التحول البطيء نحو التطرف: ما الذي حدث للزرقاء؟‎

الأربعاء 03 آب 2016
بعدسة ألكسندر روغوف لموقع بانوراميو.

في عام 2012، بدأ محمد موسى، والذي يدير مدرسةً حكوميةً في لواء الرصيفة بمحافظة الزرقاء، يلاحظ تغيرًا «مثيرًا للشكوك» لدى أحمد* الطالب في مدرسته.

وبعد أن بدأ الطالب ذو السبعة عشر عامًا ينتقد سلوكيات الآخرين «المخالفة للشرع»، ويرفض الاستماع إلى السلام الملكي الصباحي على اعتبار أنه «حرام»، قرّر المدير تحويله إلى المرشد النفسي في المدرسة للتعامل معه.

بيد أن أحمد لم يعد إلى المدرسة في الفصل الثاني من تلك السنة الدراسية، وتناقل الناس في المنطقة أخبار مقتله في سوريا بعد أشهرٍ قليلةٍ. بالطبع، أحمد ليس وحيدًا، فهناك حوالي ألفا مقاتل أردني حتى شهر آذار 2016 يخوضون المعارك مع الجماعات المقاتلة في سوريا والعراق، وينحدر جزء منهم من الرصيفة التي يصفها عدد من الباحثين في الحركات المتطرفة بـ«البؤرة الساخنة».

يعلّق موسى على هذه الحادثة بأنه «مش مستغرب من نسبة الشباب اللي بتروح، متوقع، إحنا ناس تحت خط الفقر، بيئتنا بيئة مهمشة، فقيرة، واقع الحالي غير مرضي للأسر والكثافة السكانية عالية، أول مرة ما في شغل، ثاني مرة ما في شغل، بعدين بده يتفاعل مع الناس في الشارع».

كانت الرصيفة، التي ولد ونشأ فيها موسى، ملاذًا للأردنيين الذين يريدون الترويح عن أنفسهم والاستجمام قرب بساتينها، بحسب موسى، ولكنها لم تعد كذلك منذ انتشار التلوّث بها، وتحوّلها لمدينة مكتظة، تعاني الفقر. ووفقًا للدراسات التي تبحث في ظاهرة التطرف لدى أوساط من الشباب الأردني، فإن المتطرفين يأتون من أماكن متعددة منها الزرقاء، والرصيفة، ومعان، والسلط، وإربد، وعمّان، ولكنها تنتشر في أماكن بشكل أكبر من غيرها.

كيف تتشدد محافظة؟

بحسب برنامج المحافظة التنموي، فإن نسبة الفقر في الزرقاء بلغت 14.1 %، حيث توجد حوالي 17 ألف عائلة تصنف على أنها «فقيرة».

بيد أن ما يشاهده زائر مدينة الزرقاء، مركز المحافظة، اليوم لا يشبه ما تحمله ذاكرة سكان «مدينة الجيش» القدامى، الذين ينحدرون من شتى الأصول والمنابت. تقول ابنة أول مؤسِسة لجمعية نسائية في الزرقاء العين هيفاء النجار أن «الزرقاء كانت مدينة فيها تعايش حقيقي»، وهو أكثر عمقًا من مجرد صور لكنيسة وجامع بجانب بعضهما البعض كالتي نراها اليوم. وتضيف النجار أنها وأهل منطقتها كانوا يرتادون «نادي الشبيبة المسيحي نحضر حوارات وناس تحكي، ولا مرة طرح اشي مسيحي، دائمًا كان طرحه عام».

وبحسب المحلل السياسي عامر السبايلة، الذي نشأ في الزرقاء، فإن هذه المدينة تشكل مجرد نموذج على كيفية نشأة التطرف في الأردن. احتضنت الزرقاء في عهدها الذهبي «السينمات، والملاعب، ونوادي الشعر والقلم»، وكانت قادرة على تشكيل «هوية زرقاوية»، بخلاف عمّان التي فشلت إلى هذا اليوم في إنشاء «هوية عمّانية» لسكانها.

كان هناك «طبقة وسطى في الزرقاء ونمط حياة متقارب»، مما جعل الاندماج الاجتماعي سهلًا نسبيًا، بحسب السبايلة. بيد أن هذا الانفتاح بدأ ينحسر تدريجيًا، وخصوصًا مع بدء القتال ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، والذي شهد تجنيدًا للمقاتلين الذين عرفوا فيما بعد بـ«الأفغان العرب».

