صول | على خطى أورفيوس

الإثنين 22 تشرين الأول 2018

«أطلقت الشهرة لسانها لتحدّث عن ذلك الذي طوّع البحار بقاربٍ هشّ، وسخِر من غضب رياح الشمال والجنوب»

أورفيو – كلاوديو مونتيفيردي، 1607

خرجت أوريديكه تلعب مع أخواتها الحوريات عندما لدغتها أفعى تختبئ بين العشب، فسقطت ميتة وملأ عويل الحوريات الوديان. سرعان ما وصلت أنباء الفاجعة إلى زوجها أورفيوس، فأخذ يرثيها بموسيقى أبكت كل من على الأرض، حتى أن الآلهة سمحوا له باستردادها من عالم الأموات، لكن بشرط.

هذه مجرّد واحدة من التنويعات الكثيرة على قصة أورفيوس. ومثل كل الأساطير، من العبث أن نسأل حول أقدمية أو مصداقية هذه النسخة أو تلك، فالأسطورة بطبيعتها تجميع من التنويعات الأدبية والبصرية والطقسية، تكمل أو تناقض بعضها، وتأخذ شكل العصر الموضوعة فيه. في حال أورفيوس، تعود معظم الروايات إلى الفترة الرومانية، بينما يبقى أورفيوس اليوناني شخصًا غامضًا نعرف القليل عنه، باستثناء أنه كان شاعرًا وموسيقيًا بربريًا، أي غير يوناني، سحر بغنائه وصوت قيثارته كل شيء من البشر والحيوانات المتوحشة وحتى الأنهار التي غيرت مجراها لتدنو منه. باختصار، كانت موسيقى أورفيوس إعجازًا لم يُسمع له مثيل، ولا حتى من أبولو، إله الموسيقى بذاته، ووالد أورفيوس حسب البعض.

في فورة النهضة الإيطالية والرغبة بإحياء الثقافة والقيم اليونانية والرومانية البائدة، حاول مجموعة فلورنسيين إعادة خلق المسرح اليوناني بشكله القديم المُغنّى، لكنهم كانوا في الحقيقة بصدد تركيب شكل جديد هو الأوبرا. ولم يكن مستغربًا مع ولادة الأوبرا وأصلها اليوناني المزعوم أن تكون قصة أورفيوس الموضوع الأكثر شعبيةً لغالبية الأوبرات، كون موضوعها الحقيقي هو الموسيقى. وبالفعل، عندما كتب الإيطالي مونتيفيردي أوبراه أورفيو، إحدى أولى تلك الأوبرات النهضوية، قام بتوكيل دور الرواي إلى شخصية «الموسيقى» التي تفتتح الأوبرا.

منذ تقديم الأوبرا عام 1607، لم تلهم أي شخصية، أسطورية أو غيرها، الكمية من الأعمال الموسيقية التي ألهمها أورفيوس

تموت أوريديكه إذًا، ويلحق أورفيوس بها إلى العالم السفلي، مغامرة لم ينل شرفها إلا قلة من الشخصيات الأسطورية، يخوضها أورفيوس لا بقوته الجسدية مثل هرقل، ولا بجماله الإلهي مثل أفروديت، بل بالغناء، نموذج جديد من البطولة أقل ذكوريةً، فيتجاوز كارون، ملّاح النهر الذي يفصل عالم الأحياء عن عالم الموتى، كما يلين لغنائه قلب بلوتو، إله العالم السفلي، فيسمح له باسترداد روح محبوبته، بشرط أن تسير خلفه وألا يلتفت للنظر إليها حتى بلوغهما عالم الأحياء وإلا سيفقدها إلى الأبد. وهو ما يحصل.

منذ تقديم الأوبرا عام 1607، لم تلهم أي شخصية، أسطورية أو غيرها، الكمية من الأعمال الموسيقية التي ألهمها أورفيوس، مما يدفع للتساؤل عن فائدة كتابة أورفيوس جديد كل سنة أو سنتين طالما الجميع يعرف القصة ونهاياتها المحتملة، والجواب هو أن الأوبرا ظلت، على الأقل حتى القرن العشرين، قالبًا فنيًا مضبوطًا بأعراف صارمة، تمامًا مثل السينما الهوليودية اليوم، المهم فيها ليس القصة المكررة ولا الشخصيات المنمّطة بل طريقة العرض: الموسيقى والديكور والملابس والتعبير اللغوي، والتحدي يكمن في تلاعب المؤلف الجديد بتلك القواعد لخلق أورفيوس يتفوق على سابقه.

