عن سؤال التاريخ والأوتار الحسّاسة

الخميس 29 آذار 2012

بقلم لينا شنك

من منا لم يدرس في كتب التاريخ عن “استئناف الحياة الديمقراطية” في عام 1989؟ من منا لم يسمع عن عودة الأحزاب والحياة السياسية إلى الأردن بعد عام 1989؟ من منا تساءل في قرارة نفسه عن سر اختيار هذا العام للمجيء بالديمقراطية إلى الأردن من جديد؟

أحسب أن عدداً لا بأس به من أبناء جيلي لم يسمع بما يعرف بـ”هبة نيسان”، أو أن القسم الأكبر من هذا الجيل اكتشفها في سن متأخر بمحض الصدفة ولا يزال غير قادر على تقديم الشرح الوافي الذي يوضح تفاصيل الأحداث. هذه الحادثة هي ليست الوحيدة التي تم تجاهلها ومحوها من كتب التاريخ، فلم يعد مستغربا ذلك البون الشاسع بين ما تحمله ذاكرة الناس من أحداث وقصص وما نجده بين طيات كتب التاريخ التي لا تزال تؤمن بإخفاء المعلومة وكأن لا طريق إلى المعلومة سوى ذلك الكتاب البائس.

في محاولة بائسة لتوثيق الأحداث التي شكلت هوية الأردن الحديث، كان لي هذا الجدال مع أحد “القادة” الذين عاصروا هبة نيسان وكان لهم الدور الأكبر في تحريكها. قمت بالاتصال بالشخص المذكور لتحديد موعد للمقابلة، وذلك حتى يتسنى لنا توثيق شهادات أشخاص شهدوا الأحداث بأم عينهم. كنت أرغب في أن أرى أرشيفا يجمع قصص من الذاكرة الشعبية، على الرغم من أنها بالتأكيد ذاكرة مؤلمة، ولكنني أؤمن بأن من حق كل أردني أن يعرف ما الذي حدث في بلده من أهله وناسه قبل أن يعرف من باحث أو كاتب أجنبي. ليس هذا وحسب، بل من حق كل أردني أن يحصل على الحقيقة من كل الأطراف وليست الحقيقة التي فصلت لتناسب رواية منحازة.

في البداية، شرحت للشخص المذكور الغاية من التوثيق، وأخبرته بأن جيلا بأكمله قد لا يعي معنى كلمة “هبة نيسان”، فأبدى حماسة للفكرة. بيد أنه ما لبث أن بدّل موقفه، وبدأ بالسؤال عن الدوافع الحقيقية لاختيار هذا الموضوع الحساس في هذا الوقت بالذات. بالنسبة للضيف، فإن هذا الجزء من التاريخ ملطخ بالخطايا من كل الأطراف، وقد شهد سقوطا للقتلى من أبناء المدينة ومن أبناء الأجهزة الأمنية، وقد يخشى إيقاظ الأحقاد والألم في قلوب أهالي الضحايا ان قررنا المضي في مشروع التوثيق.

استحضرت في تلك اللحظة كل الجمل والكلمات التي سئمناها في السنوات الماضية، فتساءلت ان كان يعتبرني من أهل الفتنة، ومن الذين سيلعنهم الله لدورهم في إيقاظ الفتنة، ووجدت نفسي مضطرة للتأكيد على انتمائي وحرصي على أمن واستقرار البلاد، وأن القصة تكمن في محاولة خلق رواية حقيقية للأحداث لتفادي خلق “الوعي المشوه” الذي يبنى على معلومة منقوصة ومنحازة. بيد أن ذلك لم يقنعه أيضا، وراح يحدثني عن الأزمة والضحايا الذين سقطوا، وأخبرني عن “ألم مدينة معان” الذي لا يشبه أنين أي محافظة أخرى، فمعان وفق روايته، ذاقت الأمرين في عام 1989، وفي عام 1993، وفي عام 2002 ولا تزال تختلف عن باقي المحافظات بمعاناة أهلها الذين لا يشبههم باقي أهل البلاد.

