أوركسترا فلسطين للشباب: تمرين لوطن مؤجَّل

الأربعاء 23 آب 2017
مصدر الصورة: الموقع الإلكتروني لمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى

عادت أوركسترا فلسطين للشباب مجددا إلى الأردن، بعد غياب قارَب الثلاثة أعوام، وقدّمت مؤخرًا عرضًا على مسرح مدرسة الراهبات الفرنسيسكانيات بقيادة المايسترو الهولندي فنسنت دو كورت.

كانت الزيارة السابقة إلى عمّان عام 2014، عندما حوّل أعضاء الأوركسترا مدرسةً ابتدائية، تقع على هضبة رملية تفصل مخيم حطين عن منطقة ماركا شمال العاصمة، إلى قاعة تدريبات تصاعدت منها الموسيقى نحو الحركة الختامية من سيمفونية بيتهوفن الخامسة.

وحين سطعت شمس آب على سطح تلك المدرسة، كان الحرب «الإسرائيلية» على غزة تدخل شهرها الثاني. كنت واحدًا من بضعة موسيقيين سوريين انضموا للأوركسترا، وبدت لنا خامسة بيتهوفن، بارتباطاتها بالبطولة والكفاح وبحركتها الأخيرة المبنية على أغان من الثورة الفرنسية، مجازاً يكاد يكون مصمَّما لكل شيء أردنا قوله، واستخدامًا أفضل للحبر والورق من بيانات الشجب والإدانة.

أثار حماسَنا وجودُ موسيقيين جاؤوا من الجهة الأخرى لبحيرة طبريا، وكان بينهم المعتقلون السابقون واللاجئون وأبناء الشهداء، وشاركونا شغف تعلم الموسيقى بكل الصعوبات التي عادةً ما ترافق ذلك، إضافة إلى الصعوبات المجانية الإضافية، كالانتظار عند الحواجز الأمنية وقتا مضاعفا بسبب آلاتنا الموسيقية، وإقناع العسكريّ بأن الإنفجار ليس من طبيعة هذه الآلات. وتساءلنا حينها: كيف سمحنا لأنفسنا طيلة هذا الوقت في دمشق أن نظن أننا لوحدنا؟

الفروقات كانت موجودة كذلك، مثل أنهم كانوا جيدين بما يكفي لعزف برامج لم نعد نجرؤ في دمشق على الاقتراب منها منذ عام 2011. أو أنهم يطلقون اسم «أوبو» على الآلة النفخية بينما نسميها نحن «أوبوا» كلٌّ حسب لغة مستعمر البلاد التي نشأ فيها، والذي قرّر أننا سنحيا في بلدين بدلًا من واحد، قبل أن نفقد الاثنين. وإن كانت خريطة اليوم تبدو آيلة لتفتّت متسارع، فإن أوركسترا فلسطين للشباب تشكل أحد الانتصارات القليلة الملموسة، والمعجزة السنوية الوحيدة التي تسمح لموسيقيّي فلسطين والمنطقة عبورَ مختلف أنواع الحدود العصيّة على التجاوز، وقضاء أسبوعين في إحياءٍ جماعيّ مؤقت لوطن مستحيل.

أوركسترا فلسطين للشباب؛ إحياء جماعيّ مؤقت لوطن مستحيل.

تُختتم فترة التدريبات السنوية بعروض تثير الإعجاب أكثر عامًا بعد عام، فالفرقة ظلت واحدة من الأوركسترات العربية القليلة المحتفظة بمستوى موسيقيّ جَدي وبيئة عمل صحية. ومع أنها تمكنت من اعتلاء خشب المسارح العالمية، مثل قاعة رويال فيستيفال في لندن، والمسرح الكبير في مدينة إيكس-آن-بروفانس الفرنسية، وأكاديمية سانتا تشيشيليا في روما، إلا أنها حافظت على علاقة خاصة مع عمّان، التي شكلت منذ تأسيس الفرقة، عام 2004، الحل القسري لمعضلة تجمّع العازفين من مختلف مناطق فلسطين والشتات مع بعضهم ومع زملائهم، العرب والأجانب.

ولكن، مثلما حدث في معظم المواسم السابقة، شُطبت في اللحظات الأخيرة بعض الأسماء من قوائم المشاركين في موسم هذا العام، بسبب عدم صدور التصاريح اللازمة، ومن بين هؤلاء موسيقيّو غزة الذين ترك غيابهم فجوة معنوية ثقيلة في صميم الأوركسترا، إضافة إلى آخرين من الموسيقيين العرب الذين تنال مشاكلهم اللوجستية المماثلة اهتمامًا أقل، ربما لأن استقدامهم ليس إدانةً مقصودة للحدود المصطنعة، أو تأكيدًا على المصير المشترك، بقدر ما هو سد للثغرات التي يتركها غياب الكوادر الفلسطينية.

تؤدي الأوركسترا مجموعة أدوار، على رأسها إزالة الغموض عن فلسطين، ليس فقط أمام الجمهور الغربي، بل وفي مخيلة الشباب العربي أيضًا، حيث تشكل فلسطين كياناً مبهمًا يأخذ أحيانا شكل شعارات مونوتونية مزعجة، وأحيانًا أخرى شكل صور سقطت عن الخرائط وخُبئت في ذاكرة مشوشة متوارثة. ولذلك كانت مشاركتنا، كسوريين، فرصة لتحويل القدس وحيفا ونابلس من أسماء مجردة، ومفردات لشعر رخيص يتم حشونا به في المدارس، إلى مدن حقيقية من شوارع ومحلات وأشخاص نعرفهم، يحاولون خلق رواية مختلفة عن بلد يمتد أبعد من حدوده. بعضهم لم يعرف فلسطين إلا في قصص تروى بين أفراد العائلة، وبعضهم الآخر بالكاد يستطيع إكمال جملة باستخدام لغة واحدة، إلا أنهم جميعاً فلسطينيون بشكل متساوٍ، الأمر الجديد على معظم من اعتاد وجود إجابات أحادية عما يجب أن يعنيه الانتماء إلى مكان ما، إجابات يعاني أغلبنا من فشل مزمن في تحقيقها.

