كيف أصبحت «إسرائيل» مركزًا لتكنولوجيا المراقبة

الإثنين 31 تشرين الأول 2016
الصورة لأوهاد زويغنبرغ لمجلة الإنترنسيبت.


بقلم أليكس كاين
ترجمة إبراهيم الطراونة

(نشر هذا المقال في مجلة الإنترسيبت بتاريخ 17 تشرين الأول 2016).

في 1948، العام الذي خُلقت فيه «إسرائيل»، تم تأسيس مجموعة مير كمعمل للصلب. لكنها اليوم شركة مختلفة تمامًا؛ تشغل دزينة من الشركات التابعة ويعمل لديها 1200 شخصًا في أكثر من أربعين دولة حول العالم، حيث تبيع البنى التحتية للشبكات اللاسلكية وبرمجيات أنظمة تذاكر العبور العامة ومعالجة مياه الصرف الصحي وغير ذلك. لكن في المعرض الدولي للدفاع والأمن، والذي أُقيم في حزيران الأخير لاستعراض التكنولوجيا الإسرائيلية أمام المشترين المحتملين من أجهزة الأمن الأجنبية، كان ممثلو مجموعة مير يروّجون لشيء واحد فقط؛ منتجات المراقبة التي يبيعها قسم الأمن في الشركة.

تَطوُّر مجموعة مير من تقطيع الصلب إلى التجسس الإلكتروني يعكس النقلة الكبيرة في الاقتصاد الإسرائيلي، حيث تعتبر التكنولوجيا أحد أهم قطاعاته. وتستخدم الشركات الإسرائيلية المرتبطة بالمخابرات، كمجموعة مير، خبراتها كي تسوّق نفسها دوليًا. المدير التنفيذي للمجموعة، نير ليمبِرت ذو الاثنين وعشرين عاما، أنهى خدمته العسكرية من الوحدة 8200، وحدة المخابرات الإسرائيلية التي تُقارن بوكالة الأمن القومي الأمريكية أحيانًا، كما أنه رئيس لجمعية خريجي تلك الوحدة. الروابط بين مجموعة مير والوحدة 8200 ليست فريدة من نوعها في إسرائيل، حيث أصبح قطاع الإنترنت جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد بصادرات تبلغ قيمتها ستة مليارات دولار أمريكي من المنتجات والخدمات خلال عام 2014.

عند تجنيد الشباب الإسرائيلي في الجيش، يتم توجيه أذكاهم لوحدة المخابرات وتعليمهم كيفية التجسس، والقرصنة الإلكترونية، وإنتاج الأسلحة الرقمية الهجومية. يقال بأن الوحدة 8200 ووكالة الأمن القومي طوّرتا السلاح الرقمي الذي هاجم أجهزة الحاسوب الإيرانية التي تتحكم ببرنامجها النووي. كما ويذكر أفراد أنهوا خدمتهم من جناح الاستخبارات في الجيش بأن الوحدة 8200 تقوم بعمليات مراقبة واسعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تنتشر المهارات التي تم تطويرها من خلال التجسس والحروب الرقمية خارج نطاق الجيش بشكل متزايد. تعتبر الوحدة 8200 مدرسة مغذية لقطاع المراقبة الخاص في إسرائيل، التي تنعت نفسها بــ«أمة الشركات الناشئة»، وتباع منتجات خريجي وحدة المخابرات للحكومات حول العالم لغايات التجسس على الشعوب. في الوقت الذي تدّعي الشركات التي يديرها من أنهوا خدمتهم العسكرية في الوحدة 8200 بأن منتجاتها أساسية للحفاظ على الأمن يحذّر دعاة الخصوصية بأن تلك المنتجات تقوّض الحريات المدنية.

