مدارس خاصة تبشيريّة.

ظلّت أعداد الطلبة في المدارس الخاصّة مقارنةً مع أعداد الطلبة في المدارس الحكوميّة منخفضةً وثابتةً، تتراوح نسبة الأولى للثانية بين 11% و14%، حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي. إلّا أنه ومنذ بداية عقد الثمانينيات بدأ عدد الطلبة في المدارس الخاصة يزيد بسرعة أكبر من زيادة عدد الطلبة في المدارس الحكومية كل سنةٍ، كما تظهر أرقام وزارة التربية والتعليم.

بدأ الاكتظاظ في المدارس الحكوميّة كما عاينته معلمة اللغة الإنجليزية، مها العتوم، التي تقول إن أعداد الطلبة في الصفّ الواحد بمدرستها في ماركا بدأ يزداد بعد حرب الخليج عام 1991، وازداد معه نصابها من الحصص الأسبوعيّة من 18 إلى 24 حصّة، «التعليم بالثمانينات كان ممتاز، بعدين بلّش يتراجع»، تقول العتوم.

بسبب معاينتها لهذا التراجع قرّرت العتوم إلحاق أبنائها بمدارس خاصّة عندما صاروا بعمر المدرسة فترة التسعينيات، مُرجِعة هذا لضعف تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس الحكوميّة، وعدم الاهتمام الكافي بالطلبة فيها.

كما شهد عقد التسعينيات ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الطلبة بالمدارس الخاصة إلى الطلبة بالمدارس الحكوميّة، فمن 14% بداية العقد، وصلت النسبة إلى 21% في السنة الدراسيّة الأخيرة منه.

يُرجع رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مصطفى حمارنة، سبب هذا الارتفاع في أعداد الطلبة بالمدارس الخاصة إلى أن الأزمة التي مرَّ بها الأردن نهاية الثمانينيات، دفعت العائلات في التسعينيات[2] إلى زيادة إنفاقها على التعليم لأن التعليم أحد الروافع للانتقال من حالة اجتماعية إلى أخرى. «إنت بتنفق على التعليم مشان ولادك يطلعوا دكاترة ومهندسين، يعني يطلعوا من حالة اجتماعية إلى أخرى»، يقول حمارنة واصفًا تلك الفترة.

ويرى المحلل الاقتصادي فهمي الكتوت في بداية عقد التسعينيات نوعًا من النمو الاقتصادي بعد توقيع الأردن أولى الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، الأمر الذي أنعش الاقتصاد، ورفع دخول بعض العائلات التي توجهت إلى تعليم أبنائها في المدارس الخاصة، لكنه نموٌّ كما يقول، «سوّى فرق طبقي داخل المجتمع، فيه شرائح تعرضت للضغط وانخفضت إيراداتها، وفيه شرائح بدأت تتحسس مكاسب».

يتوسع الاستثمار في قطاع المدارس الخاصة سنة بعد أخرى، فيما تراجع إنفاق الحكومات المتعاقبة على التعليم الحكوميّ كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.

إضافة إلى ذلك، ساهمت تحويلات الأردنيين العائدين من الخليج، وارتفاع أسعار الأراضي التي حصل عليها أصحابها بالميراث إلى ظهور «المظهر الترفي [الذي] بدأ يظهر في عمان وفي الأردن وهذا المظهر أخذ أبعاده المتعددة أيضًا في التعليم»، كما يقول الكتوت.

بدلًا من زيادة الإنفاق على التعليم لمواكبة أعداد الطلبة المتزايدة، خفضّت الحكومة مع نهاية عقد التسعينيات الإنفاق على التعليم الحكوميّ، حيث تظهر بيانات البنك الدولي أنَّ الإنفاق على التعليم الحكوميّ قد وصل أعلى نسبة له من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1996، بواقع 7.4%، ثم شهد انحدارًا ليصل في نهاية العقد إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي. فيما كان الانحدار في نسبة الإنفاق على التعليم من مجمل الإنفاق العام أشد حدة.

