«عن الكتابة»: نصائح ستيفن كينغ لكتابة الخيال

الخميس 07 آذار 2019
ستيفن كينغ يعمل في مكتبه المنزلي في الثمانينات. عن غلاف كتابه «عن الكتابة: ذكريات عن الصنعة».

أحب الحديث عن الكتابة.

بالنسبة لي، هو ذلك النوع من الحديث الذي يجعلني أعتدل في مجلسي وتتسع معه عيناي خلف النظارة وأنسى التقاط أنفاسي من فرط سرعة كلامي وحماسته، لدرجة تدفع من حولي لتمني وقوع نيزك من السماء علي لأخرس، وهو ما لا يحدث عادة، لحسن حظي.

أحب الحديث فعلًا عن طقوس الكتابة والروتين المصاحب لها وما يُفضّل اتباعه واجتنابه عند كتابة الخيال، لكن لا أحد يحب إضاعة وقته في الاستماع لنصائح شاب في السابعة والعشرين من عمره لم ينشر سوى رواية وحيدة بسيطة. الحقيقة أنا أيضًا لم أكن لأسمع نصائح مثل هذا الغرّ المغرور. لا بأس، ربما بعد عشرين سنة، عندما أصير ذلك الكاتب العظيم الذي أقضي أحلام يقظتي برفقته، سوف أتحدث في لقاء صحفي بنظرة حالمة أني «أحب الكتابة في القطارات، خاصة تلك التي أتهرب من دفع تذكرتها»، فقط لتمتلىء قطارات العالم في اليوم التالي بكتاب شباب متحمسين يهربون من محصلي التذاكر الغاضبين، ويتأبطّون حواسيبهم المحمولة.

إلى أن يأتي ذلك اليوم سأكتفي بالحديث عمّا ينصح به آخرون، آخرون أثبتوا أنفسهم بالفعل ككتاب رائعين بما يكفي لأن نجلس في هدوء ونسمعهم.

واليوم أقدّم لكم نصائح وغد عجوز نشر أول رواياته في السبعينيات، وما زال حتى هذه اللحظة وقد تجاوز السبعين، يخرج علينا بمزيد ومزيد من الحكايات التي لا يقل آخرها جودة عن أولها: ستيفن كينغ.

إن حاولتُ وضع قائمة بأفضل الروايات التي قرأتها في حياتي، سأجلس لساعات حائرًا بين الترتيب المناسب لحرافيش محفوظ ومدن منيف الملحية وأعوام ماركيز المئة في العزلة وانقطاعات موت ساراماجو، لا أظن أني سأضع رواية لكينغ في قائمة أفضل عشر روايات أو حتى ربما أفضل خمسين. لكن إن حاولت وضع قائمة لأفضل خمسة مؤلفين قرأت لهم، فسيكون لكينغ مكانٌ بين هؤلاء بلا تردد.

يُحب كبار النقاد وكهنة معابد الأدب تصنيف ستيفن كينغ ككاتب تجاري، يقولون «تجاري» وكأنها بصقة، يصنّفونه كاتب رعب، وكيف يمكن لكاتب رعب أن يصنف بين كبار الكتاب؟

حسنًا، ليس هدف هذا الموضوع الدفاع عن ستيفن كينغ وإقناعك بأهميته، الرجل ليس بحاجة لدفاعي أو دفاع غيري على أي حال، فقد تجاوزت ثروته المليار دولار أو هي على وشك، والعقبى لنا يا رب.

جرب قراءة أعمال مثل الشيء (it) أو بؤس (Misery) أو (The Shining)، ثم تعال وحدثني عن الكتابة السهلة التجارية. لدى كينغ قدرة خارقة على صنع شخصيات روائية أكثر حيوية ووضوحًا من شخصياتنا الحقيقية ذاتها. عندما تفتح صفحة من رواية لكينغ، لا تملك إلا أن ترى وتعيش بالكامل عالم تلك الرواية وتعيش مع هؤلاء الأشخاص، مع احترافية في فن الحكي قلما تجد لها مثيلًا، وفهم حقيقي وأصيل لدواخل النفس البشرية يجعلك تمضي مع كل شخصية في رحلة تحول تدريجية عبر صفحات الكتاب يعجز عنها أغلب كتاب الخيال المعاصرين، وقبل أن تدرك أنك فعلت ستجد نفسك قد أنهيت الكتاب الذي قد يصل أحيانًا إلى ألف صفحة أو يزيد. كينغ ليس دوستويفسكي بالطبع، لكنه بلا شك واحد من أفضل الحكائين المعاصرين على الإطلاق، والأهم أنه حافظ بشكل إعجازي على مستوى من الجودة في كتاباته لما يزيد عن أربعين عامًا كتب فيها عشرات الروايات ومئات القصص القصيرة، ومازال مستمرًا بعد أن تجاوز السبعين من عمره.

على أي حال، سواء أحببت كينغ وكتابته أم لا، فنحن لسنا بصدد مناقشتها، وإنما سنتحدث بالتحديد عن كتابه الذين يحمل عنوان «عن الكتابة: ذكريات عن الصنعة» (On Writing: A Memoir Of The Craft).

