عود شرق النهر – أمسية موسيقية لعبد الوهاب الكيالي و أصدقاءه

الأربعاء 09 شباط 2011

بقلم ريما الصيفي

تساءلت عندما أخبرتني صديقتي عن هذه الحفلة إن كان الظرف ملائما لحضورها وهل سيكون هناك خيانة من نوع ما بان استمتع في حفل موسيقي …إلا أن الموسيقى في رأيي هي روح الشعوب و مصدر إلهامها فلا رقابة قادرة على وضع حدود على الوتر المتمرد.

كان الجو ليلة الخميس باردا و الشوارع المؤدية لراس العين مبللة بالمطر وشبه خاوية ربما لانصراف معظم الناس لمتابعة أخبار ثورة مصر. تسمع صوت طرطشة الإطارات و تتلألأ أضواء الشوارع على الأمطار المتساقطة على شباك السيارات.

يتوافد الحضور على تلك القاعة الدافئة في مركز الحسين الثقافي حتى تمتلئ، ينزعون معاطفهم ويأخذون مواقعهم وينتظرون بحماس .
يقدم لنا هذه الأمسية عبدالوهاب الكيالي الذي رغم تميزه كعازف عود يرفض احتراف الموسيقى، ربما ليبقى أبدا هاويا متقنا خلاقا بهوايته. يقول أن اسم الأمسية “عود شرق النهر” قد جاء ربما لإظهار هوية للعود الذي يعزف شرق النهر والذي إن لم يكن بعراقة المدارس العراقية و المصرية والتركية فإن له هوية خاصة وربما كان أداؤه هو سيكون مختلفا لو لم يتعلم العود شرق النهر متأثرا بالمدارس المختلفة.

يفتتح عبد الوهاب البرنامج بمقطوعة “شروق” لجميل البشير، يرافقه على الإيقاع ناصر سلامة -صاحب فكرة الأمسية كما يخبرنا عبد الوهاب لاحقا – ويرافقهم محمد طهبوب عازف الكمان الشاب على الكمّان فلا يعزف بل يتجلى، يهمس له عبد الوهاب بالعود و تنقر اصابع ناصر على الرق مساندة. يطرب الجمهور واكثر من مرة أسمع الله الله .

ثم بعد تقاسيم تحكي وجع الناي للأستاذ حسن الفقير ( أبرز عازفي الناي في الأردن)، تاخذ مقطوعة “صبا سماعي” لوالده الموسيقي الراحل عمرالفقير الجمهور لأبعاد من التاثر وتسمع الاّهات في القاعة حين يبوح الناي و يواسيه العود أما الطار فيضج بالألم.

أما عن لقاء الاستاذ “صخر حتر” بتلميذه عبد الوهاب على خشبة المسرح فكان بحق مثال لحفظ الفضل فيقول عبد الوهاب “الأستاذ صخر اول من قيَسني العود عندما كنت في السابعة من عمري” و يرد عليه حتر فيقول أنه طالما كان يتفاجأ بابداع عبد الوهاب وما يزال عاتبا عليه لعدم احترافه الموسيقى . يعزف الأستاذ ويتجالى التلميذ في تقاسيم أمتعت الجمهور و سبقت عزفهما سويا في “خطوة حبيبي” لمحمد عبد الوهاب .

ثم يبدع عبد الوهاب و ناصر فيجزل العود وتتداعب الإيقاعات في “فراتين ” لأحمد الخطيب عازف العود الفلسطيني الذي يعتبره عبد الوهاب مصدر إلهام و إحباط له.
“لونغا نهاوند ” للمصري جورج ميشيل تغير مسار الأمسية و يصبح النبض اسرع و احدث مع دمج العزف الغربي فيحاكي يعقوب أبو غوش على الباص غيتار موسيقى العود ويأتي هذا الدمج حماسيا وثريا وتصبح الموسيقة اكثر واقعية و يبدع أبو غوش ويدهش الجمهور.

ننتقل إلى التراث اليوناني في “رقصة زابيون و الفتيات الجميلات” حيث يبدع عبد الحليم الخطيب على القانون وتخلب توليفة القانون والباص والعود والإيقاعات الحضور ويتسارع النبض وتشعر بثراء الأوتار .

أما في “نوى ” لعبد الوهاب الكيالي “الفالتة ” بلا إيقاع كما يقول .فينفرد عبد الوهاب والخطيب في عزفها فتلامس الأوتار ما جهدت النفس على إخفائه وتؤثر بالحضور وتنقله لأحلى حالاته الانسانية.

ثم يعود سلامة ويرافقهم خلال “سماعي فرح فزا” للشريف محيي الدين حيدر ويهنئ الجمهور وتختتم الامسية بتالق ناصر على الزرب الأيراني والكمان لطهبوب و الباص غيتار والعود في مقطوعة “أم الروبا” الذي تعلم عبد الوهاب عزفها على يد مؤلفها منير البشير و تساءل عبد الوهاب إن كان عزفهم لها سيوحي بمعناها وهو بائعة اللبن الرائب.

لقد جاءت هذه الأمسية لتقدم شيئا نفتقده في الأردن؛ موسيقيون يعزفزن بوله للموسيقى؛ يتحاورون، ويتجلوون و يبدعوون و يلّهمون. يجددون الروح ويبنون هوية للموسيقى شرق النهر.