العلم والتعليم ودوره في الإصلاح الشامل

الثلاثاء 09 تشرين الأول 2012

بقلم أ.د.عودة الجيوسي*
[email protected]

عندما يسمع المرء كلمة “الإصلاح” أول ما يتناهى إلى ذهنه البعد السياسي، نظراً لتصدر هذا الموضوع في الخطاب الإعلامي والفضاء العام، ولكن هذه النظرة قاصرة ولها تداعيات وعواقب سلبية على منظومة الإصلاح الشامل بكل أبعاده والتي تشمل منظومة العلم والتعليم والإبداع والبعد الإجتماعي والإقتصادي والبيئي.

وهذا الفهم يمكن تفسيره كنتاج استعارة دول العالم الثالث لفلسفة التعليم الغربي التي قامت على تفكيك العلوم المختلفة وذلك لرفد سوق العمل الذي يحتاج لمهارات محددة ومتخصصة. وهذا التفكيك في منظومة التعليم انعكس سلباً على فهمنا للإصلاح على أنه عناصر منفصلة ولا ارتباط بين أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والأهم ارتباطه بالتعليم والعلم والإبداع. بالإضافة إلى أن هذا النسق من التفكير أثر على بنية العقل ورؤية العالم التي ترى وجود أولويات ضمن المكونات المشكّلة للإصلاح، فقد يرى البعض بأن البعد السياسي هو الأهم في الإصلاح وباقي الجوانب هي لاحقة وهامشية إن لم تكن ترفاً فكرياً

سأركز في هذا المقال على دور العلم والتعليم في رفد عملية الإصلاح الشامل، وفيما يلي بعض الملاحظات التي توضح ما أرمي إليه:

– الإصلاح العميق والشامل هو الذي يبدأ من عالم الفكر والعقل ومنهج التفكير والتبصر والاستبصار وعلاقتنا مع الآخر والمحيط الخارجي، وهذا كله مرتبط بإصلاح منظومة التعليم والعلم والإبداع التي تثري العقل والذي يمثل “الرأسمال البشري والاجتماعي والفكري” وهذا هو جوهر أو “Software” الإصلاح الشامل والتنمية المستدامة. إن الطاقة المتجددة للربيع العربي تبدأ وتتوقد بالعلم والفكر المستنير والحوار العلمي المبني على الحقائق والمعلومات الرصينة الموثوقة والتي بدورها تحقق التنمية المرتبطة بالإنسان.

– أنماط التعليم الجديدة في عالم المعلومات والاتصالات أضحت غير مرتبطة بالمعلم والمدرسة والكتاب، فهناك الفضاء الإفتراضي (Cyberspace) ووسائل التواصل الإجتماعي (Social media) التي أحدثت تحولاً جوهرياً في الحصول على المعلومة وإيصالها والتفاعل معها بشكل غير خطي وغير نمطي. وهنا يكمن جوهر الإصلاح في دعم المعلم وبناء قدراته المهنية حتى يكون مؤهلاً حسب المعايير الدولية لتنوير العقل وبناء الشخصية المتوازنة المنفتحة والمتفاعلة مع العالم والمؤثرة في قضايا الساعة.

– التعليم من أجل المواطنة وبناء الأمة هو رسالة التعليم وهذا يشمل تعميق معاني المساءلة والشفافية والنزاهة والعدالة والأمن المجتمعي ومفهوم المجتمع المدني والعمل التطوعي. إن جوهر التعليم من أجل المواطنة يرتكز على الاحتفال بالتنوع الثقافي وإحترام التنوع والإستفادة منه في إثراء سبل الإبداع والتنوير المجتمعي ورفد حالة الذكاء المجتمعي.

إن الإصلاح يبدأ عندما يعزز التعليم فلسفة نقد المجتمع والسياسات العامة وتقديم الحلول المحلية المبدعة التي تشجع العمل التطوعي والريادة والخدمة العامة وتغليب المصلحة العامة على الخاصة والإحساس العميق بالمسؤولية وتجاوز ثنائية الديمقراطية والأمن أوالحكومة والمجتمع المدني.

– التعليم الناقد والإبداعي يمثل فرصتنا الكامنة لإمتلاك ناصية المستقبل. وهذا يتطلب البيئة التعليمية الممكنة للتعلم التفاعلي والتجريبي ويتطلب المعلم المؤهل والإعلام المستنير وسياسات التعليم والعلوم التي تحفز الإبداع وتولد براءات الإختراع والصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة.

خلاصة القول، إن الإصلاح المستدام هو الذي يولد ثقافة جديدة للعلم وينير العقل والفكر لاعتماد المنهج العلمي في المناظرة وتوفير الدليل والتحليل الموضوعي للوصول إلى مجتمع المعرفة وهذا المجتمع هو الذي يمتلك بوصلة المستقبل ويستبصر خيارات المستقبل عبر تطوير مجتمع مدني قادر على تطوير خطاب جديد للعلم والتعليم والإبداع.

*نائب رئيس الجمعية العلمية الملكية للعلوم والبحث