رحيل «أبو عوّاد»

الأحد 03 آذار 2019
من جنازة المشيني اليوم في كنيسة ومقبرة أم الحيران في عمان. تصوير عمّار الشقيري.

أوائل القرن الماضي، اختلف الشاب إسحق مع والده عودة. يُريد الأب للابن أن يعمل في التجارة، ويُريد الشاب التدريس. ترك الابن عائلته في السلط وتوجّه إلى الضفة الغربيّة للعمل مدرسًا للغة العربيّة، تعرّف بعدها على فتاة من بيت جالا، فتزوجا وأنجبت في القدس طفلًا أولًا أسمياه باسل، ثم طفلًا آخر أسمياه نبيل، وكان يوم ولادته في ديسمبر 1939. سيكبر هذا الطفل كبُر حاملًا معه اسم شهرته التي انتشر في الأردن والوطن العربيّ؛ نبيل المشينيّ أو أبو عوّاد، وسيتوفى في 2 آذار 2019.

رجع إسحق بعائلته إلى السلط سنة 1942، وبعد أقل من سنتين ارتحل إلى عمّان مع عائلته وطفليه. بدأ نبيل حياته في الرياضة، كلاعبٍ في كرة السلّة، ولاعبًا للمنتخب الأردنيّ، إذ مثّل الأردنّ في الدورة العربيّة الثالثة المقامة في الدار البيضاء عام 1961 إلى جوار فراس العجلوني، ومحمد خير مامسر، ومحمد جميل أبو الطيّب، وزهير العمد، وأميل خوري، وعوّاد حدّاد، وتوفيق ندة، وأميل كورو. يقول بفخر: «كنت بلعب playmaker».

في تلك الفترة، كان والده الذي ترك التجارة للتدريس يكتب ويقدّم برنامجًا يوميًّا شهيرًا بعنوان «مضافة أبو محمود» على الإذاعة الأردنيّة، استمرَّ منذ عام 1958 حتى وفاته في 1966. «أخذنا كل هالموهبة منه، من جيناته يعني» يقول نبيل عن نفسهِ وعن أخوته وأسامة وغسّان؛ إذ دخل ثلاثتهم عالم التمثيل مبكرًا.

على الخشبة

عام 1961، دخل نبيل المشيني الإذاعة كممثل في المسلسلات الإذاعيّة، (وكان في ذلك الوقت قد بدأ العمل في سلطة المصادر الطبيعية واستمر حتى عام 1968). وظل المشيني في الإذاعة حتى 1963. «صار فيه قلبة في حياتنا، إجا مخرجين من برا، دارسين إخراج، فبدهم يعملوا فرقة مسرحيّة». بذا، تأسست فرقة أسرة المسرح الأردنيّ عام 1964 وعرضت الفرقة مسرحيات عالمية مُترجمة وكان المشيني أحد مؤسسيها والفاعلين فيها. «وجدنا أنَّ أفضل مسرحيّة نُقدمها هي مسرحيّة أفول القمر لجون شتايبك، وهي تحكي قصّة قرية صغيرة تقاوم الاحتلال»، يقول المشيني عن بدايات ذلك العمل المسرحي.

لعب المشيني دورًا في تشجيع الممثلين الشباب على الانخراط في الفرقة المسرحيّة. «أتذكر الأستاذ نبيل مشيني رحمه الله، كشخصية مرحة، دمث في تعامله مع الجميع، وكان محبوبًا، وموضع ثقة من أعضاء الفرقة، ويشجع الأعضاء الجدد أمثالي»، تقول خديجة الحباشنة التي انضمت عام 1968 إلى الفرقة المسرحية وشاركت في رحلتها إلى بغداد لعرض مسرحيّة أفول القمر في العام ذاته. وضمت الفرقة بالإضافة للحباشنة والمشيني: نورما قراعين، وهاني صنوبر، ونبيل صوالحة، سهيل الياس، أسامة المشيني، وصلاح أبو هنود، ومارغريت ميلاتلجيان، وقمر الصفدي، وميشيل بقيلة وآخرين. 