وفي مشاركتنا الثانية، كسوريين، مع الأوركسترا في فرنسا عام 2015، تلاشت بعض الخيالات لتكشف عن مشهد أكثر تعقيدًا، حيث بدأنا نتعلم كيف نقرأ فلسطين بطريقة أقل شعرية وأكثر إنسانية، وفهمنا مثلًا كيف أن مجموعات الأصدقاء أثناء استراحات الطعام لم تكن تتشكل دائمًا بطريقة عشوائية، وأن جملة من التقسيمات الاجتماعية والدينية والسياسية لا تزال حاضرة، وإن كانت تتلاشى لحظة بدء الموسيقى، وعند الحاجة لصوت موحّد.

حقق ذلك الموسم نجاحًا كبيرًا، وتفوق الأداء فيه بمراحل على ما كان قُدّم في المواسم السابقة، ولكن اختيار المقطوعات الموسيقية كان أقل نجاحًا؛ كانت قطعة «بعلبك» للمؤلف الفرنسي اللبناني ناجي حكيم، على الرغم من حيويتها، تشبه ملصقًا سياحيًا يروج لصور مسبقة عن الشرق، تناقض تلك التي نحاول توجيه عيون العالم إليها. كما أننا بالكاد نجحنا في الإحاطة بالتعقيدات الأسلوبية لافتتاحية «الملك لير» لهكتور بيرليوز، أحد أكثر مؤلفي القرن التاسع عشر خصوصية، ربما لأن عمله هذا يتناسب أكثر مع أوركسترا احترافية تريد الغوص عميقًا في خصوصيات الحركة الرومانسية الفرنسية، أكثر مما يتناسب مع أوركسترا يجتمع أفرادها اليافعين مرة في السنة، ولم تَقطع بعدُ المراحل المطلوبة للتفاعل بما يكفي مع بيرليوز، أو لفك شيفرة موسيقاه وتعقيداتها البلاغية.

إضافة إلى ما سبق، عانت الأوركسترا منذ تأسيسها من رغبة طفولية بعض الشيء في عزف الأعمال «الأكثر مبيعًا» مثل كونشيرتو البيانو لتشايكوفسكي أو السيمفونية الثالثة لبيتهوفن، أعمال بالرغم من عظمتها يتم اختيارها أحياناً بشكل أوتوماتيكي لا يخدم بالضرورة إمكانات الأوركسترا أو عملية البحث عن خطاب يرقى إلى خصوصيتها.

لكن موسم 2016 حمل معه بوادر توسع في الأفق مع اقتراب حذر من الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة في «ميتال» للبريطاني جراهام فيتكينز، وتوزيعات مجدّدة -إلى حد ما- لأغان عربية. كما كانت أمسية عمّان الأخيرة مبنية بأكملها على موسيقى من القرن العشرين، للمرة الأولى في تاريخ الفرقة، مع «بوليرو» للفرنسي رافيل، ومختارات من باليه روميو وجوليت للروسي بروكوفييف، محاولات ربما تشجع الأوركسترا مستقبلًا على تحدي نفسها وجمهورها ببرامج أكثر تجريبية تتجاوز الاختيارات الدارجة وبضع أغانٍ رحبانيّة تجمّد القضية في نوستالجيا ما كانت فيه قبل خمسين سنة.

أحد أهداف الأوركسترا منحُ فلسطين صوتًا يمكّنها من سرد قصة مختلفة.

يجب التأكيد على أن مجرد وجود أوركسترا فلسطينية ليس غاية بحد ذاته، ولا يحمل تصريحًا من أي نوع ما لم تثبت الفرقة نفسها بموسيقاها أولًا. فيظل الهدف الأساسي من الأوركسترا انتشالُ فلسطين من واقعها العبثي، تشابكٌ من الخطوط الخضراء والحمراء والأقضية والتصاريح، ومنحها صوتاً يمكّنها من سرد قصة مختلفة.

يبذل أعضاء الفرقة جهودًا جبارة لمجاراة نظرائهم حول العالم، ويرفضون السمعة المجانية أو لعب دور الضحية، وهي أفكار تعززها بعض مظاهر التسويق، مثل إعلان حفل عمّان الأخير الذي لم يُذكر فيه البرنامج أو اسم القائد أو أسماء الموسيقيين المنفردين. هذه تفاصيل بسيطة تدل على أن الموسيقى لا تزال في الدرجة الثانية، يأتي قبلها الحضور كواجب أعمى تجاه القضية أو حتى أسوأ من ذلك، كممارسة لبريستيج اجتماعي.

تطمح أوركسترا فلسطين للشباب إلى تغيير هذا، وإلى غرس جذور دائمة للممارسة الأوركسترالية في منطقتنا، لكن سحرها يظل في طاقتها الغامرة، ورؤياها لموسيقى كلاسيكية وعربية تنطلق من هنا، ومن اليوم، وليس من أي إرث يفرضه التاريخ أو الجغرافيا، معها تكون فلسطين نبتة موسمية تزهر مؤقتًا أينما حلّ عازفوها حول العالم، وكلّ اجتماع لهم هو تمرين على مقطوعات الحفل القادم، وعلى ما يمكن للوطن الحقيقي أن يبدو عليه.