عندما تتفاجأ الدولة.. فتغرق العاصمة

الخميس 05 تشرين الثاني 2015
وسط البلد عمان سيول

بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من تأكيدات محافظ العاصمة خالد أبو زيد على إنهاء جميع الترتيبات والتحضيرات للتعامل مع فصل الشتاء، غرقت عمّان في ساعة ونصف من الهطول الكثيف لمياه الأمطار الذي شكّل سيولًا أودت بحياة أربعة أشخاص وسببت أضرارًا مادية أخرى.

المطر هطل بكثافة فاجأت الجميع، وأول من تفاجؤوا كان دائرة الأرصاد الجوية التي لم تُشر في نشراتها اليومية إلى كثافة وشدة الأمطار، متمسكة بعبارتها الروتينية حول «احتمالية سقوط زخات متفرقة من المطر قد تكون مصحوبة بالرعد أحيانًا»، ومن ثم تستمر الأرصاد حتى ظهر الخميس بتأكيدها على «تساقط زخات من المطر يصحبها الرعد» دون تحديث، عبر تصريح رئيسها محمد سماوي لوكالة بترا.

لم تكن دائرة الأرصاد الوحيدة هذه المرة البعيدة عن رصد الحالة الجوية بدقة، فلم يعطِ موقع طقس الأردن هو الآخر توقعات دقيقة ليوم الخميس عن كثافة الأمطار، لكنه تساءل عبر صفحته على الفيسبوك عن ضرورة تعطيل الدراسة نظرًا للعاصفة الترابية التي عرفتها العاصمة عمان.  

حالة الغبار التي حازت على الاهتمام الأكبر في الحديث عن الحالة الجوية في الأيام الماضية، كانت سببًا في منح وزير التربية والتعليم بالوكالة محمد المومني لمديري التربية والتعليم مساء الأربعاء صلاحية تعطيل المدارس بسبب تراكم الغبار، دون أي إشارة لتساقط الأمطار واحتمالية تشكل السيول، ولم يتخذ أي من مدراء المناطق قرار تعطيل الدراسة في منطقته حتى صباح اليوم.

وسط ذلك كله، بدا الدفاع المدني وكأنه المغرد الوحيد خارج سرب الجموع «المستعدة» للشتاء، إذ نوّه لخطورة تشكل السيول ، داعيًا قبل يومين سكان المناطق المنخفضة للانتقال إلى أماكن أكثر ارتفاعًا وأمنًا، في بيانٍ لم يلقَ الكثير من الاهتمام من قبل باقي المؤسسات، ولافتًا إلى خطورة تشكل السيول وضرورة الابتعاد عن الحفر الإنشائية لما تسببه من أضرار في حال هطول المطر.

كيف استعدت المؤسسات للشتاء؟

هطول الأمطار تسبب في إغلاق الأنفاق والعديد من الطرق، بالإضافة لتشكل السيول التي أودت بحياة أربعة أشخاص حتى مساء الخميس، كل ذلك يأتي بعد تأكيدات أمانة عمان على إنهاء استعداداتها لاستقبال فصل الشتاء، ليلقي أمين العاصمة عقل بلتاجي اللوم على «كمية الأمطار غير المسبوقة التي هطلت في فترة قياسية»، فيما ذهب نائب أمين عمان يوسف الشواربة قبل ذلك للتأكيد على أن الأمانة مستعدة منذ أكثر من شهرين لاستقبال الشتاء، ملقيًا باللوم بدوره على «طوبوغرافية» عمان التي ساهمت في تشكل السيول.

من جهته يسترسل نائب مدير المدينة لشؤون البيئة باسم الطراونة في شرح الجاهزية التي اتخذتها الأمانة في تصريحاته الصحفية: «كوادر الأمانة كشفت على أوضاع الآبار والمناهل في الأنفاق وتمت تجربتها للتأكد من جاهزيتها، قمنا بوضع أغطية بلاستيكية خلال فصل الصيف على عدد من المناهل الرئيسية لمنع دخول الأوساخ والأتربة وإغلاقها، ووزعنا دوريات ثابته على الأنفاق والتقاطعات الرئيسة استعدادًا لأي طارئ».

لم يعرف المواطن في الشارع الكثير من المعلومات من الجهات المختصة التي استيقظت تتدارك غيابها.

 شركة الكهرباء الوطنية انضمت لجمهور المستعدين لفصل الشتاء، مجهّزة غرف عمليات رئيسية ورافعة من من استعداد فرق الميدانية للتعامل مع أي طارئ. بالرغم من ذلك شهدت العديد من المناطق انقطاعات في الكهرباء مع بداية هطول المطر وتشكل السيول.

وسط ذلك كله، لم يعرف المواطن في الشارع، الذي وجد نفسه عالقًا في أزمة خانقة أو نفق غارق، الكثير من المعلومات من الجهات المختصة التي استيقظت تتدارك غيابها، فبالرغم من تركيب الدفاع المدني لصافرات الإنذار في أيلول العام الماضي لبث رسائل إرشادية في الظروف الجوية الاستثنائية بكلفة 2.2 مليون دينار، لم تنطق أي منها طوال ساعات الأزمة اليوم.

تسأل صفحة إذاعة الأمن العام عبر الفيسبوك عن «المسؤول عما حصل اليوم نتيجة مياه الأمطار»، في إشارة منها لتحميل المسؤولية لمؤسسات عديدة في الدولة، محاولةً إثبات قدرة الأمن العام على تلقي المفاجأة عبر نشر صور لجهود رجال الأمن في إنقاذ المواطنين العالقين بالسيول، دون أن يصدر الأمن أي بيان رسمي حول حالة الطرق، باستثناء تصريحات عامة لمدير سير العاصمة لوكالة الأنباء بترا.

وزير الداخلية سلامة حمّاد، ابتعد عن التهليل لجاهزية الدولة، لافتًا خلال مشاركته في عمليات الإنقاذ «لعدم رضاه بصفته رئيس لجنة الأمن والدفاع المدني عن الأجهزة الخدماتية ولا عن شركة الكهرباء»، معترفًا بوجود تقصير من قبل بعض الأجهزة في الدولة، نتج عنه خسائر في الأرواح.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تغرق بها شوارع العاصمة عمان نتيجة هطول الأمطار خلال فترة قصيرة. فقد مرّ المشهد ذاته في الشهر نفسه من العام الماضي عندما غرقت العديد من الأنفاق والشوارع نتيجة هطول مطريّ استمر ساعة واحدة، كما شهدناه عام 2013 أيضًا، ما يترك تساؤلات مفتوحة حول معنى «الجاهزية» التي تؤكدها مؤسسات الدولة بداية كل شتاء.