التوقيف وضمانات المحاكمة العادلة

الإثنين 23 كانون الثاني 2012

بقلم محامي أردني 

أثار موضوع التوقيف القضائي في الأردن لعدد من الأشخاص جدلاً واسعاً مؤخراً بين أوساط الشعب الأردني حول مدى صحة قرارات التوقيف من الناحية القانونية وفيما اذا كانت اجراءات التوقيف متفقة مع التشريعات الأردنية والمبادىء العامة للقانون الدولي. وعليه فقد ارتأيت أن أضع بين يدي القارىء الكريم من خلال هذا المقال بعض المبادىء القانونية المتعلقة بموضوع التوقيف لكي يتسنى للقارىء التمييز بين قرارات التوقيف المتخذة وفقا للمبادىء العامة للقانون وبين قرارات التوقيف المتخذة بشكل يتعارض مع التشريعات الأردنية والمعايير الدولية.

فإذا كان قانون العقوبات يتعامل مع المجرمين ويحدد عقوبات من يدان منهم بحكم قضائي، فإن قوانين الإجراءات الجزائية التي تحكم مراحل التحقيق والمحاكمة توضع لحماية الأشخاص المتهمين وغير المدانين، لأن الأصل البراءة. ولذلك يصر رجال القانون والمدافعون عن حقوق الإنسان على التمسك بمقولة (لأن يفر ألف مجرم من العقاب خير من أن يدان بريء واحد). وهذه النظرة السامية ليست جديدة على حضارتنا وفقهنا المستمد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة).

فعندما يتعلق الأمر بالحرية الشخصية التي يجعل الدستور الأردني منها أصلاً بينما يحصر التوقيف وسلب الحرية في حدود استثنائية ينص عليها القانون، فإنه لا يكفي لإضفاء المشروعية على سلب الحرية أن يقع التوقيف بقرار من الجهة المختصة بموجب التشريع النافذ، بل يجب أن يكون القرار متفقاً مع المبادئ العامة للقانون التي تستلزم أن يكون سلب الحرية أمراً ضرورياً يحقق مصلحة عامة، وأن بقاء الفرد غير المدان حراً طليقاً  يهدد هذه المصلحة العامة.

والمقصود بالمصلحة العامة المتوخاة من التوقيف أثناء التحقيق أو المحاكمة هي الخوف من ضياع العدالة إذا كانت هناك شكوك جدية من أن يفر المتهم أو أن يشكل خطراً على المجتمع، أو أن لا تكون الإجراءات التحفظية البديلة عن التوقيف (مثل الكفالة أو المنع من السفر) ناجعة في تنحية هذه الشكوك. وفي هذه الحالة تقتضي قواعد العدالة أن يحدد قاضي التحقيق أسباب التوقيف ويوضح بشكل مبرر أن الإجراءات البديلة للتوقيف غير كافية. وهذا الأمر هو أمر بديهي بموجب قوانين الإجراءات الجزائية لأن التوقيف بحد ذاته هو إجراء استثنائي تأبى المبادئ والمعايير القانونية اللجوء إليه بسهولة.

ولطالما انتقد المركز الوطني لحقوق الإنسان في تقاريره السنوية الإكثار من اللجوء إلى التوقيف القضائي في الأردن حتى أصبح التوقيف عقوبة بحد ذاته، حيث يستخدم التوقيف بصورة تتعارض مع المعايير الدولية والقوانين الوطنية سواء من حيث استمرار التوقيف لمدد طويلة أو استخدام التوقيف وتجديده كوسيلة ضغط على الأشخاص. وقد اعتبر المركز الوطني لحقوق الإنسان ذلك في أكثر من مناسبة إخلالاً واضحاً بضمانات المحاكمة العادلة.

فبدون ضوابط ومعايير واضحة ومنطقية لاستخدام التوقيف في مرحلة التحقيق أو المحاكمة فإنه سيتعذر تطبيق الرقابة القضائية على التوقيف مما يهدر التوازن المطلوب بين احترام حرية الفرد وسلطة الدولة في التحقيق، وهو الأمر الذي يقوض إحدى خصائص النظام القانوني المتحضر الذي لا بد فيه من إمكانية الرقابة على الإجراءات القانونية وفق معايير معروفة ومعلنة ومنضبطة.