هرم الكُتَّاب

في النصف الأول من الكتاب الذي صدر في نهاية القرن السابق، يحكي كينغ عن نفسه، ويقدّم سيرته الذاتية المقتضبة بداية من طفولته المبكرة حيث عاش مع أخيه وأمّه التي هجرها زوجها، وحتى حادثة الشاحنة التي كادت تودي بحياته في عام 1999 وكيف خرج منها حيًا. هي سيرة ذاتية لطيفة جدًا وفيها الكثير الذي يهم عشاق كينغ أو الراغبين في معرفة كيف صار ذلك الكاتب فاحش الثراء إلى ما هو عليه الآن. أما هنا، فنحن نهتم أكثر بالنصف الثاني من الكتاب، حيث يحكي عمّا تعلمه في مسيرته ككاتب خيال.

عندما تفتح صفحة من رواية لكينغ، لا تملك إلا أن ترى وتعيش بالكامل عالم تلك الرواية وتعيش مع هؤلاء الأشخاص، مع احترافية في فن الحكي قلما تجد لها مثيلًا، وفهم حقيقي وأصيل لدواخل النفس البشرية.

يبدأ حديثه من فرضية يطرحها، وفيها يُقسّم الكتاب إلى هرم متدرج، مثلما هو الحال مع كل أمور الحياة. في قاع الهرم، هناك الكتاب السيئون، وهم الأكثر عددًا وانتشارًا، يمكنك معرفتهم بسهولة من الشخصيات الخشبية المفرغة في حكاياتهم والأصوات الميتة المحايدة ورغم ذلك المفتعلة، والكليشيهات التي يزفرونها أكثر من ثاني أكسيد الكربون. أولئك الذين يملأون الندوات الثقافية صخبًا والأرصفة كتبًا حتى يكاد من المستحيل المرور عبرهم بدون أن تُحرق ثيابك أو أن تجد منهم ريحًا منتنة.

الطبقة التالية في الهرم، أقلّ قليلًا من الكتاب السيئين ولكن أعدادهم ما زالت كبيرة؛ الكتاب العاديّون. هؤلاء تجدهم على صفحات الجرائد وأغلب مواقع الإنترنت وعلى أغلفة كتب كثيرة، هؤلاء لديهم شيءٌ ما يقولونه، ويمكنك قراءة ما يكتبون بشيء من الجهد بدون أن تتضايق. يؤدون الغرض بمعنى آخر، لكن كتابتهم لن تعلق بذهنك لفترة كافية من الوقت.

الطبقة الثالثة وفيها الكتّاب الجيدون، وهؤلاء يعرفون ما الذي يفعلونه، عندما تقرأ لهم تكون سعيدًا ومستفيدًا وترغب في أن تقرأ أكثر، وسيظل لحديثهم صدىً في ذهنك لفترة لا بأس بها.

أما على قمة الهرم فتجد العباقرة، أولئك الذين لا يدرون من أين أتتهم هذه الموهبة ولا كيف السبيل إلى التحكم بها، وليس أمامنا إلا تأملهم في عجز. هناك تجد شكسبير ودوستويڤسكي ومحفوظ وساراماجو ودانتي وماركيز، وضع ما شئت من أسماء هؤلاء المعجزين. يمكنك أن تحلل نصوصهم ألف مرّة وتخرج بدراسات مطولة عن سر عظمتهم ونجاحهم، لكن مهما اتبعت هذه الدراسات لن تصير منهم، لأنهم ببساطة معجزات.

يتابع كينغ قائلًا أنه من المستحيل أن تجعل من كاتب سيء كاتبًا جيدًا أو حتى كاتبًا عاديًا. هو كاتب سيء وانتهى الأمر. هذا لا يعيبه في شيء. فليذهب ليفعل شيئًا أخر هو جيد فيه. أنا مثلًا لاعب كرة قدم فاشل، لو تدربت 24 ساعة يوميًا لن يحولني هذا إلى لاعب أقل سوءًا. ولا توجد طريقة أيضًا تحوّل الكاتب الجيد إلى واحد من هؤلاء العباقرة، هم يولدون هكذا، ربما عليهم أيضًا التدرب المستمر والمحاولة مرارًا وتكرارًا، فحتى العبقرية بحاجة إلى شحذ دائم، لكن ما يقدمه هؤلاء في النهاية له مكانه الخاص.

ما يقترحه كينغ هنا هو أنه من الممكن تحويل الكاتب العادي إلى كاتب جيد، عبر كثير من العمل الدؤوب والمحاولات المستمرة والتعلم المستمر من تجارب أولئك الجيدين الذين سبقوه.

