«شفت قدام عيني الأولاد بتجرفهم المي»: ليلة عصيبة في البحر الميّت

السيول في موقع حادثة البحر الميت، بعد انهيار جسر في منطقة الزارة.

«شفت قدام عيني الأولاد بتجرفهم المي»: ليلة عصيبة في البحر الميّت

الجمعة 26 تشرين الأول 2018

تنويه: تم تحديث بعض معلومات هذا التقرير بناء على ورود تفاصيل أحدث حول موقع الطلاب خلال الحادث.

كانت الساعة تقارب الثانية فجر اليوم الجمعة، عندما اتصل تامر أبو السندس والد الطفلة المفقودة ميلار، ذات الأربعة عشر عامًا، من عمّان بشقيقه أسامة الواقف على طرف السيل الجارف في منطقة البحر الميت، يخبره بأنهم لم يجدوها بين الجثث في مستشفى البشير. «الحمد الله»، يرد أسامة على تامر، فذلك بالنسبة للعائلة يعني المزيد من الأمل بأن تكون ابنتهم على قيد الحياة، والمزيد من الإصرار على استكمال البحث، بعد ورود أنباء عن تعليق البحث عند منتصف الليل، ليستأنف في ساعات الصباح، وهو ما نفاه الدفاع المدني لاحقًا.

قبل ذلك بساعتين، في الساعة 12 منتصف الليل، سقطت والدة ميلار في مستشفى الشونة الجنوبية أرضًا بعدما أخبرها الطبيب هناك بعدم وجود ابنتها بالمستشفى وسمعت بقرار وقف البحث. كان مستشفى الشونة الجنوبية، القريب من مكان الحادثة، وجهة أخيرة للبحث عن الفتاة بعدما تنقلت العائلة بين مستشفيات البشير والسلط والشونة الجنوبية، ثم البشير والسلط مجددًا، دون أي أخبار عن ابنتهم. فقرر أبناء عمومتها خوض عملية البحث عن ميلار بأنفسهم.

في ساعات الظهيرة يوم الخميس، كان باص مدرسة فكتوريا الخاصة قد توقّف في منطقة عين الزارة، بعد بضعة كيلومترات من مفترق الطريق المتفرع باتجاه منطقة بانوراما البحر الميت، ضمن برنامج رحلة مدرسية كانت مقررة الخميس إلى وادي زرقاء-ماعين، وهو أحد الوديان المائية المحاذية للبحر الميت، وينقسم إلى جزأين، الأسفل منه يبدأ من ماعين وينتهي بالبحر الميّت في منطقة الزارة، التي دائمًا ما تستقطب الزوار للتنزه أسفل الجسر. وكان الطلاب قد انقسموا إلى مجموعات، سارت إحداها في قاع الوادي، لخوض «مغامرة عكس التيار»، كما جاء في برنامج الرحلة التي نظمتها شركة «جوردان إيكو» بالتعاون مع المدرسة، وكما نقلت المعلمة الناجية من الحادث مجد الشراري في مقابلة مع قناة المملكة.

نزل العديد من الطلبة من الباص للتنزه، وكان أحمد الجالودي ابن الصف السابع من بينهم، وإلى جانبهم كانت عائلات عديدة جاءت للتنزه كذلك، منهم عائلة وائل العلي، ومنهم أحمد، السائح الفلسطيني القادم من نابلس. أثناء جلوسهم، باغتهم فجأة تدفّق سيل جارف من أعلى الجبل قادم من مادبا، تكوّن نتيجة الأمطار الغزيرة التي شهدتها الأردن الخميس.

جرف السيل الطلاب، وبعض المتنزهين، ليتوفى منهم 20 شخصًا معظمهم من الأطفال، ويصاب 33، من بينهم كوادر في الأمن العام. وقال مدير عمليات الدفاع المدني، فريد الشرع لحبر، قرابة العاشرة من صباح الجمعة، إنه ما من بلاغات جديدة حول مفقودين، لكن الدفاع المدني ينتظر للتأكد من غياب أي بلاغ. وحتى ذلك الوقت، كان أهل الفتاة سارة أبو سيدو ما يزالون يبحثون عن ابنتهم.

رسميًا، صدرت عن جهات حكومية عدة تصريحات، كان أبرزها ما غرّد به رئيس الوزراء، ملقيًا اللوم والمسؤولية على المدرسة المنظمة للرحلة المدرسية، لأنها غيّرت مسار الرحلة المقررة بعدما كانت قد أخذت الموافقة من وزارة التربية والتعليم بتنظيمها لمنطقة الأرزق، وليس البحر الميت. كما صدرت تصريحات تتوعد بعقوبات قاسية للمدرسة من الناطقة باسم الحكومة جمانة غنيمات ووزير الدولة للشؤون القانونية مبارك أبو يامين، الذي قال إن الحكومة ستلاحق المدرسة قانونيًا وجنائيًا.

