قرأتلك: حلب ومآسٍ أخرى

السبت 17 كانون الأول 2016

إعداد جابر جابر

تفجير كاتدرائية في مصر، وتصاعد لكارثة مستمرة ومتفاقمة في سوريا. هكذا يمكن تلخيص هذا الأسبوع في عالمنا العربي، الذي شغلت أخبار الكوارث فيه القارئ عن إمكانية متابعة أي قضايا أخرى.

عن الوضع في سوريا، كان بإمكان القارئ العربي الاطلاع على الكثير من المقالات، ومن بينها؛ في مدونات الجزيرة كتب الشاعر والمترجم أسامة غاوجي تدوينة حزينة حول الوضع المتفاقم في حلب، بعنوان «عن حلب وعنّا»، وفي صحيفة القدس العربي كتب الروائي إلياس خوري مقالًا غاضبًا بعنوان «الرقص فوق الخراب»، وفي موقع مدى مصر كتب المفكر جلبير الاشقر مقالًا بعنوان «ما مصير سوريا..وانتكاسة الانتفاضة العربية تبلغ ذروتها؟». مر الأشقر في مقاله سريعًا على انتفاضات الربيع العربي منذ تونس وحتى ما يحصل حاليًا في سوريا، وحاول عرض موقف القوى الثورية السورية في ظل معركة حلب والتدخل الروسي ووصول ترامب إلى الحكم، خاتمًا مقاله بالقول: «ينبغي على المعارضة السورية أن تسعى وراء تحقيق الأهداف الجوهرية التي يتوقف عليها مصير سوريا وتتوقف آفاق التغيير فيها، ألا وهي وبترتيب الأهمية: وقف النزيف والدمار أولًا، وعودة اللاجئين ثانيًا، وفسح المجال أمام درجة من التعددية السياسية في سوريا ثالثًا. أما آل الأسد فحسابهم أمام التاريخ مؤجلٌ، ليس إلّا، ومصير سوريا الوطن أعظم شأنًا من مصيرهم بما لا يُقاس».

رغم مقدّمة المقال التي تجعله يبدو وكأنه يتحدث في شأن مصري خاص جدًا، إلّا أن مواصلة القراءة في مقال من «انفتاح السداح مداح إلى النيوليبرالية المتوحشة: تغيير الخطاب وثبات المضمون»، لمحمد العجاتي في مدى مصر، ترينا أنه يناقش قضية أكثر عمومية، لا تتعلق فقط بمصر، وإنما بدول العالم الثالث التي عانت طويلًا من الوصفات المكرّرة لمؤسسات النقد الدولية. ومن هذا المقال أقتبس: «خلال أكثر من أربعين عامًا والسؤال لا يزال هو: لماذا تفشل السياسات الرأسمالية؟ ولم يفكر أي نظام سياسي إذا كان الداء في السياسات أم في المنظومة ككل. إحدى الخلاصات الهامة لكتاب توماس بيكتي «رأس المال في القرن الواحد والعشرون»، الكتاب الاقتصادي الأكثر مبيعًا في عام 2014، هو أن النظام الرأسمالي طوال تاريخه أدى لتراكم في نفس الضفة، وأن تساقط الثمار لم يحدث داخل نفس المجتمعات. ويمكن الجزم من خلال خبرات تطبيق روشتات الصندوق والبنك الدوليين أن انعدام العدالة المشار إليه في داخل الدول عند بيكتي هو ذاته المنطبق على المجتمع الدولي، فالتراكم يحدث في الدول الأكثر غنى بينما أجندة المؤسسات الدولية لا تزيد الدول النامية إلا فقرًا. هذا ليس بسبب سرعات التطبيق أو الفساد أو الكفاءة، إنما بسبب طبيعة النظام الذي يقوم بالأساس على ضرورة وجود هذه الطبقات سواء داخل الدولة أو بين الدول، فبدون عاطلين لا يمكن توفير أيدٍ عاملة رخيصة، وبدون دول فقيرة لا يمكن الحصول على المواد الخام الرخيصة كمثال».

وفي العدد الجديد من مجلّة سياسات عربية، والتي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتب عزمي بشارة دراسة بعنوان «الجيش والحكم عربيًا: إشكالات نظرية»، وتعالج هذه الدراسة العلاقة بين الجيش والسياسة، ليست بوصفها خطأً، أو عارضًا من عوارض الابتلاء العربي، بل نتاجًا لمراحل تاريخية، ولطبيعة الدولة العربية وصيرورة نشوئها وبنيتها وعملية التحديث فيها. كما وتمرّ الدراسة سريعًا على الانقلابات العسكرية التي عرفتها المنطقة انطلاقًا من أتاتورك، وحتى انقلاب السيسي عام 2013، محاولة الوصول إلى سمات مشتركة تجمع علاقة الجيش بالحكم وطريقة تصرّفه فيه.  