إن كنت ترى هذه الفرضية خاطئة، فأنا آسف على إضاعة وقتك. أما إن رأيتها مثيرةً للاهتمام، فدعنا نتحدث أكثر عن الكتابة. ولكن قبل هذا على كلٍ منّا أن يسأل نفسه سؤالًا محرجًا: أين موقعي من هذه التصنيفات الأربعة؟

هذه نقطة لم يخضها كينغ، وأخاف أنا أيضًا أن أخوضها. لا أعرف طريقة أنصح بها أي شخص ليعرف إن كان كاتبًا سيئًا أم جيدًا، لا أعرف طريقًا تقودني لأعرف عن نفسي شيئًا. أخشى ما أخشاه هو أن أكون أحمق أخر من أولئك الذين يضيعون عمرهم في وهم كونهم متميّزين وهم في قاع الهرم. على أي حال، أظن أن أي شخص قرأ كفاية ليكوّن ذائقة خيالية معقولة، ولديه شيء من الوعي بالذات، يمكنه أن يحدد بشيء من الدقة موقعه من الهرم وإن كان عليه المُضي قدمًا أم لا. ومن الأفضل أن يصل الواحد منا إلى حكم صحيح على النفس، قبل أن يفعل الأخرون.

عن الكتابة

أول ما يقوله ستيفن كينغ هنا، وفي الغالب أول ما سيقوله أي كاتب يحترم نفسه بهذا الشأن «أقرأ كثيرًا، أكتب كثيرًا». فعلا الأمر هذان هما أهمّ ما يمكن أن يقال بخصوص الكتابة، لا باب خلفي لتجاوزهما. لن تصبح كاتب جيدًا ما لم تقرأ كثيرًا، كثيرًا جدًا. يقول الكثيرون في لهجة تبريرية «ليس لدي وقت كاف للقراءة»، لو كانت الحال هكذا فليس لديك وقت للكتابة. إذا قررتَ أن تكتب فهذا يعني ضمنيًا أنك شخص يحب القراءة ويستمتع بها وقرر أن يشارك بما لديه مع أخرين لديهم نفس الاهتمام، أمّا إن قررت أن تكتب وأنت شخص ليس لديه صبر أو اهتمام بالقراءة، فأنت هنا أشبه بشخص قرر احتراف لعب كرة القدم من دون أن يحب مشاهدة المباريات. لا تحاول أيضًا استخدام حجة «لدي قصة جيدة وأود حكايتها»، إن كنت لا تقرأ كفاية فأنت لن تحكيها جيدًا في كتاب، يمكنك أن تحكيها شفاهة لأصدقائك على المقهى مثلًا، لكن لا ترهق نفسك بوضعها على الورق.

اقرأ كثيرًا

حسنًا، ماذا أقرأ إذن؟ الجواب هو كل ما بوسعك.

النصيحة الكلاسيكية هي «أقرأ ما تحب تستفِد»، وهي صحيحة إلى درجة ما، لكن إن قررتَ أن تكتب فأنت بحاجة إلى قراءة أكثر مما تحب. تحتاج إلى قراءة الأدب الجيد، الأدب الجيد يعلمك السرد الجميل وطرق الحكي الذكية وخلق شخصيات حية، لكنه قد يعود عليك بتأثير سلبي، أحيانًا ستشعر أنه لن يكون بوسعك أبدًا كتابة أعمال عظيمة مثل هذه، حتى لو حاولت لألف عام، ومن الأفضل أن تتوقف الآن. هنا تأتي أهمية قراءة الكتابة السيئة، ستشعر بعد قراءتها أنك شخص أفضل، أن بوسعك كتابة ما هو أفضل من هذا، والأهم: ستتعلم منها ما لا يجب عليك الوقوع فيه.

القراءة الكثيرة المستمرّة سترفع من ذائقتك، ستصير أكثر وعيًا بما تكتبه عندما تكتبه، ستعرف أية فكرة جاءتك هي فكرة قابلة للعمل عليها وأيها من الأفضل نسيانه.

في البداية، ستجد أن في أسلوبك في الكتابة محاكاة بشكل ما لأولئك الذين تأثرت بكتاباتهم بشدة، يؤكّد كينغ أن هذا أمرٌ طبيعي جدًا وليس عليك أن تخجل منه، ستمر بكثير من المحاولات والتحولات مع أصوات كُتابك المفضلين، إلى أن تصل لصوتك الخاص.

اكتب كثيرًا

تنتشر الفكرة الحالمة عن الكتابة، أن المؤلف يجلس في انتظار الوحي الذي يأتيه على حين غرّة، وما أن يأتي ذلك الوحي الرائع حتى يجلس ويكتب ويكتب حتى النهاية. حسنًا، ليس الأمر كذلك.

الكتابة مثل أي عمل، تحتاج إلى عمل مستمر، لن يأتيك الوحي فجأة، ولذا يجب أن تجلس يوميًا، وتكتب وتكتب وتكتب. لا يهم في البداية ماذا تكتب أو مدى جودته، أنت لن تنشر كل ما يخرجه قلمك، تحتاج لأن تكتب كثيرًا حتى يخرج من تحت يدك ما تراه مناسبًا للنشر في النهاية. الكتابة اليومية المستمرة التي لا تنقطع هي سبيلك لاستدعاء الوحي، الذي يشبهه ستيفن كينغ برجل ضخم غاضب منفّر يختبىء في قبو دماغك، ولا يأتي إلا بعد محاولات كثير جدًا لاستدعائه، وعندما يأتي لا يلقي لك إلا الفتات ويعود إلى مخبئه. الكاتب الناجح هو من يعرف كيف يتعامل مع هذا الفتات ويصبر عليه.