يرى الخبير التربوي نصري الطرزي أن تزامن أزمة الخليج، والخصخصة، والأزمة الاقتصادية، خلق الفرصة لصعود المدارس الخاصة وتراجع الحكومية. «دولة مش قادرة تغطي الطلاب الجداد اللي أجوا، وفي سوق خصخصة، صار كل شي سلعة، مثل التعليم، وكانت نتيجته المنطقية إنه الدولة مش قادرة تغطي، فدخل القطاع الخاص بمدارس تستهدف الربح، ولا تختلف نوعيًا عن منهجية المدارس الحكوميّة في الغالب الأعمّ».

مع بداية الألفية الجديدة، كان الإنفاق على التعليم الحكوميّ من الناتج المحلي الإجمالي مستمرًا بالانخفاض، ووصل إلى 4%. وبالمقابل، استمر الارتفاع في عدد المدارس الخاصة ووصلت نسبتها إلى المدارس الحكوميّة، مع بداية الألفية، 38%.

تضخّم غير مضبوط

مع هذا الانتشار في المدارس الخاصة وتباين جودة التعليم فيها، لم يكن هناك نظام تصنيفٍ لها على غرار أنظمة تصنيف بعض الدول العربيّة، مثل الإمارات العربية المتحدّة، واقتصر قانون التربية والتعليم رقم 3 لسنة 1994 وتعديلاته على تصنيف المؤسسات التعليمية الخاصة إلى فئات يحدد لكل منها الحد الأعلى للرسوم والأجور التي تتقاضاها من أولياء الأمور، والحد الأدنى لرواتب المعلمين، وذلك وفق معايير خاصة يحددها نظام يصدر لهذه الغاية، دون أن يكون هناك تفصيلات أخرى تتعلّق بالرقابة على جودة التعليم المقدم في هذه المدارس. وعلى الرغم من ذلك، لم يصدر نظام التصنيف هذا حتى اللحظة.

يقول وزير التربية والتعليم الأسبق، فايز السعودي، إنه أثناء وجوده وزيرًا في وزارة التربية والتعليم سنة 2012، طرحت الوزارة فكرة تصنيف المدارس وفقًا للخدمات التي تقدمها ليتمكّن ولي أمر الطالب من إلحاق ابنه في المدرسة التي يعتقد أن خدماتها مناسبة للرسوم التي سيدفعها. «كان في إشكالية بالموضوع إنه سيتم تصنيف المدارس رقميًا، مدارس A مدارس B مدارس C، وكان في رفض من القطاع الخاص لإنه بيعتقدوا إنه هذا التصنيف يؤثر على أعداد الملتحقين بالمدارس».

وبحسب السعودي، لم تكن الرقابة على النظام التربوي في هذه المدارس كافيّةً، إضافة إلى غياب معايير لهذه الرقابة بالأصل، إذ «يجب أن يكون هناك معايير دقيقة للخدمات التعليمية التي تضعها الوزارة»، بحسبه.

هذا ما يدعمه معن مقابلة، رئيس التعليم العام وشؤون الطلبة في إربد، إذ يقول إنه لا توجد أي رقابة إشرافيّة على المدارس الخاصّة من قبل وزارة التربية والتعليم في بعض المحافظات، وتقتصر الرقابة على هذه المدارس على الجانب الإداري مثل الحصول على رخص الأبنية والتراخيص. «بيروح المشرف تبرعًا، رقابة فنية إشرافية ما في، إني أزور الطالب كرئيس قسم التعليم الخاص أجبر المشرف في قسم الإشراف يتابع معلمي المدارس الخاصة لأ».

واصل الانخفاض في الإنفاق على التعليم الحكومي أكثر بداية هذا العقد، ووصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي العام 2019، في حين ارتفعت أكثر نسبة المدارس الخاصة إلى المدارس الحكوميّة ووصلت إلى 46% العام الدراسي 2019-2020. فيما تركز هذا الإنفاق القليل بالأصل على الرواتب، فعلى مستوى التعليم الأساسي مثلًا «يتم تخصيص 83% من التكلفة للرواتب مما لا يترك مجالًا يذكر لأي نفقات أخرى».[3]

وفيما يرى خبراء تربويون في انتشار المدارس الخاصة بهذا الشكل إشكالية، وتحويلًا للتعليم إلى تجارة، لا يرى مدير مديرية التعليم الخاص بوزارة التربية والتعليم، فايز المعاريف، سببًا يدفع لتقييد التوسع في بناء المدارس الخاصّة. ويقول، «ما في أنظمة وقوانين تمنع انتشار المدارس الخاصة، بالعكس هي بتكون مساعدة للمؤسسات التعليمية الحكوميّة». أمّا فيما يتعلّق بغياب معايير الرقابة على العملية التربوية في المدارس الخاصة فيقول المعاريف إنه يجري العمل حاليًا مع وحدة جودة التعليم والمساءلة لوضع معايير جودة مخرجات العملية التعليمية في المؤسسات التعليمية ومنها المدارس الخاصة.

