سليم بركات يُقوّض «سيرة الوجود وموجز تاريخ القيامة»

الإثنين 15 تشرين الأول 2018
تصوير عمّار الشقيري

حاملًا الإرث الثقافيّ للكرد والأشوريين والأرمنيين والسريان، ومعه مخزنَ العربيّة القديمة، وخيالًا غريبًا، دخل السوريّ الكردي سليم بركات بقصائدهِ بيروت في العام 1970، قادمًا إليها من دمشق بعد سنة واحدة درس في جامعتها اللغة العربيّة، بعدما أتى من قرية موسيسانا الكرديّة في الشمال السوريّ.

منذ وصوله، شغلَ بركات الوسط الثقافي ببلاغته وعجائبه، وتطويعِ مهجورات اللغة في سياق الجملة الحديثة. وقف الكلُّ مُندهشين من الفتى ذي التسعة عشر عامًا وهو يُركّب قصائده بشكلٍ غير مألوف، وكان من جمهرة المندهشين أدونيس، ودرويش، وشيركو بيكه، ونزار قبانيّ. لا يُمكن تلخيص تجربة بركات، لكن يمكن أن نستعير تعبير قاسم حداد عن الذي أتى به بركات في الشعر:«نموذجٌ يستعصي على القرائن». هكذا، لا نُمسك على آباءٍ ولا مشابهٍ له في الشعر.

جلب بركات لغة الشعر الغريبة هذه إلى الرواية، وهي شعرية يقول إنها «[تصاحب] البناء المتخيّل لديّ (..) ولا أشغل نفسي [بها] إلّا بالمقتضى الذي تُشغل الرواية به نفسها».

خرج بركات مع المقاومة الفلسطينية من بيروت إلى قبرص عام 1982، ومن قبرص إلى بيت في غابة سكوغوس بمملكة السويد حيث يُقيم منذ العام 1999. من الغابة يكتب بركات، في عزلةٍ شبه مُحكمةٍ، بعيدًا عن: الناس، الجوائز، حفلات التوقيع، الترجمات، الصحافة، لا مقابلات تلفزيونيّة غير واحدةٍ تقريبًا، لا صورةً حديثةً له على الإنترنت، أمَّا لباسه، فلباس الكرد التقليديّ (شروال فضفاض) وعدَّل عليه من فوق؛ «فانيلة» لبسها في أمسية جمعته قديمًا مع درويش، وفي مقابلة مسجلّة في بيته، هكذا، كأنَّه أسطورةٌ خرجت من كتاب قديم.

السنوات الأخيرة، توازن نسق الإنتاج الروائيّ لدى بركات؛ في كل عامٍ رواية، ستبلغ الحصيلة منذ نشر روايته الأولى «فقهاء الظلام» 1985 وحتى هذه السنة بصدور روايته «سيرة الوجود وموجز تاريخ القيامة» عن المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر 24 روايةً.

24 روايةً لا تشبه واحدة منها الأخرى (١)، لا أسماء مألوفةً، لا مواقف مألوفةٌ في شؤون السرد. الغريب حاضرٌ منذ قائمة شخصيّات العمل يضعها ببداية الرواية، والحبكات الصغيرة، أفكار غير مكتملةٍ كأنها وجدت لتقود إلى متاهةٍ، وُعورةٌ في البلاغة لكن ليست بلاغة المعجم القديمة إنما مزاوجة بين المفردات الحديثة وما يُكملها من المعجم. كذلك شأن المكان في الرواية، إذ يعمد بركات كثيرًا إلى خلق أماكن غريبةٍ يُجري عليها أحداثَ العمل.

تُصنّف روايات سليم بركات إلى صنفين؛ التي يخلق لها مخلوقات عجيبةٍ؛ رؤوس بشريّة من الأعلى وأجسادٍ خيولٍ من الأسفل، أو بشريّةٍ من الأعلى و جرادٍ من الأسفل. تتحرّك هذه الروايات في عوالم أسطوريّةٍ مثل روايات «كهوف هايدراهوداهوس»، «حوافر مهشّمة في هايدراهوداهوس»، «أقاليم الجنّ». والصنف الثاني، رواياتٌ شخصيّاتها بشرٌ وتدور أحداثها على الأرض مثل روايات: «فقهاء الظلام»، «سبايا سنجار»، ثلاثية «الفلكيون في ثلثاء الموت»، «سجناء جبل أيايانو الشرقيّ».

تأتي رواية بركات الجديدة «سيرة الوجود وموجز تاريخ القيامة» في الصنف الأوّل. إذ يبتكر كائنات غريبةٍ، تطير ببضع بوصات عن الأرض، ولها ريشٌ على الوجوه، وتتكلم أغلبها أصواتًا من الشهيق والزفير من فتحاتٍ في وجوهها، وكائنات أخرى حيوانات من نار.