يقول كينغ في كتابه أنه يرغم نفسه على كتابة ألفي كلمة يوميًا، وقال مرّة في مقابلته الشهيرة مع ملك المماطلة الكاتب جورج أر. أر. مارتن أنه يكتب ست صفحات يوميًا. وينصح أي كاتب جديد بأن يلزم نفسه بـ«كوتة» كتابة يومية لا تقل عن ألف كلمة كبداية، لكن علينا ألا ننسى أن كينغ كاتب متفرغ، لا يفعل في حياته إلا الكتابة، وهكذا حال الكُتاب الناجحين في الغرب في الغالب، لكن أظن أن أغلب الكُتاب في وطننا العربي لا يملكون رفاهية التفرغ للكتابة، والغالبية العظمى لديهم وظائف يومية يعيشون منها، بالتالي التفرغ للكتابة والالتزام بكوتة ضخمة مثل تلك التي يقترحها كينغ يبدو ضربًا من الخيال. يمكن هنا أن نضع لأنفسنا كوتة أكثر واقعية، 500 كلمة يوميًا مثلًا، استيقظ مع الفجر واكتبها قبل ذهابك للشغل، اكتبها في منتصف الليل بعد نوم الجميع حولك، اكتبها وقتما يحلو لك، لكن لا تجعل يومًا يمضي دون أن تضع مؤخرتك في بقعتك المفضّلة للكتابة، وتكتب. والقدوة لنا هنا عند كبيرنا محفوظ الذي قال «الكتابة من [الساعة] أربعة لـ[لساعة] سبعة، بالتعوّد بقت بتيجي، وبقت النشوة تيجي».

ماذا تكتب؟

أي شيء ترغب فيه، ما دمت ستقول الحقيقة.

النصيحة الكلاسيكية في هذا الأمر تقول «اكتب ما تعرفه» (Write what you know). لا يعني ذلك أنك تكتب عن الطب إن كنت طبيبًا أو السباكة إن كنت سباكًا. يمكنك أن تكتب عن السباكة إن أردت وسيكون ذلك لطيفًا، لكن القلب يعرف أشياء أيضًا مثل العقل، وكذلك الخيال.

لا يُفضّل كينغ نصيحة اكتب ما تعرفه، وإن كنت أظنها صحيحة في سياقات أخرى، ما يقصده هنا بقول الحقيقة هو ألا تكذب على نفسك، فتكتب غير ما ترغب في كتابته، فتكتب هذا النوع المُعيّن لأن «هذا ما يبيع أكثر»، أو تكتب آخر لأن «هذا ما يحترمه النقاد». أن تلتزم بكتابة الحقيقة يعني أن تكتب ما ترغب حقًا في كتابته، ما تحب أن تقرأه، لا ما تقرأه مضطرًا.

يكتب البعض الروايات البوليسية أو روايات الرعب لأنها كتابة رائجة، ظانين أنهم إن اتبعوا الموضة فسينالون من الشهرة والحظ جانبًا. لكن، وبالعادة، فإن من يبدأ الموضة إنما هو شخص كان يرغب في كتابة هذه الأشياء في وقت لم يكن أحد يهتم بها، وعندما كتبها وأخلص في كتابتها كانت من الجودة حتى صارت موضة بعده، أما كل من اتبع الموضة خلفه فلم يكن إلا صوتًا في الزحام. لم تفكر الأم البريطانية متوسطة الحال أن العالم يرغب في القراءة عن طفل يتيم يكتشف أنه ساحر ويذهب لمدرسة السحر، وفكر الناشرون أن هذا هراء ورفضوا نشره، لكن جوان كاثرين رولنج كتبت وكتبت بإخلاص وخرج من تحت يدها هاري بوتر.

قلنا أنه لا بأس من محاولة محاكاة أسلوب كتّابك المفضلين في البداية لتصل إلى صوتك الخاص، لكن هذا لا يعني أن تحاكي أعمالهم لسبب أو لآخر، هذا يعد من قبيل الكذب، لهذا يقول كينغ اكتب الحقيقة.

هل تحب قراءة الرعب؟ اكتب أعمال رعب، هل تحب الأعمال الواقعية؟ اكتب أعمال واقعية، أكتب ما تحب أن تقرأه وكن صريحًا مع نفسك، وتأكد أن صراحتك هذه سيكون لها مردودٌ عند القارئ.

الحبكة

أنت تفكر في المفاجأة ذات العيار الثقيل التي سيكتشفها القارئ في نهاية روايتك، الجنايني هو القاتل، أو أن السيدة ذات الرداء الأزرق كانت طوال الوقت كائنًا فضائيًا متنكرًا، يشعرك هذا بالحماس وتحيك خيوط القصة بمهارة -أو هكذا تظن- لتصل إلى هذه اللحظة.

أرجوك، تروَّ قليلًا.

يُشبّه كينغ عملية كتابة رواية باستخراج حَفْرية قديمة مدفونة في الأرض، أنت تستخدم أنواع عديدة من الأدوات لاستخراجها، مرّة معول ومرّة إزميل ومرّة يدك العارية، كل أداة لها وظيفتها التي لا تغني عنها أداة أخرى. الحبكة هنا أداة من الأدوات، لكنها بمثابة آلات ثقب الصخور العملاقة، ستستخرج حفريتك، لكنها ستدمر أغلبها قبل أن تفعل.