ويعتبر السبايلة أن الزرقاء كانت «إحدى نقاط الارتكاز الأساسية» لمشروع الإسلام السياسي، خصوصًا في ظل محاولة أصحاب هذا المشروع «تعبئة الفراغ في الخطاب الفلسطيني وإنهاء المقاومة العلمانية لتحل مكانها المقاومة الإسلامية»، مما جعلهم يتكئون على مخيمات الفلسطينيين في الزرقاء.

في تلك الفترة، لم يعد مستغربًا أن تجد كتبًا بعناوين مثل «معجزات الجهاد في أفغانستان» منتشرة، وتوّزع على أطفال بعمر التاسعة. ومعها كانت «أول مرة» تسمع كلمات مثل «صليبي»، وتجد من يعاتبك على الذهاب إلى مدارس مسيحية في الزرقاء.

يعتقد كثيرون أن جل ما تفعله الدولة الأردنية في معركتها ضد التطرف على المستوى الداخلي لا يخرج عن المجال الأمني والمواجهة الخطابية.

في مقابل هذه الموجة، شهدت المدينة على مدار سنوات ما أسماه مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية د. موسى شتيوي «هجرة الطبقة الوسطى من الزرقاء.. أبناء المدينة الذين كانوا عماد الزرقاء بدأوا ينتقلوا إلى عمّان». ويضيف أستاذ علم الاجتماع أن ظروف هذه الطبقة «بدأت تسمح لها بحياة أكثر رفاهية»، وأنها تركت الزرقاء بسبب «الهجرات المتعاقبة على الزرقاء واكتظاظها بما في ذلك هجرة الناس من الريف إلى المدينة»، وهو ما أفقد الزرقاء «ميزة الطبقة الوسطى».

بيد أن المجتمع الأردني ككل بدأ يفقد «هذه الميزة» تدريجيًا نتيجة التحولات الاقتصادية منذ نهاية الثمانينيات، والتي أثرت على هذه الطبقة على مستوى المملكة. يوجز خبير التنمية المستدامة في وزارة التخطيط والتعاون الدولي د. حضرم الفايز هذه التحولات بتعويم الدينار بعد الأزمة المالية التي شهدها الأردن في عام 1988، والتي أثرت بشكل كبير على تحويلات الأردنيين في الخليج الذين شكلوا نسبةً كبيرةً آنذاك.

وأضاف الفايز في حديثه لحبر أن عودة أعداد كبيرة من العائلات الأردنية بعد حرب الخليج في عام 1990 جعلت الأردن يفقد مصدرًا هامًا من المصادر التي يعتمد عليها الاقتصاد الأردني. وقال الفايز أن «العائدين أدخلوا 4 مليار دينار أردني كانت أموالهم الخاصة»، لكن في ظل وجود سياسة مالية متبعة بحسب وصفة صندوق النقد الدولي والتي تقضي برفع أسعار الفائدة، فقد فضل هؤلاء تخزين أموالهم في البنوك بدلًا من الاستثمار. بالمحصلة فقد «أحجموا عن إقامة المشاريع ولم يتم تحريك السوق والحفاظ على الطبقة الوسطى» بحسب الفايز.

يضيف د. شتيوي إلى هذه العوامل «التحولات الكبرى في التسعينيات مع بداية التحول إلى الخصخصة»، والتي كان لها آثار مباشرة على طبقة العاملين في القطاع العام، مما أدى إلى بدء «مظاهر التباين والتمايز الطبقي في المجتمع الأردني».

عندما جاءت مرحلتا حرب العراق وسوريا، كان هناك بيئة مهيأة لمثل هذا التطرف ومستعدة للذهاب إلى «الجهاد المباشر» بسبب نشاط السلفية الجهادية الذي سبقهما في الزرقاء والعوامل الاقتصادية والاجتماعية المرافقة.

بالنسبة للمدوّن والصحفي عمر شاهين، والذي يقيم في منطقة الهاشمية بالزرقاء، فإن عاملي الفقر والبطالة مهمان في «تيسير عملية التطرف»، ولكن السبب الرئيس الذي يدفع بالشباب في هذا الطريق اليوم هو «التحشيد الطائفي». 