وسّع بركات فضاء روايته في العمل الأخير، إذ لا أعلم أنه أدار قبلًا حكايته في شساعةٍ مثل هذه؛ الأرضُ بأزمنتها كلّها، ومعها أرض القيامة المتخيّلة في البحر أو بوابة القيامة ومعها خليجُ العبور.

مُلخص الرواية

تدور أحداث الرواية على بوابة القيامة، الموجودة على أطراف بحر «هيلاكريتوثينيس» حيث يجري التحضير للانتقال من دولة الوجود الراهن أو دولة الموت «هيْلُوْفيرْنوم» إلى دولة اللاموت «هَامْبورْتوم». يدخل بشريٌّ هو «براهو» سباحةً بالخطأ إلى قلعةٍ في الماء قرب خليج «لوهيم» وهو يبحثُ عن تكليفٍ من أحدٍ بالنبوّة، حاملًا معه حقيبةً من نُحاسٍ ليحفظ بها صوته حين يصير نبيًا.

قلعة «لوهيم» يُمسكها خمسة حيتان بقرون مُتشعبةٍ مربوطةٍ بالسفينة لتحفظ توازنها في المياه.  يحكم القلعة «السيد القديم» ومعه معاونوه؛ ثمانية متعهدين، بقوراب ومراكب، يُشرفون على تحصيل محاصيل الكون من قبل النساء إلى القلعة، حيث سيجري ترميم هذه المحاصيل الأشلاء والجثث لنقلها إلى دولة اللاموت «هَامْبورْتوم».

تقوم الرواية في نصفها الأول تقريبًا على متاهةٍ طويلةٍ من الحوارات التي تؤشر على الأفكار بين الباحث عن النبوّة والسيّد القديم، ومساعدي السيّد القديم. ثلاثمئة صفحةٍ تقريبًا يظل بركات يصف ويُقيم الحوارات بين الشخوص، أو هو ربّما سرّب الحكاية بين الحوارات حتّى فصل: شعب المتاهة البحريّة.

من هذا الفصل، تحدث الانعطافات في الأحداث بعدما كانت كل الأحداث حوارات في القلعة؛ يرافق الباحث عن النبوة «براهو» هايزارا لمطاردة شعب ابن السيد القديم كائنات الرماد من أجل قتلهم وإعادة ترميمهم، هناك حيث يكتشف «براهو» مقتلة الإفناء بين أتباع الأسياد الثمانية.

في محاورة بين «براهو» وأحد معاوني السيّد القديم آية الواحات «ساييد»، ملخصٌ لسيرة هذا الوجود، الذي يشهد منذ نشأته مقتلةً وخرابًا:

– الخرابُ مُكلَّفٌ، كمهندسٍ، بعمران الأمكنة، أيَّها الغريب. احْفَظ للخراب جلال اختصاصه، قال ساييد.
– أيُنجز الخراب عمرانًا أيها السيد ساييد؟ تمتم براهو مُرهقًا.
– يُنجز خير ما في العمران، رد ساييد.
أدار براهو وجهه إلى الشمال؛ إلى الدخان يُعيد ترتيب السماء بسكاكينه شقَّا، وبضًّا، وبترًا، متهدلّةً مِزقًا فوق طبقات هيلوفيرنوم. تنهَّد:
– نعم، أرى الخراب يُنجز خير ما في هيلوفيرنوم.
-التقويضُ أيها الغريب خير هيلوفيرنوم. حظوتها- خرابًا- أنها ستكون مبتدأ النقل بالوجود إلى دولة اللاموت، عقَّب ساييد (2).

أُنْجِزَ التقويض في دولة الموت «هيْلُوْفيرْنوم»، وتفرَّغ بركات في الفصل قبل الأخير لوصف صرير المخاطبات بعد التقويض بين متعهدي التقويض إذ خُذلوا من «السيّد القديم» بعدما أمضوا أعمارهم يشرفون على نقل المرَّمَمَين إلى دولة اللاموت. حين اكتمل النقل تخلى عنهم السيد القديم.

في الفصل الأخير تهدأ المحاورات، وتظهر خرائط الرموز في الرواية؛ كيف يُفكّر من ينتقل إلى دولة اللاموت، كيف سيكون حاله، مصير متعهدي الترميم والمصالح، وعلاقة الباحثين عن النبوّة بالأتباع وفكرة النبوّة، وحدهن نساء دولة الموت «هيْلُوْفيرْنوم» ناقلات الأشلاء والجثث بأمر المتعهدين سيكنَّ بأمر السيد القديم خالدات يجبن بقوارب الترميم بحر «هيلاكريتوثينيس»، هنَّ أنجبن، وجمعن ما أنجبن قتلى وأشلاء إلى مراكب الترميم.