أصدرت مجموعة المراقبة «الخصوصية الدولية»، التي تحقق في الرقابة الحكومية، في شهر آب تقريرًا حول قطاع الرقابة الدولية. حدّدت المجموعة 27 شركة رقابة إسرائيلية، وهو الرقم الأعلى حسب نصيب الفرد على مستوى العالم. (الولايات المتحدة تتصدر دول العالم في عدد شركات الرقابة بواقع 122 شركة). خريجو الوحدة 8200 كانوا إما مؤسسين أو شاغلي مناصب عليا في ثمانية شركات على الأقل بين شركات الرقابة الإسرائيلية التي ذكرتها منظمة الخصوصية الدولية بناء على المعلومات المتوفرة. لكن لا تحتوي تلك اللائحة على شركة ناروس، التي أسسها خريجو وحدة 8200 لكنها الآن مملوكة لبوينغ، متعهّد الدفاع الأمريكي. (صنفت منظمة الخصوصية الدولية ناروس كشركة أمريكية لأن مقرها الرئيسي يقع في كاليفورنيا). بحسب تقريرٍ في مجلة وايَرد ووثائق من أرشيف سنودن، فقد ساعدت تكنولوجيا ناروس شركة إيه تي آند تي (AT&T)على جمع حركة البيانات على الإنترنت ومليارات رسائل البريد الإلكتروني وتقديم تلك المعلومات إلى وكالة الأمن القومي.

«من المقلق أن يتم تغليف وتصدير إمكانيات المراقبة، التي طُوّرت في أكثر وكالات المخابرات تقدّما، حول العالم من أجل الربح،» يقول إدين أومانوفيتش، الباحث في منظمة الخصوصية الدولية. «انتشار تلك الإمكانات الاقتحامية خطير جدًا ويشكل تهديدًا حقيقيًا وأساسيًا على حقوق الإنسان والتحوّل الديمقراطي».

israel-surveillance-1-article-1024x712

ملصق يدعو إلى تدمير كاميرات المراقبة معلق على عمود في ساحة المسجد الأقصى أمام قبة الصخرة، 8 نيسان 2016.

يعمل أميت ميير اليوم كصحفي وهذا مسار وظيفي غير معهود لمن أنهوا خدمتهم من الوحدة 8200. العديد من زملائه استعمل مهارات جمع المعلومات الاستخبارية والقرصنة الإلكترونية لجني الأموال في القطاع الخاص. الوحدة 8200 «علامة تجارية» في إسرائيل ومؤسسة مشهورة تيسّر لأعضائها الوصول السهل إلى شركات التكنولوجيا بعد إنهاء خدمتهم، يقول ميير. تبحث شركات التكنولوجيا عن خريجي الوحدة في بعض الأحيان، وفي الأحيان الأخرى يزكّي الخريجون زملائهم. هناك مجموعة فيسبوك سرية لخريجي الوحدة مليئة بعروض العمل في شركات التكنولوجيا، يقول ميير. «في الكثير من الأحيان، تضع (الوحدة 8200) في سيرتك الذاتية، ثم تحصل المعجزات،» يقول للإنترسيبت.

نيف غوردون، باحث إسرائيلي درس قطاع الأمن القومي في البلاد، يفسر تفوق إسرائيل في قطاع المراقبة بأنه ناجم عن التقارب بين الجيش الإسرائيلي وقطاع التكنولوجيا. في عام 1960، كان الجيش الإسرائيلي يطور برنامج حاسوب، تسع سنوات قبل وجود قطاع البرمجيات أو إطلاق تخصصات علوم الحاسوب الجامعية. وحدات الجيش الإسرائيلي العاملة بالحاسوب، بما فيها الوحدة 8200، أصبحت حزامًا ناقلًا باتجاه الجيش والأمن القومي، يقول غوردون.

كما ويقول غوردون بأن هناك سببين آخرين للعب إسرائيل دورا ضخمًا في قطاع الرقابة العالمي؛ أولها شبه انعدام المحدّدات القانونية على «استخدام الأفكار البحثية التي عمل عليها مجندو الجيش السابقين في وحداتهم، وتطويرها» عبر القطاع الخاص. بالإضافة إلى أن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية ولعقود طويلة وما يتخللها من حروب متكررة «يوفر مختبرًا لفحص وضبط السلع والتقنيات المختلفة التي تم تصنيعها» إذ يتم لاحقًا تصدير تلك التقنيات حول العالم.

مير للأمن واحدة من الشركات التي تصدّر منتجات التجسس. إنها معروفة بين أوساط الأمن داخل البلاد، فقد حازت على عقد من الشرطة الإسرائيلية عام 1999 لتأسيس (مابات 2000) الذي وضع مئات الكاميرات في المدينة القديمة في القدس، والتي تعد نقطة نزاع ساخنة داخل المناطق المحتلة. في مقابلة مع مجلة غيتواي الإسرائيلية، وهي نشرة اقتصادية، يفسر رئيس مجلس الإدارة والجندي السابق في الوحدة 8200 حاييم مير حاجة «الشرطة لنظام يستطيع من خلاله (الأخ الأكبر) التحكم والاطّلاع على سير الأحداث داخل المدينة القديمة».