من المستحيل أن تجعل من كاتب سيء كاتبًا جيدًا أو حتى كاتبًا عاديًا. (..) ما يقترحه كينغ هنا هو أنه من الممكن تحويل الكاتب العادي إلى كاتب جيد، عبر كثير من العمل الدؤوب والمحاولات المستمرة والتعلم المستمر من تجارب أولئك الجيدين الذين سبقوه.

أغلب الروائيين، وربما أفضلهم، يفضّلون أن تكتب القصة نفسها، اصنع شخصياتك بذكاء وضعها في موقف ما، ودعها تتصرّف بما تحتمه عليها طبيعتها، لكن إن كنت تذهب نحو حبكة بعينها، فأنت ترغم الشخصيات على اتخاذ قرارات وردود فعل تذهب إلى النقطة التي تريدها أنت، وكثيرًا ما يؤدي هذا لهشاشة العمل وتجويف الشخصيات.

بينما في الحالة الأخرى، عندما تمضي خيوط الرواية وتصل إلى نهايتها بناءً على شخصياتك وطبيعتها، تكون النهاية أكثر سلاسة وأكثر قربًا من قلب المتلقي.

الحكايات المبنية على الشخصيات تسمّى بالإنجليزية (Character driven)، أما تلك التي تحركها الحبكة فتسمّى (Plot driven). تتميز روايات ستيفن كينغ بأنها تنتمي وبشدة إلى النوع الأول، حتى قصصه القصيرة تعتمد على شخصيات مرسومة باحترافية شديدة حتى تشعر أنها تصلح لرواية من 600 صفحة. يمكنك ملاحظة هذا من الأعمال السينمائية المبنية على روايات كينغ. الأعمال التي ركز صانعوها على شخصيات الرواية وبنائها الدرامي تفوقت حتى صارت من أهم كلاسيكيات السينما، مثل (The shinning) و(The Green Mile) و(Shawshank Redemption) الذي يعتبره موقع قاعدة بيانات الأفلام أفضل فيلم في التاريخ. أما الأعمال التي ركز صانعوها على الأحداث والحبكة وتجاهلوا بناء كينغ للشخصيات، فخرجت كأفلام رعب من الدرجة الثانية، مثل فيلم (It) الأخير الذي برغم الضجة التي حققها كان فيلمًا متوسطًا على أقصى تقدير، لأنه تجاهل بناء الشخصيات الملحمي في رواية كينغ الشهيرة.

هل يعني هذا ألا نستخدم الحبكة أبدًا؟

لا توجد وسيلة لتجنب استخدام الحبكة، ليس الأمر وكأنها ذنبٌ عظيمٌ، من المفيد أن يكون لدى المرء فكرة ولو مبدئية عن الاتجاه الذي ستذهب فيه حكايته، المهم هنا ألا يكون لهذا الاتجاه أولوية في اتخاذه للقرارات المصيرية، لتكن مرنًا في قراراتك، وإذا رأيت الحكاية ذاهبة في اتجاه يختلف عن ذلك الذي نويته، فلا تتردد في الذهاب معها، لا تلوي الطريق عن عمد ليتناسب مع نيتك الأولى، أحيانًا تعرف شخصياتك ما تفعله أكثر مما تعرف أنت.

اللغة

لا تحاول تحسين لغتك، ليس بشكل واعٍ على الأقل.

لا أقصد هنا اللغة من حيث النحو والإملاء، هذه الأشياء علينا تحسينها رغمًا عنا. القصد هنا في اختيار الكلمات. طالما أنت ملتزم بالقاعدة الرئيسية (اقرأ كثيرًا واكتب كثيرًا) فمفرداتك ستتغير وتتحسن بلا شك مع الوقت بدون أن تدرك هذا، وسيكون تحسنًا طبيعيًا سلسًا. لكن أن تحاول طوال الوقت عن عمد اختيار كلمات أكثر تعقيدًا وأبلغ معنى، فيشبه العم ستيفي هذا بوضع ربطة عنق وقبّعة على حيوانك الأليف، وتحسب هذا لطيفًا ولكنه شيء مثير للإحراج. في أغلب الأوقات أكثر كلمة مناسبة هي أول كلمة خطرت على بالك، البحث عن مرادفات أبلغ لن يفيد بأي حال. دع لغتك تتحسن مع الوقت ولا تفتعل الكلمات.

الوصف

الوصف هو وسيلتك لجعل القارئ مشاركًا بحواسه في الحكاية، الخدعة في أن تجعله يرى ما يحدث ويسمعه ويشمه. وهو مهارة لن تتعلمها إلا بالعودة للنصيحة الأولى التي هي أم كل النصائح، اقرأ كثيرًا واكتب كثيرًا.