عمَّ يبحث الأهالي في المدارس الخاصة؟

تُظهر نتائج دراسة البرنامج الدولي لتقييم الطلبة ضعفًا في نتائج مستوى الطلبة في القطاعين؛ العام والخاص، حيث يقع مستوى الطلبة في القطاعين ضمن المستوى المتدني،[4] لكن يتفوّق طلبة القطاع الخاص على طلبة القطاع الحكوميّ، فيما يتفوّق طلّاب المدينة في اختبارات البرنامج على الطلبة في الريف، ويرجع هذا التفاوت في جزء منه إلى التباين في المستوى الاقتصادي والاجتماعي إضافة إلى عوامل أخرى تتمثل في أن «مدارس المدن  تشمل على عدد كبير من القطاع الخاص ذات مصادر التعلّم الغنيّة والتي تمتلك قدرًا مناسبًا من الاستقلاليّة في إدارة مصادرها المختلفة».[5]

خلصت المعلمة بشرى عربيات خلال عملها في تدريس مادة الفيزياء منذ بداية التسعينيات وحتى العام 2012، في أربع مدارس خاصّة، منها مدارس تعتمد النظام التعليمي الدولي، إلى أن التعليم بالمدارس الخاصة صار بعيدًا عن التركيز على المنظومة التعليمية؛ إذ لاحظت أن بعض المدارس الخاصّة تهتمّ بالمرافق على حساب مستوى التعليم، مثل توفرّها على مسابح، وفي الوقت نفسه ليس فيها مختبرات للعلوم. «هي فنادق خمس نجوم، لكن خدمة التعليم مش مرموقة، كنت أقعد سنتين وثلاثة وأشوف العجب؛ طلاب مش متأسسين».

لم يكن مستوى التعليم المعيار الوحيد لاختيار المدارس الخاصة من قبل العائلات التي قابلناها؛ إذ تعتقد هذه العائلات بأن عوامل مثل غياب الأمان، والتسرب في المدارس الحكوميّة من الأسباب التي دفعتها لإلحاق أبنائها في مدارس خاصّة، فقد تبيّن مثلًا «عند سؤال الطلبة أن 40% منهم قد تغيبوا مدة يوم كامل بدون سبب خلال آخر أسبوعين».[6]

ألحق حمزة مجدلاوي الذي يعمل في قطاع السياحة أبناءه بالمدارس الخاصّة دون الحكوميّة منذ صاروا في عمر المدرسة، لاعتقاده أن التعليم في المدارس الخاصة أفضل، خاصةً ما يتعلّق بأمور متابعة الطالب منذ الصفوف الأولى. فيما يقول فادي سليمان الذي يعمل في قطاع الطاقة بين الأردن والإمارات، ولديه طفلان في المدارس الخاصة، إنَّ السبب الذي جعله يختار المدارس الخاصة دون الحكوميّة هو تدني المستوى في الأخيرة بالإضافة إلى تخوّفه من تعرضهم للتنمّر، وعدم توفر بيئة مدرسيّة نظيفة، لكنه يستدرك، «طبعًا، بديش أعمم، بسمع إنه في مدارس حكوميّة بتكون إدارتها كويسة ولكل قاعدة شواذ».

«هي فنادق خمس نجوم، لكن خدمة التعليم مش مرموقة».

تدفع بعض العائلات من دخلها على التعليم في المدارس الخاصة 50% وارتفعت هذه النسبة إلى 70% لدى عائلات أخرى. ويجمع أولياء الأمور الذين قابلناهم أنَّ ما يتمّ دفعهُ على الأبناء في التعليم الخاص حرمهم من مشاريع أخرى كانت لتؤمن مستقبل عائلاتهم لو توفر نفس جودة التعليم في المدارس الحكوميّة.