قال مدير المنتجات في مير للأمن إيال راز للإنترسيبت خلال المعرض الدولي للدفاع والأمن عما أنتجته «أعظم العقول الأمنية الإسرائيلية»، كما يضعها كتيّب الشركة. كان راز يعرض المصدر المفتوح للجمع والتحليل والاستجابة، المعروف باسم OSCAR. ويتعهد من خلال اصطياده في الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي كشف الصلات الخفية مستخدمًا البيانات التي يرصدها OSCAR ويجمعها.

المنصة الاستراتيجية للمعلومات الكافية للتدخل أو SAIP، هو منتج آخر يجمع البيانات ويصنّفها. لتحديد «المعلومات الكافية للتدخل،» تستخدم SAIP تقنيات باستطاعتها تمييز الكلمات والجمل والمعلومات التي قد تهم ضباط المخابرات. تزداد شعبية هذه الأصناف من أدوات تحليل اللغة بين أجهزة المخابرات حول العالم كوسائل لتحديد الخطر القادم. تزعم هذه المنتجات على أنها «تفهم ما تقرأ»، حسب راز، فعلى سبيل المثال قد تظهر فقرة تحوي لائحة من المواد الكيميائية غير ضارة للشخص العادي، لكن باستطاعة آلة تحليل اللغة التعرف على أن الشخص يتكلّم عن تصنيع أداة متفجرة.

شرح راز خاصية أخرى لـ SAIP تمكن المستخدمين من إنشاء حسابات وهمية تساعدهم «على الدخول إلى المنتديات المغلقة وجمع البيانات منها. هذه أيضًا طريقة أخرى لتزييف أنشطتك». لا يسمح فيسبوك بإنشاء الحسابات الوهمية، لكن التكنولوجيا التي يبيعها راز والآخرون تتعهد باختلاط الحسابات التي تديرها الأجهزة الأمنية عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتظهر كأنها حقيقية. نشر عدد من المصادر الإخبارية هذه السنة استخدام الشرطة الإسرائيلية تكتيكات مشابهة بإنشاء حسابات فيسبوك وهمية لمصادقة الأهداف الخاضعة للتحقيق ومراقبة الفلسطينيين. بالرغم من التصريح السابق للمتحدث باسم الشرطة ميكي روزينفيلد والذي يؤكد استخدامهم لهذا التكتيك، إلا أنه وعند اتصال الإنترسيبت به نفى ذلك.

زبائن مجموعة مير من داخل وخارج إسرائيل. تقوم المجموعة بأعمال «تطوير مشترك» مع الوحدة 8200، حسب راز، حيث يرشحون مجندين سابقين في الوحدة للعمل مع الشركة. الزبائن الآخرون منتشرون حول العالم، بما في ذلك أوروبا، إلا أن راز رفض الخوض في التفاصيل. المعلومات المتاحة تظهر، على سبيل المثال، بأن مير وقّعت عام 2011 عقدًا بمبلغ 42 مليون دولار أمريكي مع بوينس آيرس لإنشاء نظام «المدينة الآمنة»، كاملًا مع 1200 كاميرا للمراقبة، متضمنة تكنولوجيا التعرف على لوحات المركبات.

ahmed-mansoor-article-1000x667

أحمد منصور، مدوّن وناشط مقيم في دبي، يقف لأخذ صورة في دبي – الإمارات العربية المتحدة في 25-9-2012.

لفتت علاقة الوحدة 8200 مع قطاع المراقبة الإسرائيلي انتباهًا كبيرًا في أواخر شهر آب، عندما أصدر باحثون في مجال الأمن الرقمي من سيتيزن لاب (Citizen Lab) في جامعة تورنتو تقريرًا يفصّل مصدر أحد البرمجيات الخبيثة (malware). قالوا بإمكانية استهداف الإمارات العربية المتحدة لأحمد منصور، الناشط البارز في مجال حقوق الإنسان، ببرنامج تجسس معقد قادر على تحويل جهازه الآيفون إلى جهاز مراقبة متنقل لمتابعة تحركاته وتسجيل مكالماته والتحكم بالكاميرا والميكروفون. يقول منصور بأنه كان مستهدفًا منذ عام 2011، السنة التي وقع فيها على عريضة للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية في الإمارات. «السلطات الأمنية مهووسة بالمراقبة والتجسس على الناس والناشطين»، يقول منصور، «تمتلكهم طريقة التفكير هذه بشكل كامل».