قوِّض الوجود كلّه، ولم ينتقل أحدٌ لأرض اللاموت «هَامْبورْتوم»، بل عُرضت منها مشاهدٌ على الأشرعة المرايا للسفينة يحملها حيتان، قُتل متعهدو المصالح مساعدو السيّد القديم، وبقي وحده براهو يُردّد لآخر مشهد في الرواية: سأجدُ شعبًا، لي قدما نبيٍّ.

يُمكن وضع مختصر للرواية، إذ هي حكاية الإفناء على الأرض من قبل الأسياد وتابعيهم (ملوكًا وأنبياء ومُبشرين بالآخرة) وعلاقة كلّ هؤلاء بالتابعين، وتصوّرات الفريقين لمرحلة البرزخ وما بعد البرزخ. تُحصر الفكرة في سطرٍ واحدٍ: الإفناءُ التقويضُ والخراب مدخلٌ للعبور إلى الآخرة، لكن مع ترميماتٍ على المُقوضين إذ لا يكتمل عبورهم إلّا بصورةٍ تليق بمهابةِ دولة اللاموت «هَامْبورْتوم».

يصف مشهدٌ في الرواية المقتلة الكبرى بين مُتعَهدين لمصالح الإفناء ونقل الجثث لتُرمّم؛ هايزارا وكانائي:

لم يبدُ اكتراث من هايزارا، وجلاوزته الأتباع، والكائنات الجسوم الرماد، بالمشهد المُلفت ضارياً في عُنفه
استدار هايزارا إلى الرجل المُلتبس العمر. ناداه:
– أهذه أوّل مرّةٍ ترى فيها مُجريات الإفناء حدوثًا، أيها الغريب؟
– نعم. ردَّ براهو ببصرٍ لا يُفارق الطَّراد.
غمغم هايزارا بنبرٍ مستهزئ:
– أأعددتَ نبوّتكَ، إن كُلّفت، للاستئناس بالمجابهات الطاحنة.
– أهذه مُجابهات تؤنس، أيها السيّد هايزارا؟ تساءل براهو فردَّ آية الجبل:
– المُجابهات كلها مؤنسةٌ في التعهد للأتباع بحظوظٍ تليق بهم إن قُتلوا (3)

يقول الشاعر الأردني أمجد ناصر الذي عرف بركات في بيروت: «كنا، مع أولى رواياته، نعرف أين نضع خطانا، كانت أسماء العلم المعروفة تدلنا على أرض شخوصه النافرين، ومصائرهم المسنونة على حجر صوان، ولكننا شيئًا فشيئًا رحنا نفقد طرف الخيط، وتنقطع بنا السبل على نحوٍ ملغزٍ ومحير».

يصف مواطنه صبحي حديدي الذي ربما كان أفضل من تتبع مشروع بركات: «إنَّ اقتفاء المطابقات بين شخوص الرواية، وما يمكن أن تمثّله في الواقع الفعلي لن يخرج عن إطار التمرين الذهني الذي لا يجدي كثيرًا، خصوصًا إذا ما قُورن بحجم مزالقه؛ وهذا إنجاز يميّز الرواية، في كلّ حال».

الالتباس

تعتمد طريقة بركات في صياغة الأفكار على وضع الالتباس أمام القارئ (4) بحيث لا يصل المعنى واضحًا في العموم بقدر ما يخلق تأملًا وتأويلًا يقلُّبها القارئ بحسب مُدخلاته المعرفيّة والحسيّة. هذا جزءٌ من محاورة الباحث عن النبوّة «براهو» مع السيّد القديم «إيهوا». ربّما تُطلُّ على نوع هذه الحوارات:

أيقنعُ المُلتبسُ أحدًا، أيُّها السيّد القديم؟، سأله براهو، فردَّ إيهوا:
– المُلتبس هو حقيقةُ الواضحِ
– ما الواضحُ إذًا ايُّها السيّد القديم، سأله براهو، فردَّ إيهوا:
– هو ركاكةٌ تُعين الخصمَ على دحضك في المُجادلات.
تحيَّر براهو أكثرَ من الفائضِ المُحيِّر أثقل به إيهوا محاورته، تمتم:
كيف التمكّن من صِناعة المُلتبس أيُّها السيُّد القديم؟، تساءل براهو واضعًا يدهُ اليُمنى على صُدرة ثوبه، فوق الريشة البرتقاليّة.
– كنّ عنيدًا، رد إيهوا(5)

لكن، لا يكون هذا الالتباس بقصد إهانةٍ القارئ. يشرح بركات في المرة الوحيدة التي أُجري معه لقاء: «من يوم ما طبعت كتاب إلى يومي هذا، بحياتي ما كتبت شي إلا حطيتو بكتاب، بحياتي ما ندمت على كتاب من كتبي، اشتغلت مع كتبي بطريقة إنو أنا ما بتعامل مع قارئ أبله أو ساذج أو بقدر أنا بضحك عليه، دائمًا حطيت قدام عيني في قارئ أفهم مني وأذكى مني ما بقدر أضحك عليه».