في العام ذاته، افتتح التلفزيون الأردنيّ. «والله وأوّل صورة تطلع بالتلفزيون صورتي»، يقول المشيني الذي شارك في في تمثيلية تجريبيّة للبث، وكان معه الفنان نبيل صوالحة، والفنان هشام هنيدي.

سافر المشيني للعمل في إذاعة وتلفزيون الكويت من 1968 إلى 1971، عاد بعدها وعمل مذيعًا ومحرّرًا للأخبار في إذاعة والتلفزيون الأردني حتى عام 1976، لينخرط بعد ذلك في الإنتاج التلفزيوني في المسلسلات البدوية والتاريخيّة، مترأسًا شركة إنتاج فني أنشأت عام 1976.

خديجة الحباشنة في مشهد تمثيلي ساخر مع نبيل المشيني في بغداد عام 1968.

من «وضحة وبن عجلان» إلى «أبو عواد»

مثَّل المشيني أوّل مرة في مسلسل «وضحة وبن عجلان» (1975) لاعبًا دور فليحان، ثم في مسلسل «راس غليص». ويقول حول فكرة هذا المسلسل الذي أنتجه ونفذه في العام 1976 ولعب فيه دور منّاع: «جدّتي هي اللي أعطتني القصّة الحقيقيّة، سجلّناها على كاسيت وأخذنا القصّة لكاتب سوري، وطلعت قصّة راس غليص». تلك السنة ستشهد أيضًا زواجه، في 15 تشرين الأول. يقول صديقه ورفيق دربه منذ ذلك العام، الممثل داود جلاجل: «صنع هذا العمل [راس غليص] وجوهًا جديدة في العالم العربي لم تكن موجودة، مثل عبد الرحمن آل رشي والممثلة المصريّة هناء ثروت».

تواصلت بعد ذلك المسلسلات التاريخيّة والبدوية التي عمل بها المشيني، ليبدأ بعدها العمل على مسلسله الأشهر، «أبو عواد»، عام 1982. «مسلسل أبو عوّاد فكرت فيه بالليل، قلت بدي شخصيّة يحبوها الناس، يصير فنان للشعب، كنت أتمنى يلقبوني فنان الشعب»، يقول المشيني. «حطينا أسرة من أب وأم وفتاة وشاب، دكانة فيها تلاعب بالأسعار وغش، ركّبت هذه التركيبة ودورت على شخوص».

المشيني في دور أبو عواد في إحدى حلقات المسلسل.

واصل المشيني دعمه للوجوه الشابّة في الدراما مثلما فعل في المسرح، وهو ما يؤكده جلاجل الذي شاركه هذا العمل أيضًا: «في مسلسل أبو عوّاد تبنى المشيني موسى حجازين، الذي كان يعمل مدرسًا موسيقيّا، وشارك في دفع التزامه لوزارة التربية والتعليم ليتفرغ للمسلسل. وتبّنى حسن إبراهيم (مرزوق) أيضًا. كان له دور بارز في تبني المواهب الشابة وبروح الصداقة».

هذا الالتزام تجاه القطاع الفني والعاملين فيه انعكس في انخراطه في الأطر الجماعية للفنانين. فحين تأسست رابطة المسرحيين الأردنيين عام 1977 كان المشيني أحد أعضائها، وحين تحوّلت إلى رابطة الفنانيين الأردنيين 1986 أصبح عضوًا فاعلًا فيها. وبعد أن تأسست النقابة من مجموعة المهن الفنيّة في الأردن، كان المشيني أحد أعضاء مجالس إدارتها في إحدى المرّات، وفقًا لداوود جلاجل.

بعد عرض المسلسل، عُرف نبيل المشيني بأبو عوّاد أكثر من اسمه الحقيقيّ في كثير من الأوساط. «في البيت مرات كانوا يقولوا لي أبو عوّاد، وبرا كمان؛ لإنها كانت [الشخصيّة] صادقة».