في نسخة المؤلف الألماني جلوك مثلًا لعام 1762، أي بعد أكثر من قرن على أوبرا مونتيفيردي، يتحول العنوان إلى أورفيوس وأوريديكه. وأوريديكه التي تكاد لا تظهر لدى مونتيفيردي، وكأنها منذ البداية مجرد طيف بعيد المنال، تكتسب هنا شخصية أكثر تعقيدًا، وتغني مطولًا على طريق الصعود إلى عالم الأحياء، متوسلةً أورفيوس أن ينظر إليها، وخائفة من أنه لم يعد يحبها، ومن أنه يخونها، الشيء الذي يفسر استدارة أورفيوس وفقدانه إياها.

احتفظت أوبرا جلوك طويلًا بشعبيتها، واستمرت بمجاراة الذوق العام للقرن التاسع عشر، حين ارتبط كل ما هو يوناني بالنقاء والبساطة، تمامًا مثل موسيقى جلوك في «رقصة الأرواح المباركة» أو أغنية أورفيوس «يا لنقاء السماء» التي تعكس، باستخدام آلة الأوبوا، وحدة أورفيوس وبراءته، أو خصوصًا في أغنية موت أوريديكه «لقد فقدت أوريديكه» والتي إذا ما قورنت بنظيرتها القاتمة من أوبرا مونتيفيردي، تبدي لنا بوضوح التغير الشاسع في الذوق بين عصر النهضة وقرن الأنوار.

بينما استمر مؤلفو القرن التاسع عشر مثل ليست في التعامل مع أورفيوس كرمز لتفوق الموسيقى وقوتها في مواجهة القدر، كان الفرنسي أوفنباخ من القلائل الذين فهموا أن أقوى ما في الأسطورة قد يكون قدرتها على الانقلاب على المجتمع ذاته الذي ينتجها.

في النهاية يكاد المتفرج ينسى أن هذا المكان المسلي المليء بالموسيقى والرقص هو في الحقيقة الجحيم، نوعًا ما مثل باريس منتصف القرن التاسع عشر

في أوبراه «أورفيوس في الجحيم» لعام 1858، يقدم أوفنباخ قراءة ساخرة للأسطورة، فأوريديكه تعيش حياة بائسة مع أورفيوس المزعج، الذي لم تعد تطيق موسيقاه وتدعو الآلهة أن تخلصها منه. وعندما تستجيب الآلهة وتموت أوريديكه، وسط سعادة زوجها، تظهر شخصية تعرّف عن نفسها بأنها «الرأي العام»، تجبر أورفيوس على اللحاق بزوجته إلى العالم السفلي لاستردادها وتفادي كلام الناس. وعلى وقع موسيقى أوفنباخ المسلية والذكية، تشارك الآلهة في إغواء أوريديكه، التي تستلم في النهاية إلى كبيرهم زيوس عندما يأتيها على شكل ذبابة، في تلميح ساخر إلى تحولاته المستمرة في الأساطير إلى مختلف أنواع الحيوانات.

تشكل أوبرا أوفنباخ نقدًا شرسًا لعقلية البرجوازية الفرنسية، وللخطابات الفارغة حول العودة إلى القيم اليونانية الأصيلة، والتي تستخدم كقناع لمجتمع منافق وجشع يقوم على زواج المصالح واحتقار النساء، فأوريديكه تبدو ضحية لنزوات الرجال من بشر وآلهة تدعي العفة والأخلاق، بينما يتحول الشرط الشهير بعدم الالتفات وراءً إلى طريقة لتغشيش أورفيوس، حتى يلتفت ويخلص نفسه من زوجته ومن الرأي العام.

يوسع أوفنباخ تهكمه على المجتمع البرجوازي ليشمل أيضًا تساليهم الموسيقية: فلإقناع الآلهة بمساعدته، يغني أورفيوس الأغنية، الشهيرة آنذاك، «لقد فقدت أوريديكه» في سخرية مباشرة من أوبرا جلوك التي صارت تمثل ذوقًا متحجرًا، كما أن أورفيوس هنا لم يعد يعزف على القيثارة بل على الكمان، في تحديث ذكي للأسطورة، لأن الكمان كان الآلة الأستعراضية الأهم أيام أوفنباخ، مما يسمح له بمهاجمة ظاهرة العازفين النجوم الذين يحولون الموسيقى إلى استعراض تقني خال من أي محتوى الجمالي. وفي النهاية عندما ترقص الآلهة رقصة كانكان باريسية، يكاد المتفرج ينسى أن هذا المكان المسلي المليء بالموسيقى والرقص هو في الحقيقة الجحيم، نوعًا ما مثل باريس منتصف القرن التاسع عشر.