يدرس أبناء الموظفة الحكوميّة نهى الشعلان الثلاثة في مدارس خاصة تصفها بأنها «مدارس عاديّة» وتدفع من الأقساط ما مجموعه خمسة آلاف دينار سنويًا. وتصف بداية كل سنة دراسيّةٍ أو قرب دفع أقساطهم لهذه المدارس بأنه أمرٌ مرهق نفسيًا وماديًا، «إحنا بنبّدي التعليم على الأكل والشرب». حرمت المبالغ التي تذهب أقساطًا للمدارس الخاصة عائلة الشعلان من الكثير كما تقول، منها حرمان أطفالها من تنمية هواياتهم. «في عندي بنت بتحب الرسم، كان دفعت عليها مبالغ أأهلها أكثر، لكن لما التعليم يرهقني، ما رح أقدر، خلال الشهر بدي أأمن 400 دينار».

يرى الطرزي أن المشكلة الكبرى التي قادت إلى التوسع في بناء المدارس الخاصة هي ترك الدولة التعليم الحكومي بعد تحقيقها إنجازًا في الكمّ، مثل نسبة التحاق الطلبة بالمدارس الحكوميّة، ويقول إن الدولة «لما غطّت الكمّ ما انتقلت للتركيز على [النوع]، باعتقادي كان هذا المقتل للمدرسة الحكوميّة. المؤسسة الرسمية شعرت الرضا عن الذات إلي حققته بالمدرسة الحكوميّة وما سألت كيف ممكن [ترتقي بالتعليم] وبالتالي ما صار في إمكانيّة إنك تعمل تعليم نوعي فتردي التعليم الحكومي».

من بين الأسباب التي يردّ إليها السعودي ارتفاع اعتماد العائلات الأردنية على التعليم الخاص دون الحكوميّ، النقص في المدارس الحكوميّة، وقلّة الخدمات فيها، ووصول الطلبة إليها بسبب مشاكل النقل في المملكة بشكل عام.

تعاني المدارس الحكوميّة من عدم كفاية الأبنية المدرسيّة، الأمر الذي دفع الوزارة إلى استئجار أبنية لكنها «لا تفي بالمعايير المعتمدة للمدارس بمستوى المدارس المملوكة»،[7] بالإضافة إلى الاكتظاظ في المدارس الحكوميّة، وارتفاع عدد المدارس التي تعمل بنظام الفترتين خلال السنوات العشرة الأخيرة من 8% إلى 22%،[8] وهذا بدوره أدى إلى الضغط على البنية التحتيّة والبيئة الصفيّة وعدد ساعات التعليم للأطفال في تلك المدارس، مما أدى إلى تراجع جودة التعليم.[9] وبقيت الغرف الصفيّة بدون أساليب التعليم الحديثة والتكنولوجيا إذ أنَّ 21% من المدارس تفتقر إلى خدمة الإنترنت، و79% منها التي تتوفر فيها خدمة الإنترنت تعاني من بطء الخدمة.[10]

ويعدّ الإنفاق[11] على التعليم للأسرة الأردنيّة في المرتبة الثالثة بين مجموع السلع الغذائيّة وغير الغذائية بعد: المسكن والمياه والكهرباء والغاز، والنقل.

وصلت نسبة الطلبة الأردنيين في العام الدراسي 2018\2019 في المدارس الخاصّة إلى أكثر من الربع.[12] فيما تضاعفت أعداد المدارس الخاصة في الأردن خلال نصف قرن 18 مرةً، من 184 إلى 3375 مدرسة لتصل نسبتها إلى المدارس الحكوميّة 46%.

خلافات مستمرة

تعود الخلافات بين أصحاب المدارس الخاصّة وأولياء الأمور إلى سنوات طويلة، وتدور بشكل أساسي حول ما يقول أولياء الأمور إنه رفع للأقساط المدرسيّة بشكل مخالف للنظام، إلى جانب ارتفاع رسوم الزيّ والكتب والمواصلات.

لا يعرف أولياء الأمور الذين قابلناهم إن كانت الرسوم التي يدفعونها لهذه المدارس تتناسب ومخرجات التعليم فيها في ظل غياب نظام تصنيف، ومراقبة أداء، وتقييم مخرجات التعليم في هذه المدارس. وتبدأ المشكلة هذه؛ أي الفرق بين ما يتم دفعه وما يتم الحصول عليه من مخرجات تعليم، منذ اللحظة الأولى التي يقرر فيها ولي الأمر اختيار مدرسة خاصةٍ لأطفاله.