ينشغل أغلبنا بالتساؤل عن «كيف تكتب وصفًا مناسبًا؟» ولكن ربما يكون السؤال الأهم هو «كم من الوصف هو وصف مناسب؟». الوصف القليل يترك القارئ حائرًا وغير متواصل مع الأحداث، الوصف الزائد عن الحد يغرقه في تفاصيل تصيبه بالملل والارتباك، المهارة هنا في إيجاد الوسط المناسب، ربما إن استخدمت سؤال «ما الذي تحتاج لوصفه؟» فستحصل على إجابة وافية.

يقول كينغ أنه يفضّل اختيار مجموعة من التفاصيل البسيطة القليلة، في الشخص أو في المكان أو في أي كان الذي يرغب في وصفه، وفي أغلب الأحيان هذه التفاصيل تكون أول ما يحضر في عقلك عندما تحاول التفكير في هذه الأشياء. لا داعي للاستغراق في سردية طويلة تصف درجة اللون الأحمر في تنورة الفتاة والأشكال الهندسية المرسومة عليها، لا داعي لأن تقضي جل وقتك في هذه التفصيلة وتنسى وظيفتك الرئيسية هنا، حكي قصتك. وهناك دائمًا مجال لإضافة تفصيلة وحذف أخرى عند إعادة الكتابة، أنت ستعيد الكتابة مرة أخرى وليست هذه مسودتك النهائية بالطبع، أليس كذلك؟

المجازات

«وفي الظلام، لمعت مرآة البار الخلفية كالسراب». كان بوسعك أن تقول «في خلفية البار كانت هناك مرآة لامعة»، لن يقاضيك القارئ إن فعلت ولن يغلق الكتاب غاضبًا، لكنك قررت أن تشبّه البار بالكهف والمرآة بالسراب. إنه سحر المجازات، من أجمل متع قراءة الأدب وكتابته. يشبّه كينغ المجاز الذي يصل لهدفه بصديق قديم تقابله وسط زحام من الأغراب. عندما تشبه شيئين لا علاقة لهم ببعضهما في ظاهر الأمر كمرآة وسراب فنحن نرى شيئًا قديمًا بطريقة جديدة ومختلفة وحية. المجاز المرسوم برشاقة يترك القارئ مبتسمًا وسعيدًا وشاكرًا لكونه يقرأ هذا الكتاب في هذه اللحظة.

لكن المجاز أيضًا سلاح ذو حدين، يمكنك أن تكتب، والأمثلة من الكتاب، «كنت جالسًا بجوار الجثة، في انتظار الفحص الطبي بصبر رجل ينتظر شطيرة اللحم»، لكننا سنكون أمام تشبيه فاشل، لا يساعد على إيصال فكرة أو توضيح شعور، وإنما يسبّب ارتباكًا ربما لم يكن موجودًا في الأصل.

ويعتبر كينغ الخطيئة الكبرى في استخدام المجازات هي تلك الكليشيهات من نوعية «جرى كمجنون» أو «قاتل كأسد»، هذه كتابة كسولة، لا تضع وقت أي قارئٍ بها، ابذل مجهودًا كافيًا في إيجاد تشبيه ذكي كفاية، أو لا تستخدم المجاز هنا أصلًا.

بناء الشخصية

هذه العملية لا تبدأ عندما تجلس لتكتب، وإنما تبدأ في الحياة الواقعية، في مراقبة الناس حولك ورؤية كيف يتصرفون. لا يعني هذا أبدًا أن تبني شخصياتك مباشرة من أشخاص حقيقيين. لكن الملاحظة الدقيقة للطريقة التي يتصرف بها الآخرون في العالم حولك وتسجيلها والعبث بها، طريقة فعالة لخلق شخصيات خيالية قريبة للحياة؛ هذا الرجل يعبث بأنفه عندما لا يراه الآخرون، وهذه سيدة خمسينية تحتفظ بشيء من جمال الماضي ولكن استخدامها الكثير لمستحضرات التجميل يظهر كيف تكره تقدم العمر بها، هذه الطفلة تصر على أن تطلب وجبة مختلفة عن التي طلبها بقية أخوتها، يبدو أن شعار «وجبة الطفل السعيد» لا يحمسها للغاية.

بناء شخصية حية ديناميكية هو أهم عمود للحكاية التي تعتمد على الشخصيات (Character Driven)، كلما كانت الشخصية التي ترسمها متفردة وغنية بالتفاصيل الذكية صارت قصتك أقوى وأقرب للقلب. تذكّر أنه ليس هناك «شرير القصة» و«العاهرة طيبة القلب» و«صديق البطل الطيب» في الحياة الحقيقية، هذه القوالب المسبقة قتلتها الحكايات الرخيصة حتى صارت عنصرًا منفرًا قادرًا على إفساد أفضل الحكايات وأذكاها. في الحياة الحقيقية كل شخص هو شخص مختلف بعقليته وشكله ومشاعره وتصرفاته، إدراك هذا أمر محوري في بنائك لشخصياتك.

يعتبر كينغ الحكاية التي تنتهي بدون حدوث تغير حقيقي في شخصياتها، على الأقل الشخصيات الرئيسة فيها، هي حكاية فاشلة. مثلما تُغيّر قرارات الشخصيات مسار القصة، تغير القصة في ذوات الأشخاص. الحكايات الحقيقية هي حكايات عن أشخاص لا أحداث. لا يتحدث كينغ هنا عن مفاهيم مثل رحلة البطل (Hero’s Journey) ومُنحنى تطور الشخصية الدرامي (Character Arch)، لكن هناك مئات المصادر التي تحكي باستفاضة عن هذه الأشياء، ضع المصطلحات في جوجل واقض ليلتك في القراءة عنها.