ومن هذه الدراسة أقتبس: «أصبحت العسكرية في الدول النامية والمستقلة حديثًا المسار الرئيس لتقدم أبناء الفلاحين وأصحاب المهن صعودًا على السلم الاجتماعي، وذلك بعد أن كانت البنى التقليدية وثقافتها تحدد مسار حياتهم، وتقرر مصائرهم سلفًا، وتمنعهم من تغيير مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية. كما أنّ فاعلية بنى الدولة الحديثة اقتصرت عمليًّا على المدينة، وسيطرت عليها الطبقات القديمة من أبناء الأعيان وأبناء البرجوازية التجارية والطبقات الوسطى الجديدة التي قلّما تسرب إليها أبناء الفلاحين بواسطة التعليم أو غيره. فالتعليم لم يكن متاحًا. وقد انفتح مجال الخدمة العسكرية وصولً إلى سلك الضباط في مرحلة الاستعمار، أو الانتداب، فأصبح أداة الترقي الاجتماعي التي يمكن لأبناء الفقراء والطبقات المتوسطة استخدامها بالانضمام إليه، والترقي فيه، ولا سيما بعدما فتحت الأكاديميات العسكرية الوطنية أبوابها لاستيعاب أبناء هذه الفئات».

وفي مراجعات الكتب وعروضها، كتب جولان حاجي، نصًا جميلًا يعرض فيه لكتاب حنداج لهشام خاطر، والذي من المفترض أن يصدر قريبًا عن دار فضاءات الأردنية، حمل النص عنوان «أنا كتاب لم أكتبه ولم أقرأه». مشكلة هذا النص أنه جميل لدرجة بتّ أفكر معها ألّا أقرأ الكتاب الذي يتحدث عنه، خوفًا من خيبة أمل، أو قراءة غير ناجعة أقوم بها. من هذا النص الجميل المنشور في موقع جدلية، أقتبس: «كأن الراوي المشوَّش صبيٌّ لها بما أقلقه، ثم عُوقب على حبّه للكتابة حين أفشاه أمام الآخرين؛ هذا الصبي المتحوّل محتدّ دائمًا ضد سلطةٍ واحدةٍ على الأقل؛ مذعور يقهقه ويهزأ بما يرعبه وكتاباته هي صحبة الدنَس؛ لا يعنيه المنطق أو الفهم بمعانيهما المتداولة. كمتوحّد يعذّب حشراتٍ سجينة يفتك الكاتبُ بالمفردات التي تحاول الإفلات منه، مستفزًا ومتبرّمًا بضيق اللغة والمحدودية الخانقة للكلمات، ومتهرّبًا من التماهي المستحيل بين الكلمة والواقع. أليس الأسلوب خضوعًا لا يُستساغ لنظامٍ مسبَق؟ أليس الكتّاب لصوصًا يختلسون من لحظات الحياة، أو قطاع طرق يعترضون اللغة، ثم يمدّدونها مثل بروكروست على سرير الواقع، وينكّلون بها ليطابقوا بينهما؟ العبث محتّم وبديهي في فوضى الإنسان واعتباطيةِ أيامه وميتاته. الكاتب هنا، الساخر من الطاعة والامتثال، يشمئز من السرّية ويمقتها، سيان ارتبطت بالجنس أو السلطتين الدينية والسياسية، مستمرًا في إطلاق قذائفه الصغيرة بعد خسارته كلَّ المعارك، رافضًا صناعةَ الأسرار، مواصلًا تحريكَ نصوصه كألغاز صغيرة داخل لغز عملاق، بغيضٍ كسجنٍ أو متاهة تخلو من لذّات الضياع. يتلكّأ الراوي في محاولاته أن يقول شيئًا لا يفهمه ولا نعرفه».

وفي موقع المنصة، ترجم أمير زكي خطاب قبول بوب ديلان لجائزة نوبل للأدب، والتي فاز بها مؤخّرًا. وفي الكلمة التي ألقتها نيابة عنه سفيرة الولايات المتحدة في السويد يمكننا بسهولة أن نرى أن سؤال هل ما يقدّمه ديلان أدب، قد وصله، فاضطر للحديث عنه. ومن كلمة ديلان أقتبس: «لقد كنت مسافرًا في رحلة عندما تلقيت تلك الأخبار المفاجئة، وقضيت بضعة دقائق في محاولة استيعابها تمامًا. ثم بدأت أفكر في وليام شكسبير، الرمز الأدبي العظيم، وسوف أعتبر أنه كان يفكر في نفسه ككاتب مسرحي، وفكرة أنه يكتب أدبًا لم تكن تراوده. كان يكتب كلماته لتُمَثَّل على المسرح، من أجل تُنطَق لا أن تُقرَأ. أنا متأكد أنه حين كان يكتب هاملت كان يفكر في العديد من الأشياء المختلفة: «من هم الممثلون الأنسب لهذه الأدوار؟»، «كيف يمكن أن تُعرَض على المسرح؟»، «هل أود فعلًا أن أجعل الأحداث تجري في الدنمارك؟». بلا شك كانت رؤيته المبدعة وطموحاته في مقدمة ما يفكر فيه، ولكن كانت هناك أيضًا مسائل مبتذلة كان عليه أن يتعامل معها: «هل التمويل كاف؟»، «هل هناك مقاعدة جيدة كافية لرعاة المسرحية؟»، «من أين سأحصل على جمجمة لإنسان؟» أراهن أن آخر شيء كان يفكر فيه شكسبير هو «هل هذا أدب؟».