وكانت مصادر رسمية «إسرائيلية» قالت أمس إن جيش الاحتلال شارك في عمليات البحث والإنقاذ، بناء على «طلب الحكومة الأردنية»، هو ما لم تؤكده الحكومة أو تنفه بعد.

أفرقة الدرك والدفاع المدني في موقع الحادثة، ولافتات تحذر من السباحة والانهيارات.

البحث عن المفقودين

«لو إنها بنت الرزاز أو الروابدة كان ضوو الجبل»، يقول أحد أقرباء ميلار، في استهجانه لقرار تعليق البحث عن المفقودين الذي تم تناقله.

الشرع صرح لحبر نافيًا إيقاف عمليات البحث عند منتصف الليلة الماضية، وقال إن البعض قد يكون فسر تغيير المناوبات على إنه إيقاف للبحث. وأضاف أنه في عدد من المواقع، تم تقليل عدد الأشخاص القائمين على البحث خوفًا من الانهيارات والسيول.

أقارب ميلار، وسيارات الدفع الرباعي لمتطوعين تواجدوا للمساعدة في المكان، ساروا بعد منتصف الليل باتجاه نقطة التقاء السيل بالبحر، بعدما وصلهم خبر العثور على كنزة سوداء هناك، فقد كانت ميلار ترتدي الملابس السوداء بحسبهم، وبعدما قالت فتاة ناجية صديقة ميلار إن الأخيرة خرجت من السيل.

نزل أعمام الفتاة وأقاربها باتجاه البحر، ولحقتهم لمساعدتهم كوادر من الدفاع المدني المتواجدة هناك، وسيارات المتطوعين. لكنهم لم يعثروا على شيء باستثناء حذاء ليسوا متأكدين بأنه يعود لابنتهم.

ناشد رجال الدفاع المدني أقارب الفتاة والمتطوعين بالعودة، والصعود إلى مكان أعلى خوفًا على حياتهم، لأن الأمطار عادت للهطول بغزارة، والأخبار تتحدث عن إعادة تشكّل السيل النازل من مادبا والذي أدى للحادثة في الصباح.

جلس أعمام الطفلة على طرف التلة، ليقول أحدهم «كيف بوقفوا البحث؟ يعني لو إنها عايشة وخابط راسها بحجر نتركها للكلاب تنهشها وتقتلها؟»، رافضين العودة قبل العثور على الفتاة.

في حوالي الساعة العاشرة من صباح الجمعة، عثر الدفاع المدني على جثة فتاة جرفتها المياه إلى عرض البحر، اتضح أنها ميلار أبو السندس.

خريطتان توضحان موقع الحادثة ومجرى السيل في وادي زرقاء ماعين.

شهود على الحادثة

في طريقه للعقبة توقف أحمد عند منطقة الزارة، وهي نقطة مخرج وادي زرقاء ماعين باتجاه البحر الميت. «كثير بحكوا عنها الناس قلت أروح أشوفها»، يقول في اتصال هاتفي مع حبر. كان أحمد قادمًا من نابلس قبل أيام للاحتفال بزفاف شقيقته، ورغب في أن يقضي ما تبقى من إجازته في جولة سياحية بالأردن.

خلال وقوف أحمد على التلة المقاربة للسيل تدفقت مياه جارفة فجأة من الجبل، جرفت كل ما أمامها بحسبه، صخورًا وبشرًا، «شفت قدام عيني الأولاد بتجرفهم المي». كما رأى رجلًا معلقًا على صخرة لمدة طويلة.

على مقربة منه كان الطفل أحمد الجالودي قد جرفته مياه السيل، لكن الشاب أحمد، «فاعل الخير» كما يرغب في التعريف عن نفسه، تمكن من انتشال الطفل الذي كان في وضع صحي صعب كما يصف.

تمكن الطفل من أن يعطي رقم هاتف والده، ماهر الجالودي، لأحمد المنقذ، ونقل الطفل لسيارة الإسعاف التي وصلت خلال نصف ساعة، كما يقول أحمد. توجه ماهر للمستشفى بعدما تأكد من الخبر، وكان ابنه في حالة متوسطة يتقيأ بشكل مستمر طينًا وترابًا، إلا أن حالته استقرت.