يقول سليمان عن السنة التي انتقل فيها مع عائلته إلى الأردن من الإمارات وبدأ فيها بالبحث عن مدرسة خاصة لولديه: «كأنك نازل على السوق، بفتش، بتمسك البندورة على الحبة المليحة والعاطلة، كان من الممكن نلاقي مدرسة أفضل وبسعر أرخص ولكن بحكم إنه أنا ما عندي القدرة على البحث بطريقة منظمة، فاضطريت أروح للمسموعيّات».

ويقول أولياء أمور إن واحدة من المشاكل التي تواجههم كذلك هي مشكلة رفع المدارس الخاصة للأقساط المدرسية عامًا بعد عامًا خلافًا للنظام، بالإضافة إلى تكلفة بيع المقررات التدريسيّة بأضعاف سعرها. توصل سليمان هذه السنة إلى اتفاق مع المدرسة بعد نقاش يقضي بشرائه كتب أطفاله من خارج المدرسة، «وفرت ما يقارب 200 [دينار]» يقول.

مع بدء العام الدراسي الجديد الذي أعقب تعليق الدراسة شهدت مدارس المملكة الحكوميّة انتقال أكبر حصيلة طلاب في تاريخ الانتقالات بواقع 51 ألف طالب من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكوميّة.

تضغط بعض هذه المدارس على أولياء الأمور ليدفعوا لها الأقساط التي قامت برفعها، وحين يناقش ولي الأمر مع إدارة المدرسة مسألة رفع الرسوم، تقول له إدارة المدرسة إن بإمكانه نقل طفله لمدرسة أخرى، يقول سليمان، «أنا بودّي ابني على مدرسة إنه يكمل 12 سنة فيها، لكن في نص الطريق فجأة بلاقي الأسعار صارت بالعالي وصار ضغط شديد عليّ، وكيف أروح على مدرسة ثانية أنا ابني صار متعلق عاطفيًا ونفسيًا في هذه البيئة مع الأطفال مع المدرسة. فصار هناك نوع من الابتزاز العاطفي، يا بتترك المدرسة وبتكسر بخاطر ابنك وتعقده نفسيًا يا تدفع وإنت ساكت».

تجمّع أولياء أمور طلبة السنة الماضية في حملة أهلية سمّوها «زودتوها»، بهدف مواجهة ما يقولون إنه تغول من قبل المدارس الخاصة على أولياء الأمور وعدم التزام المدارس الخاصة بالقوانين والتشريعات الناظمة.

خلال الجائحة، أنهت مدارس خاصّة خدمات معلمين فيها، وسمح لها تقليد توقيع المعلم مع بداية كل عام دراسيّ على عقد جديد أن تكون عملية الإنهاء قانونيّة إذ تعتبر الشهور الثلاثة الأولى فترة تجربة في العقد وفقًا لقانون العمل، وخفضّت أخرى أجورهم، وبقيت أقساط الطلبة في كثير من المدارس كما هي رغم تغيّر نظام التعليم من الوجاهي إلى التعليم عن بعد.

ومع بدء العام الدراسي الجديد الذي أعقب تعليق الدراسة شهدت مدارس المملكة الحكوميّة انتقال أكبر حصيلة طلاب في تاريخ الانتقالات بواقع 51 ألف طالب من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكوميّة، بزيادة عن أعلى رقم مسجل بـ 11 ألف طالب منتقل. وكان بينهم أبناء حمزة مجدلاوي، إذ نقل أولاده بعد مسيرة 12 سنة في تدريس أبنائه في المدارس الخاصة إلى مدارس حكوميّة بسبب رفض الأولى تخفيض الأقساط، يقول «لو تعاونت المدرسة الخاصة في جائحة كورونا كان خليتهم بالمدرسة». فيما تقول الشعلان إن المبلغ الذي أُعيد لها من أصل 2000 دينار هي أجور مواصلات لأبنائها الثلاثة لم تتجاوز 25 دينار.