قد يظن البعض أن القرن العشرين سينزع عن أورفيوس سحره، لكن ما حصل كان العكس تمامًا، فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية، استمر البعض في استحضاره بحثًا عن نقاء وجمال مفقودين، كما في باليه أورفيوس الأنيق لسترافينسكي، بينما استخدمه آخرون لطرح مشاكل أكثر تعقيدًا، مثل المؤلفَيْن بيير شيفر وبيير هنري في عملهما المشترك أورفيوس 53.

يغني أورفيوس وحيدًا على المسرح بمرافقة شريط مسجل ومعالج مسبقًا من الموسيقى الخرسانية، يردد كلمات مبعثرة تبدو كنسخة كابوسية من أغنية جلوك «لقد فقدت أوريديكه» (1:15)، قبل أن يدخل في حوار مع الشريط المسجل (3:17) الذي يتكلم بالألماني، بينما يجيبه أورفيوس بالفرنسي:

«أنا لم أعد أورفيوس».
«من أنت إذًا؟» يسأله الصوت.
«لا أحد، تلاشيت في الحشود».
«كل أحد هو أورفيوس» يجيب الصوت. معطيًا مفتاح العمل والأسطورة بأكملها.

في مقطع النزول إلى الجحيم (6:37)، بين أنين آلاتٍ معدنية تتردد أصواتها على جدران خرسانية صماء، أو زقزقة بطة أطفال مطاطية، ينادي صوتٌ اسم أوريديكه (8:50) وكأنه يحاول إيقاظها، وكأن كل ما يجري جزء من حلم تحلمه هي. تمثّل جميع تلك الأصوات الوحوش الحقيقية للقرن العشرين، الآلات والأغراض اليومية التي تستنزف أورفيوس في لحظات ضعفه، وتحدق به بينما يغرق نحو عالمه السفلي كمن يفقد الوعي في حوض استحمام أو يضيع في أقبية مهجورة بلا قاع، وكما يؤكد المونولج النهائي (14:35)، فإن الحل الوحيد لأورفيوس كي يستعيد نفسه وأوريديكه هو بالغوص داخل نفسه، في جحيم لاوعيه.

يعود أورفيوس إنسانًا عاديًا بعد أن فقد قيثارته وهالته الأسطورية، ربما في مجاز عن فقدان الأسطورة لدورها في عالمنا الحديث، أو فقدان الإلهام مع استنفاد الموسيقى لمكوناتها القديمة من مقامات وإيقاعات وألحان وعودتها إلى حالتها البدئية: أصوات، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الموسيقى الخرسانية بمعالجتها لأصوات من الحياة اليومية. بتجديدهما الراديكالي هذا، يعلن المؤلفان أن الشرط لإنقاذ الموسيقى، مثل أوريديكه، هو «عدم الالتفات إلى الوراء».

بالفعل إذًا، «كل أحد هو أورفيوس»: الموسيقي النهضوي الذي يهذب الوحوش الضارية ويقهر الظلمات، الموسيقي الرومانسي الذي يحوّل حبه المفقود إلى فن، الموسيقي المحتال الذي صار أسطورة بسبب ذوق جمهوره الرديء، والموسيقي الذي ضاع صوته في صخب العالم الحديث. كل أولئك، مثل أي شخصية أسطورية، «يعيشون أكثر من حياة وأكثر من موت، بعكس شخصيات الرواية المقيدين بفعل واحد. في كل حياة وموت، تكون جميع النسخ الأخرى حاضرة ويتردد صداها في الوقت نفسه»، حسب قول المفكر المعاصر روبيرتو كالاسو. وحتى يومنا هذا، يجد المؤلفون أصواتهم الشخصية من خلال أورفيوس، فإن كان ليفي-ستراوس يعرّف الأسطورة على أنها «حل خيالي لمشكلة حقيقية»، فإن المؤلفين يحققون من خلال أورفيوس ما لن يحققوه أبدًا في واقعهم: تغيير مجرى الكون بالموسيقى.