أخبرني أنه غير راض عن الأوضاع التي وصفها بأنها في حالة “غليان”، ولكنه يخشى أن يوقظ الفتنة ويقود البلاد إلى الهاوية إذا تحدّث عن أزمة عام 1989. طلب مني أن أذهب لأستمع إلى معاناة أهل معان وأرى حياتهم على الأرض كما يعيشونها هم، ولكنه رفض الحديث عن الأزمة حتى لا يغضب أهل المحافظة مرة أخرى ويقود غضبهم إلى ما لا تحمد عقباه. حذرني من خطورة الحديث في الموضوع، لأن “الأردن اليوم لا يحتمل” ولأن الأردن “شيوخ وعشائر وحمايل” وفيه “من الشمال والجنوب والفلسطيني والأرمني والشامي والشركسي”. الأردن، برأيه، لا يحتمل أن يسمع أبناؤه ما حدث في نيسان من عام 1989 في هذا الوقت بالذات، فإن “لُمس الجرح” مرة أخرى، فإنه لا يضمن ما الذي يمكن أن يفعله أهل معان وستكون العواقب وخيمة في ظل “خليط من الإثنيات” كالذي ذكره.

حاولت أن أستفسر منه إن كان يستطيع أن يخفي القصة تماما في ظل حديث المعارضة ومسيرات الجمعة المستمر عن “هبة نيسان”، وكذلك في ظل إحياء الذكرى في كل عام من قبل الكتاب والصحافيين المهتمين. وهنا، استحضر الشخص المذكور مثالا آخر وسألني ان كنت أنوي البحث أيضا في “أيلول الأسود” في محاولة لتنبيهي من خطورة “النبش” في أحداث “سوداء” في تاريخ الأردن. برأيه، فإن السواد الأعظم من الأردنيين يعلمون ما الذي حدث في “أيلول الأسود” بالضبط وليس هناك حاجة للخوض في القضية مرة أخرى.

أما من وجهة نظري، فقد أخبرته بأن “التاريخ الأسود” يجب أن يوثق تماما كما يوثق “التاريخ الأبيض”، بل إنني أعتقد بأن أزمة الهوية التي تتفاقم يوميا ما كانت لتصل إلى هذا السوء لو أننا وجدنا رواية حقيقة غير منحازة للأحداث. قد يعلم عدد كبير من الأردنيين شيئا ما عن “أيلول الأسود” وقد يسمع رواية من الأهل الذين يملكون بدورهم موقفا من الأحداث، أما الحقيقة المجردة أو حتى الروايات المتعددة التي تغطي جميع وجهات النظر فقد بقينا بمنأى عنها لأننا نغرق في حساسيات مفرطة تطوف على السطح كلما قلنا تلك العبارة المشؤومة.

وفي الواقع، فإن إخفاء حقيقة ما حدث لا يمحو الأثر الأليم للأحداث من نفوس الأردنيين، ولا يجعل الوحدة الوطنية متينة بالضرورة، فكما شهدنا وعشنا، لا زلنا نٌذكًر بعضنا بتلك الأحداث ونلقي اللوم على بعضنا البعض، بل وحتى هناك من لا يثق بشريحة واسعة من المواطنين، ليس هؤلاء الذين اقترفوا ذنبا في عام 1970 فقط وانما حتى الأبناء الذين يولدون اليوم، من جراء تلك الأحداث. خلاصة القول أن الذكرى الأليمة لا تطوى مع الأيام بالضرورة ومع إخفاء أي اشارة لها، بل كان من الأجدى معالجتها بطريقة موضوعية، كما لا يجوز أن يمحى تاريخ الناس من أجل حساسية مفرطة يمكن التعامل معها بعدة طرق.

أما وقد انتهى الجدال الذي دار بيننا، فإنني أعترف بأنني لم أنجح في إقناعه بأهمية التوثيق، بل هو الذي نجح في إقناعي بالتفكير مليا قبل الخوض في “أحداث مؤلمة”، وتركني أفكر في أسئلة صعبة تخوض في الخيط الرفيع الذي يفصل بين “إيقاظ فتنة” و”اللعب على وتر الحساسيات” وبين توثيق ذاكرة شعبية لأجيال قادمة من الأردنيين.