الرمزية

كنت في السادسة عشر من عمري عندما قرأت كتاب انكسار الروح لمحمد المنسي قنديل أول مرة، وقعت في غرام الكتاب من أول حرف، لا أعرف إن كان شعوري سيظل نفسه إن فعلت الآن، على أي حال، عندما أنهيتها كنت منبهرًا بها.

أخبرني صديق متحمس «هل لاحظت أن فاطمة في الرواية ترمز إلى مصر؟» وصار يشرح لي كيف كانت علاقة البطل بفاطمة تزدهر في لحظات ازدهار مصر التاريخية، وتسوء مع سوء حال الوطن، حتى صارت إلى النهاية الحتمية إياها. فتحت فمي كأبله وصرت أصفق بأعضاء جسدي كلها. أظن هذا كان تعرضي الأول في قراءاتي لهذا النوع من الرمزية.

دعنا نوضح شيئًا مهمًا هنا، عندما نكتب الروايات فنحن نكتب قصصًا، قد يبدو هذا بديهيًا لكن هذه ليست حقيقة عند كثيرين. كثير منهم يجلس ليكتب عن أحزان الرجل المعاصر أو حال الوطن أو الجندرية في العالم العربي، إن أردت أن تكتب عن الجندرية في العالم العربي افعل ذلك في كتاب فكري أو فلسفي أو حتى في منشور على فيسبوك، أما إن كتبت رواية، فاحك قصة من فضلك.

في الرواية، القصة تأتي أولًا، بأحداثها وشخوصها وعالمها، إن كانت القصة تحتمل رمزية من نوع ما، صدقني -أو صدق العم كينغ- الرمزية ستأتي متضمنة معها، لا تحتاج لأن تقحمها إقحامًا. يقترح ستيفي أن تدع المسودة الأولى تكتب نفسها بنفسها، مركزًا فقط على الحكاية، إن خطر ببالك رمزٌ ما فدعه جانبًا وأكمل حكايتك. بعدما تنتهي منها ويحين موعد المسودة الثانية، يمكنك حينها أن تقرأ المسودة الأولى وترى إن كان ما فيها من رموز متضمنة يستحق أن تظهره، فتعمل على تلميعه في المسودة الثانية. لاحقًا، إن عمل الرمز على توصيل المعنى فخير وبركة، وإن فشل، تظل قصتك جيدة.

لا يطلب منك أحد أن تدع أفكارك وهواجسك خارج حكايتك، لكن ثق أن ما تفكر فيه سيُظهِر نفسه بشكل مباشر أو غير مباشر في القصة، إن كنت تعيش في سجن فقصتك ستكون بإرادتك أو عكسها قصة رجل سجين، لكن رسم مربعات طوال الوقت ووضع شخصيتك فيها لن يساعدك.

ربما لهذا أحببت المنسي قنديل في مراهقتي ولم يعد يبهرني الآن، فروايات الرجل رموزٌ رسم حولها حكايات وليس العكس.

كتابة، وإعادة كتابة، وإعادة كتابة، وإعادة كتابة، إلخ

«كتابة الروايات، خاصة الطويلة، هي وظيفة وحيدة وصعبة، هي أشبه بعبور المحيط الأطلنطي في بانيو».

في الفصل الحادي عشر يأخذنا كينغ في رحلة شعورية جميلة لمراحل تقلبات الكاتب الشعورية مع نهاية المسودة الأولى وجلسات المراجعة والكتابة التالية. هو أشبه بفصل من رواية أكثر من كونه فصلًا من كتاب غير خيالي.

ستمر بتلك اللحظات لا مناص، ستشعر أثناء الكتابة أنك لا تعرف شيئًا، ستشعر بانعدام القيمة والأهمية، ستقرر أنك لا تصلح لهذه اللعبة، وستبدأ في تعلّم مهارات الكيّ والغسيل تمهيدًا لتحول نشاطك إلى متجر (دراي كلين). حتى لو كانت هذه هي روايتك الأربعين.

ما نسعى له هنا هو أن نهرب من هذه المشاعر بأي شكل، اكتب مسودتك الأولى بسرعة، بلا توقف، بلا تراجع ولا استسلام، لا تهتم بما كتبته بالأمس ولا تقرأه إلا لتعرف أين توقفت وتتابع من هناك، لا مجال لإعادة الكتابة أو التصحيح، يجب أن تكتب هذه القصة بأي شكل.