بالمحصلة، تجاوز عدد المدارس الخاصة عدد المدارس الحكوميّة في بعض المحافظات، فقد وصل عدد المدارس الخاصة في عمان 1446 مدرسة مقابل 889 مدرسة حكومية. أما في الزرقاء، فبلغ عدد المدارس الخاصة 424 مقابل 387 مدرسة حكوميّة. وما زال قطاع التعليم المدرسي الخاص يتوسع، حيث تشارف نسبة المدارس الخاصة في كل من محافظات البلقاء وإربد ومأدبا وعجلون على تجاوز المدارس الحكوميّة وفقًا للنمو الحاصل في السنوات الأخيرة،[13] فيما يتركزّ الاستثمار في المدارس الخاصة في مراحل؛ الروضة (54%) ثم الأساسي (37%)، ثم الثانوي (9%)،[14] وتقع أغلب هذه المدارس في المدن.[15]

رقابيًا، يرى السعودي الحل في أن تتبع المدارس إلى مديريات التربية والتعليم في جميع أنحاء المملكة لا أن تتبع إلى مديرية واحدة ليصبح مجال المتابعة وتقييم مخرجات العملية التعليمية في هذه المدارس أفضل، من خلال وجود كادر إشرافي على هذه المدارس بحيث يعاد ترتيب المديريات أو أقسام المديريات لتشمل كل ما يتعلق بالمدارس الحكومية والخاصة، مقترِحًا أن يقوم بمهمة الرقابة جهة خارج الوزارة. «التقييم إذا كان من داخل الوزارة معناته أنا اللي بدي أشتغل وأنا اللي بدي أقيم نفسي».

فيما يقترح معن مقابلة حلًا لهذا التوسع في الاعتماد على المدارس الخاصة، من خلال بناء مدارس أكثر، والاهتمام بالوضع الاقتصادي للمعلمين في وزارة التربية والتعليم وتشديد الرقابة على المدارس الخاصة، خاصة الموجودة في القرى، بحيث يتم تعيين مدير المدرسة الخاصة من وزارة التربية والتعليم الأمر الذي سيسمح للمدير بضبط المدرسة بعيدًا عن ضغوطات صاحب المدرسة.

تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).

  • الهوامش

    [1] أوصلت اليونسكو بضرورة إنفاق ما بين 4-6% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم، التقرير العالمي لرصد التعليم، المساءلة في مجال التعليم، ص 264.

    [2] انخفضت قيمة الدينار نهاية الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات وتضاعفت كذلك المديونية العامة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي. للمزيد: الاقتصاد الأردني قبل 1989: تعبيد الطريق لحتمية الصندوق.

    [3] الخطة الاسترايتيجة لوزارة التربية والتعليم 2018-2022، ص 35.

    [4] دراسة البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (التقرير الوطني) 2012، ص 70.

    [5] دراسة البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (التقرير الوطني) 2012، ص 103.

    [6] الاستراتيجية الوطنيّة لتنمية الموارد البشرية 2016- 2025ـ ص 119.

    [7] الخطة الاستراتيجية لوزارة التربية والتعليم 2018-2022، ص 23.

    [8] وفقًا للتقارير الإحصائيّة السنوية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم (ما عدا 2010-2011).

    [9] الخطة الاستراتيجية لوزارة التربية والتعليم 2018-2022، ص 22.

    [10] الاستراتيجية الوطنيّة لتنمية الموارد البشرية 2016- 2025، ص 118.

    [11] دائرة الإحصاءات العامّة، مسح نفقات ودخل الأسرة،  2017.  

    [12] تبلغ نسبة الطلبة في المدارس الخاصة إلي الطلبة في باقي المدارس وهي الحكوميّة والأونروا والعسكرية والتي تشرف عليه وزارة التنمية الاجتماعية 26%. فيما تصير نسبة الطلبة في المدارس الخاصّة إلى المدارس الحكوميّة فقط 28%، وفقًا لأرقام العام الدراسيّ 2018/2019.

    [13] وزارة التربية والتعليم، التقارير الإحصائيّة السنوية للأعوام الدراسيّة 2018-2019/2010-2011.

    [14] يبلغ عدد المدارس الخاصة، 3354 منها،1813 روضة، و1246 أساسي، و295 ثانوي وفقًا لأرقام العام الدراسي 2018-2019.

    [15] يبلغ عدد المدارس الخاصة في الأردن للعام الدراسي 2018-2019 ما مجموعه، 3354، منها 2798 (83%) في المدن. وفقًا لوزارة التربية والتعليم، التقرير الإحصائي السنوي 2018-2019، ص 24.