حلل سيتيزن لاب برنامج التجسس بعدما تلقى منصور رسالة نصية تحوي رابط «أسرار جديدة عن تعذيب مواطنين في السجون الإماراتية». لكنه بدلًا من فتحها أرسلها إلى مجموعة الأمن الرقمي، والتي قامت في عام 2012 بتحليل برنامج تجسس أصاب حاسوب منصور المحمول أنشأه فريق التجسس التابع لشركة مراقبة إيطالية.

«لم نر ثغرة كهذه من قبل في جهاز محمول يعمل على أحدث إصدار»، يقول بيل مارجاك، باحث سيتيزن لاب الذي شارك في إعداد التقرير.

يخلص تقرير سيتيزن لاب بأن المتهم ببرنامج التجسس هو مجموعة NSO؛ شركة المراقبة الإسرائيلية السرية.

يصعب الوصول إلى تفاصيل عن مجموعة NSO، نادرًا ما يتحدث مؤسسوها للإعلام، وليس لديهم موقع إلكتروني. ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية أن أومري لافي وشالِف هوليو، مؤسسو الشركة، أنهوا خدمتهم العسكرية من الوحدة 8200. لكن بعض المصادر الإسرائيلية ذكرت أنهم خدموا في وحدات أخرى. بالرغم من ذلك فثلاثة من موظفي مجموعة NSO الحاليين على الأقل خدموا في وحدة المخابرات، حسب صفحاتهم على لينكد-إن. وزوّد مجندون سابقون في الوحدة 8200 الشركة بمبلغ 1.6 مليون دولار أمريكي كنواة مالية لتطوير بيغاسوس (Pegasus)، اسم برنامج التجسس، حسب نشرة ديفينس الاقتصادية.

لم يُجب زامير داباش، المتحدث باسم الشركة، عن أسئلة معينة تخص مجموعة NSO والتي بيعت بمبلغ 120 مليون دولار لصندوق استثمار أمريكي خاص عام 2014. قال في تصريح للإنترسيبت بأن «الشركة تبيع للجهات الحكومية المخوّلة فقط، وتنصاع لقوانين وقواعد التصدير الصارمة بشكل كامل. (…) تشترط الاتفاقية الموقعة مع زبائن الشركة استخدام منتجاتها بشكل قانوني فقط».

يبدو بيع شركة مراقبة إسرائيلية برامج تجسس لدولة عربية ظاهريًا على أنه أمر مدهش. لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وكما هو الحال في مناطق أخرى بالوطن العربي، يكره كثير من الإماراتيون احتلال إسرائيل الطويل للأراضي العربية. لكن صفقة مجموعة NSO مع الإمارات دليل على العلاقات المتنامية بين إسرائيل والدولة الخليجية ذات الشهية المتزايدة لمعدات المراقبة.

«هذه الأنظمة غير مستقرة بمعنى أن معظم الناس الذين يعيشون تحتها لا يملكون حقوقًا أساسية»، يقول الباحث الإسرائيلي غوردون، «وهي بحاجة دائمة لمراقبة ومتابعة السكّان».

في شباط 2015، ذكر روري دوناغي كاتب «ميدل إيست آي» أن الإمارات وقّعت عقدًا لإنشاء نظام مراقبة يضم آلاف الكاميرات مع آسيا غلوبال تكنولوجيز، الشركة المسجلة في سويسرا والمملوكة من قبل إسرائيلي ويعمل بها، حسب التقارير، عملاء مخابرات إسرائيليون سابقون.

قال دوناغي، وهو أيضًا مؤسس المركز الإماراتي لحقوق الإنسان، أن الإمارات اشترت سرًّا منتجات أمنية من إسرائيل بملايين الدولارات في الآونة الأخيرة. اتجهت الإمارات لإسرائيل، حسب قوله، لأنها تؤمن بأن الإسرائيليين هم «ببساطة الأفضل في السوق، والأكثر اقتحامية، والأكثر سرية».