من جهته، اعتبر الباحث في الحركات الإسلامية والجهادية محمد أبو رمان، أن «الشارع الأردني لم يكن يدرك معنى الطائفية من قبل، اليوم الطائفية تحتل جزء خطير من إدراك الشارع الأردني لما يحدث حوله في المنطقة، وساهمت في تجنيد أعداد من الشباب لداعش والنصرة».

فعلى الرغم من أن المدخل للطائفية كان سياسيًا، وليس دينيًا عقائديًا، إلا أن اتخاذ الأبعاد الطائفية للحرب في العراق وسوريا أدت إلى تحول في «رؤية الناس لإيران والشيعة وحزب الله، وطبعًا ساهم في إعطائها الأبعاد الدينية التيار السلفي في الأردن» الذي يعتبر نفسه حامي «الهوية السنية».

ماذا تفعل الدولة الأردنية لمحاربة التطرف؟

يشير أبو رمان إلى أن خطر التطرف يخيّم على شريحة من الشباب اليائس، والذي قد يبحث عن «هوية بديلة». هؤلاء إما تعرضوا إلى «التهميش السياسي» مثل الأردني من أصل فلسطيني الذي قد تتسم علاقته مع الدولة بـ«العدائية الضمنية»، أو «التهميش الاقتصادي» الذي يشعر به أردنيون في محافظات المملكة يعتبرون أن «الدولة خانت الأردنيين» بعد عقود من العلاقة الرعوية بين الطرفين.  

أمام هذه الوقائع، يعتقد كثيرون أن جل ما تفعله الدولة الأردنية في معركتها ضد التطرف على المستوى الداخلي لا يخرج عن المجال الأمني والمواجهة الخطابية، التي قد تكون «كارثية» في بعض الأحيان، على حد تعبير أبو رمان.

مثال على ذلك خطبة الجمعة التي تلت حادثة إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة في شهر شباط 2015، والتي بثت على التلفزيون الرسمي. إن «مجرد الصراخ ووصف داعش بأنها مجموعة قطاع طرق ولصوص» يعني أن الدولة لا تدرك جاذبية خطاب الجماعات الجهادية بين الشباب، بحسب أبو رمان.

بعد عامين من وضع الاستراتيجية الحكومية لمحاربة التطرف، نشرت الصحف الأردنية الاستراتيجية بعد أن انتقدها تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية. ذكر التقرير أن الاستراتيجية «تفتقر إلى الموارد البشرية والمالية اللازمة لتنفيذها».

تعقيبًا على الاستراتيجية، ذكر أبو رمان أنها فعليًا «ليس لها قيمة اليوم»، خصوصًا وأن مديرية مكافحة التطرف التي أنشئت لهذه الغاية لم تمنح «صلاحيات حقيقية»، ولم تدرك الجهات المختلفة دورها.

في ورقة عمل بعنوان «دروس من الحدث: دروس في مكافحة التطرف والإرهاب» أصدرها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، اعتبر المؤلفان محمد أبو رمان وحسين المجالي أن هناك «آثار جانبية» للسياسات الحالية.

يجادل مؤلفا الورقة بأن «هناك درجات في الالتزام لتنظيم داعش وصولًا للقيام بعمليات إرهابية وعسكرية»، ويعتبران أن الحكم على شخص عبّر عن تعاطف «بدائي وأولي» على مواقع التواصل الاجتماعي مع داعش بالحبس في مهجع الداعشيين ما هو إلا «خدمة توصيل» مجاني تقوم بها الدولة خدمةً لهذه الجماعات التي تستكمل حينها عملية «غسل الدماغ» والتجنيد.

ما يقترحه المؤلفان كبديل هو إيجاد مجموعة من الإجراءات التي تسبق الإحالة إلى المحاكمة، والتي تتخذ في الوقت الحالي «طابعًا أمنيًا» إن وجدت. أما المطلوب من وجهة نظرهما فهو إشراك مؤسسات أخرى وخبراء علم اجتماع ونفس وشريعة في التقييم قبل الإحالة إلى المحاكمة، وأن تتولى مؤسسة ذات طابع مدني الإشراف على هذه العملية.

* اسم مستعار.