انتهيت من المسودة الأولى؟ تهانينا، لقد فعلت ما يعجز عنه الكثيرون، لديك قصة مكتملة هناك على المكتب، تستحق الاحتفال، خذ إجازة، اطلب بيتزا، استرخ. لا، لا ترسل القصة إلى أي من أصدقائك أو قرّائك الآن، ستندم، صدقني، لا تحاول حتى قراءتها، دعها في الدرج الآن. اترك الكتابة لفترة أو اشغل نفسك في مشاريع أخرى، قصة قصيرة أو تقرير عن كتاب تحبه تكتبه لمجلّة حبر مثلًا. عندما تحاول قراءة ما كتبت بعد شهر، أو ربما أكثر أو أقل، ستذكر جيدًا متى كتبت هذا لكنك تشعر بشكل ما أن هذه الكلمات غريبة عليك وكأنك لم تكتبها، ها قد حان الوقت المناسب للمراجعة وإعادة الكتابة.

هناك احتمال لا بأس به أن تكتشف الآن أن مسودتك الأولى في منتهى السوء، أنت لم تفشل صدقني، كل المسودات الأولى بالغة السوء، وكثير من الأعمال السيئة المنشورة حولنا هي مسودات أولى لكتاب لا يحبون إعادة الكتابة. ابدأ في أخذ الملاحظات هنا، كل الملاحظات، بداية من الأخطاء الإملائية البسيطة وحتى فجوات الحكاية العملاقة، لا تقلق، طالما لدينا هيكل عظمي مناسب للحكاية كل شيء قابل للترميم.

حاول أن تقتنع أن المسودة الثانية تعني إعادة كتابة وليس مجرد تحرير، أنت بالفعل ستعيد كتابة كل شيء من البداية. ليس الأمر بهذا السوء، فأنت ستنسخ بعض الفقرات التي وفقت فيها من أول مرة بالكامل، ولن تعلق في المنتصف وأنت لا تعرف ماذا سيحدث بعد هذا، الأمر أشبه بدخول الامتحان ذاته مرّة ثانية والإجابات كلها معك، عليك فقط أن ترصها بعناية. وبالنسبة للجزء الأكثر إيلامًا، فنعم، عليك «أن تقتل أحباءك» (Kill your Darlings)، المسودة الأولى مليئة بالفقرات والتعبيرات التي ليس لها مكان هنا، إن حذفتها بالكامل لن تختلف الحكاية أبدًا، تحتاج لأن تتحلى بالشجاعة وتمسحها إلى الأبد، أعلم أن هذه أشد لحظات العملية إيلامًا، لكن من قال أن كتابة الروايات نزهة في الشمس؟ ستحتاج إلى أن تضيف أشياء أيضًا، ستدرك المواضع التي تحتاج إلى ترميم، لكن في الغالب أنت تحتاج إلى كثير من الحذف.

هل أنت بحاجة إلى مسودة ثالثة؟ أنت من ستقرر هذا بعد أن تقرأ الثانية وتحدد إن كانت بحاجة إلى إعادة كتابة أو تحرير فقط، لكن لا مناص من إعادة كتابة كاملة في المسودة الثانية. عندما تنتهي منها وتشعر أن بيدك حكاية متماسكة، أرسلها إلى هؤلاء الذين تعتقد أنهم أقرب الأشخاص إليك وأصدقهم، الذين لن يخجلوا أن يقولوا لك أن هذا الخيار لم يكن موفقًا وأن هذه الشخصية كان يمكن أن تكون أفضل. استمع للنقد بحكمة، طالما لم تنشر ولم يقرأها الجمهور مازالت أمامك كل الفرص لتجعل من هذا العمل أفضل وأفضل.

الكتابة هي إعادة كتابة، لا تنس ذلك.

هل هناك المزيد؟ بالطبع هناك المزيد، هناك مزيد من النصائح في هذا الكتاب الذي لم يسمح المجال لذكرها. وهناك المزيد الذي لم يذكره كينغ ستحب أن تعرفه، عن نظرية الفصول الثلاثة ورحلة البطل ومنحنى تطور الشخصية وأصوات الحكي والضمائر وأساليب السرد والكثير الكثير من التقنيات الهامة في كتابة الأدب.

لكن، كل هذه مجرد أدوات أمامك على المكتب، من المفيد أن تعرف كيف تستخدمها ومتى تفعل، لكن إن كنت ترى طريقة مختلفة لحكي الحكاية، افعلها فورًا، لن يطالبك أحد بكشف بعدد الساعات التي كتبت فيها ولن تطلب مسوداتك السابقة، اكتب بالشكل الذي تراه مناسبًا، حتى لو كتبت من أسفل إلى أعلى أو على طريقة الكلمات المتقاطعة، لم يكن هناك زمن أتيحت فيه أساليب ووسائط مختلفة للحكي مثل زماننا. في النهاية سيأتي عليك وقت سيتحتم عليك فيه أن تجلس وتقرأ ما كتبته وتحكم عليه إن كان جيدًا أم لا. لا أحد يُرضي كل القراء طوال الوقت، ولا أحد يرضي بعض القراء كلّ الوقت، لكن من الأفضل أن تحاول أن ترضي بعض القراء بعض الوقت. إن كنت ترى عملك لا يناسب القرّاء وهو أفضل من أن يفهمه العامة، هذا من حقك تمامًا، لكن لا تخرجه من غرفتك، أمّا إن قررت أن تنشر وتخرج للعامة فعليك على الأقل أن تحاول جعل كتابك مثيرًا للاهتمام لأحدهم. وإلا ما فائدة الحكاية بلا متلقٍ؟