يرد الطريفي سبب انتشار مسلسل أبو عوّاد تلك السنوات إلى أنه «[رفع] سقف الانتقاد للمشاكل الاجتماعيّة، وبعض الضربات في المسائل السياسيّة». وعن شخصيّة المشيني يقول الطريفيّ: «كان المشيني يمثّل من قلب وربّ، هو ممثل ممثل، على المسرح بيفوت بالشخصيّة عن آخرها، وكان حاسس إنه عنده مسؤولية تجاه الناس، جواته البعد الاجتماعي، كان نفسه يكون المسرح دائم مسرح نبيل المشيني».

وبحسبه، فقد مثّل فريق التمثيل في مسلسل أبو عوّاد في مسرحيّة بعنوان حارة أبو عوّاد، يقول الطريفي إنها «من أروع المسرحيات التي شفتها، أخرجت من قبل أحمد شقم». وعرضت في بعض المحافظات الأردنيّة في أواسط الثمانينيات، و«للأسف لم يكن لها أي ذكر».

من جنازة المشيني اليوم في كنيسة ومقبرة أم الحيران في عمان. تصوير شاكر جرار.

تكريم وتنكر

عام 2003، عيّن المشيني عضوًا في مجلس الأعيان الأردنيّ العشرين. «دخولي مجلس الأعيان كان تكريم مش بس إلي، كان تكريم الفنانين الأردنيين»، يقول المشيني.

لكن في سنواته الأخيرة، بدا استياء المشيني مما آل إليه القطاع الذي عمل فيه أكثر من خمسة عقود. «في أنانية وشليلة بالأعمال. ما انعرض علي مسلسل خارج الأردن، الكل متنكر إلي صراحة. المحطّات العربية ما احترمتني، تلفون احكوا معي. عرضت مسلسل بدوي وانرفض لإنه ما وصل من ناس معينيين»، يقول المشيني. «تعبت على نفسي مسيرة 50 سنة، ما قدمت إشي يستخف بعقل الجمهور. ندمت إني أكون فنان، كان لازم أكون نجار أو ميكانيكي. الفنان ما إله احترام. إلي سنة ونص قاعد. المحطات الفضائية صارت تأخذ أي كلام تجاري». وكان آخر عمل مثّل فيه المشيني في 2017 هو مسلسل بدوي بعنوان «عقاب والعفرا».

ولا يقتصر ذلك على رأيه في مشاركته هو في الأعمال الجديدة. فحين سئل عن رأيه في إعادة إنتاج المسلسلات البدوية التي سبق عرضها، والتي شارك هو في بعضها، قال المشيني  في حوار عام 2017: «أنا مش مرتاح أبدًا. راس غليص انتهى خلاص، في مواضيع ثانية. صار الموضوع تجاري، لإنه صارت اجترار، وصارت مسابقة. هلأ صار [الممثل] بيحمل النص بيعرفش شو دوره بس بيحفظ وبيقرا، تمثيل سيء، مواضيع تكررت، مفيش إلّا أكمن عمل».  

رغم هذه المرارة، واصل المشيني بروح الدعابة والتواضع المشهود له حتّى آخر أيامه. يروي الصحفي رامي زلوم تفاصيل مشاركته جلسات العلاج الطبيعي في إحدى مراكز عمّان: «كان يشجع المتعالجين في مكان معالجته، يخوض حوارات، هو إلي أجى تعرّف علي، مش أنا. شخصية متواضعة وبيحكي بثقافة، ولا كأنه زلمة مشهور. ودائمًا ابتسامة».

خلال تمارين التوازن في جلسات العلاج، يقف المصاب على كرة، و«الوقفة مش سهلة»، يقول زلوم. «كان [المشيني] واقف على واحدة من هاي الكرات، يتوجع ويضحك. بيحكيله أحد الأشخاص مرّة: أنت بتتوجع وإلا بتضحك؟ حكاله: التنين مع بعض».

من جنازة المشيني اليوم في كنيسة ومقبرة أم الحيران في عمان. تصوير عمّار الشقيري.