هذا من جانب، أما من جانب آخر، فإن الحق في الحرية من أهم الحقوق في مرحلة ما قبل المحاكمة؛ فلا يجوز إجراء التوقيف بشكل تعسفي ولو كان موافقاً للقانون من الناحية الشكلية. والغلو في استخدام صلاحية التوقيف أثناء التحقيق أو المحاكمة دون مبرر منطقي وواقعي ومشروع يتعارض مع مبادئ استقلال القضاء المتعارف عليها والتي نص عليها إعلان بانجلور لمبادئ السلوك القضائي الذي تبنته المملكة الأردنية الهاشمية، كأن يتم التوقيف تحت تأثير الإعلام أو هيجان الرأي العام المتلهف لإجراءات قضائية مثيرة تقنعه بأن ثمة حرباً حقيقية على الفساد. ولذلك يتضمن استقلال القضاء حسب مبادئ بانجلور ضرورة استقلال القاضي عن المجتمع وليس فقط عن السلطة التنفيذية (المبدأ 1/2). كما أن حياد القاضي حسب هذه المبادئ لا يتعلق فقط بمضمون قراره بل كذلك بالطريقة التي يتخذ فيها هذا القرار (المبدأ الثاني). وإن استقلال قاضي التحقيق أو قاضي الحكم على الصعيد الفردي يقتضي أن يصدر قراره وفق قواعد ومبادئ القانون بشكل مجرد من الأحكام المسبقة ودون خشية الانتقاد.

إن استقلال قاضي التحقيق وقاضي الحكم عن ضغوط الرأي العام ورقابة الإعلام ضمانة مهمة للمحاكمة العدالة، وهذا الاستقلال هو الذي يفرق بين محكمة القانون التي تقوم على سلامة الإجراءات واحترام حقوق الإنسان وتتوخى إقامة العدل ويتجرد فيها القاضي عن أي أفكار مسبقة حول الموضوع المنظور أمامه وبين المحكمة الشعبية التي تقوم على إرضاء الجماهير وتجنب سخطها وتهدف إلى إسباغ الشكل القانوني على أحكام مسبقة تسللت إلى نفوس الناس من غير طريق المحاكمة العقلية الموضوعية ومن دون إجراءات قانونية على نحو يفرغ الحق في الدفاع من مضمونه ويعطل قرينة البراءة.

ولعلك إذ ترى تساهلاً في التوقيف من قبل الجهات المختصة تظن أن من عوامل هذا التساهل أن المتهم إذا انجلت غشاوة الشبهة عن براءته سيلقى تعويضاً عن مدة التوقيف وعن ضوء الشمس الذي حجب عنه في أيامها والنوم الذي سلب منه في لياليها، أو عن الألم الذي أقض مضاجع أطفاله الحائرين لغيابه أو عن سمعته التي تصبح لقمة تلوكها الألسنة. ألا فلتعلم أن هذا الظن ليس صائباً و أن المتهم لن يفوز من ذلك بطائل، وكأنه حسبه إثبات براءته وعدم الاستمرار في توقيفه!!

ومن المفارقات المؤلمة، التي تثير القلق وتهز الضمير، أن أبرياء يتم توقيفهم في غمرة حراكات مجتمعية وسياسية نبيلة تنادي بالحرية والإصلاح والحقوق، فكأن الانهماك بالحديث عن الإصلاح السياسي والاقتصادي أصبح مدعاة للتضحية بضمانات النظام القانوني أو الغفلة عنها. فكيف يتولد عن الدعوة للحرية سلب الحرية عن أبرياء؟ أو كيف يؤدي العمل على الإصلاح السياسي والاقتصادي إلى زعزعة الركن الأساسي من أركان حماية حقوق الإنسان وهو المحاكمة العادلة؟ فإذا أصبح إغفال ضمانات المحاكمة العادلة سبيلاً لإقناع الناس بجدية الحكومة في الإصلاح، وإذا هانت حرية الفرد أمام أي تهمة دون ضوابط وغابت قيمتها في ملف قرارات التوقيف وذبلت زهرتها في ربيع نتغنى به فإن أي شيء يصير كأي شيء بلا اختلاف ولا افتراق!

الصورة من موقع Shutterstock