بجانب غرفة أحمد، كان وائل العلي مصابًا، بعدما تعلق على صخرة لفترة طويلة، وهو يحاول إنقاذ عدد من الأطفال.

كانت عائلة العلي في رحلة تنزه للمنطقة تقول زوجة وائل، وقد أنهوا الشواء دون أن يسبحوا بسبب حالة الطقس. وضبّت العائلة أغراضها استعدادًا للعودة للمنازل في القويسمة بعد هطول الأمطار، لكن السيل نزل فجأة جارفًا الأطفال، فهبً وائل وأشقائه الثلاثة لمساعدة الأطفال وانتشالهم، ونزلوا للسيل ولم يصعدوا.

حتى إجراء المقابلة مع وائل الساعة 11 مساء، لم يكن هو أو زوجته يعرفان مصير أشقائه، الذين ظلوا جميعًا أحياء، ذلك أن وائل أمسك بشقيقه وتمسكا بصخرة خلال سير السيل، لكن موجة عالية غطتهما، ليفقد وائل أخاه، ويبقى هو ممسكًا بالصخرة، ليتمكن بعدها بفترة من الوصول لطرف السيل وانتظار وصول الدفاع المدني.

يقدّر وائل بأن الدفاع المدني وصل بعد نحو 45 دقيقة، فراح ينادي قبل أن يستدل الدفاع المدني عليه ونقلوه للمستشفى الشونة الجنوبية وهو مصاب بالكسور والرضوض.

السيول في موقع الحادثة في نهاية وادي زرقاء ماعين. 

غضب أمام المدرسة

على باب مدرسة فكتوريا في منطقة خلدا في عمان، كما على باب مستشفى الشونة الجنوبية، كان العشرات يتجمهرون بانتظار تعليقات رسمية أو أجوبة حول أبناء أو أقرباء مفقودين أو مصابين.

أمام المدرسة، أجابت معلمة في المدرسة أحد أولياء الأمور السائلين عن أبنائهم طالبة منه أن يتصل بمستشفى السلط ليسأل عن الطالب المفقود، ليدور جدل حول استجابة الخط الأرضي لمستشفى السلط.

تقول المعلمة لحبر إن مديرة المدرسة غير متواجدة بعد نقلها للمستشفى لإصابتها بصدمة، تحديدًا أن ابنتها كانت من بين المفقودين -حتى ذلك الوقت- ولا أحد مصرّح له بالتصريح، وعلى جانبها معلمات أخريات يبكين زميلة لهن تأكدن من وفاتها في الحادثة، كانت واحدة من خمسة مرافقين للرحلة التي يقدر عدد الطلاب المشاركين بنحو 40 طالبًا.

في الخلف والدة تقف بحالة صدمة، تقول إن ابنها عاد في اليوم السابق من المدرسة وأخبر والدته بأن أبناء صفه في الغد سيذهبون في رحلة مدرسية، ولا رغبة له بمشاركتهم ويفضل البقاء في  المنزل. لكنه في هذه الأثناء مصاب بحالة انهيار وهو ينتظر معرفة أسماء أصدقائه المتوفين.

هطول الأمطار الغزيرة في منطقة البحر الميت استمر حتى الساعة الثالثة فجرًا، مع تشكل العديد من السيول أعلى الطرق لتشهد ثلاثة نقاط رئيسية بين عمان والبحر الميت إغلاقات وانهيارات.

فجسر زرقاء ماعين الذي شهد الحادثة انهارت أعمدة منه فجرًا، بحسب ما صرحت الكوادر الأمنية الموجودة في المنطقة محذرةً المتواجدين من السير والوقوف عليه.

كما انهار جسر إسمنتي يقع بين منطقة الفنادق وتقاطع البانوراما. وانهار الشارع المحاذي للجسر، والذي تم تحويل السير إليه قبل قرابة عام من اليوم.

في الجهة الأخرى للطريق من عمان للبحر الميت، شهدت طريق ماعين – بانوراما البحر الميت إغلاقات عديدة على امتداد الطريق، نتيجة انهيارات شهدتها الجبال المحاذية أدت إلى تراكم الحجارة والصخور، ما أدى إلى توقف حركة السير ما يزيد عن ساعة ونصف، قبل أن تفتح جرافات وزارة الأشغال العامة الطريق.

وكانت مديرية الأمن العام أعلنت أنه سيتم في الساعة السابعة من صباح الجمعة إغلاق الطرق المؤدية لمكان عمليات البحث والإنقاذ (العين الساخنة) بالاتجاهين.

الشارع المنهار فجر الجمعة.