خلال قراءة الرواية، تظهر قوائم سليم بركات؛ قوائم البلاغة في تقسيم الموجودات والأشياء، مثل قائمة أنواع النبض، قائمة أنواع الأصوات، قائمة يُصنّف فيها النظرات الإنسانيّة في ثلاث صفحاتٍ أفقيًّا: من نظرة سرّاقة، نظرة مُغتصبة، نظرة مقتحمة، نظرة فوضى… هكذا لست صفحات، يعرض بركات 123 مرتبة للنظرة يفتح فيها بركات التأويل على آخره، كل مرتبةٍ إذ أراد القارئ الوقوف عليها يُمكن أن تسحب من وقته تأملًا ساعاتٍ.

يعيش في الغريب، يكتب غريبًا

في العام 2003 كان بركات يُطالع صحيفةً لأوّل مرّةٍ منذ 19 عامًا، يصف بركات تلك الحادثة: «زوجتي وضعت أمامي، على الفراغ المليء لسماء الإنترنِت، ثلاث صحف عربية أستعرضُها عشر دقائق، في صباحي، لا أجاوزها إلى شيء آخر أبعدَ مما تقع عيناي منها على رسومِ خطوطها. عِداءٌ عنيدٌ، غير مفهوم، بيني وبين الكومبيوتر».

مكتبٌ بمساحةٍ من 25 سم تقريبًا، وأمامه مسدسٌ، ومجموعة أقلام حبرٍ تعوّد الكتابة فيها هي حصيلة عِدّته في الكتابة، بعدما أمضى الكتابة بقلم الرصاص طويلًا، وهجرهُ من شكاوى الناشرين. هوايته جمع السكاكين. لا أصدقاء، لا حياة اجتماعيّة، مرهونٌ للكتابة والتفكير في الكتابة، لا يتقن لغة أجنبيّة، يطبخ من مخيلته، يُركّب التوابل، ولا يعرف من عالمنا الهاتف والتلفاز ولا وسائل التواصل الاجتماعي بقدر ما يعرف عن حياة الحيوان، والبريّة، ومطاردة السناجب في بهو بيته، يقرأ كتب التراث فقط، لا قهوة ولا شاي ولا سكّر في طعامه.

يُعتبر بركات أيقونةً في الأدب للأكراد، ومعلمًا عصيًّا على القبض على مُدخلاته وكيف يُطوّع اللغة عند العرب، يكيل الشعراء والروائيون الذي يعرفون تجربة بركات المديح لها، لكنه يبقى مديحٌ بعيدٌ عن قراءةٍ نقدٍ لمُنجزه، ربّما لأن بركات لا يعبأ بالقارئ ولا بالترجمة التي «عرقت قلوب المُترجمين في إنجازها» دون طائل.

أخيرًا، يُضاف هذا العمل لمشروع بركات الروائيّ الذي يُحاول فيه إنجاز سرديات مغايرةٍ للوجود، فكما سرد من قبل سيرة الجهات، ومكان الخلود المهجور، ودسائس المُلك، وعلاقة القتلة بضحاياهم، ها هو ذا يُرتّب تاريخ الوجود، ومعه جزء من تاريخ البرزخ، وأوّل أيام الآخرة. يُرتبها من خلف أكوامٍ من الرموز والإشارات والمُلتبس الذي يقول فيه إنّه علمٌ. يُرتّب كلَّ ذلك ليقود القارئُ ليؤوّل الحكاية كما يشتهي، ويُمرّن ذهنه على المتاهات.

  •  المصادر
    1- هناك بعض الروايات يُمكن أن تكون امتدادًا لأخرى، مثل ثلاثيّة «الفلكيّون في ثلاثاء الموت»، و«كهوف هايدراهوداهوس».
    2- الرواية، الصفحات 460 و 461
    3- الرواية، الصفحة 406
    4- هذه عادة قديمةٌ عنده وهو يتقصّدها ويقول فيها إنها لخلق الإشكال إذ لا رواية من غير إشكالٍ
    5- الرواية، الصفحة 95